نيسان 26، 2018 هل من قبطانٍ مُنْقِذٍ لسفينةِ لبنان من الغرق؟ بقلم إيلي أنطون شويري

2018/04/27 - 11:23:21am       

 

حين تتعرّض السفينة للغرق، والأشرعة للتمزّق، في وجه رياح عاتية وأمواج هائجة، عالية، توشك أن تبتلع السفينة بِمَنْ فيها، في لجّة بحرٍ مليءٍ بحيتان جائعة، وبكلاب بحر مفترسة، يسارعُ رُكّاب السفينة إلى التعاون معا دون تردّد وبقوة، كفريق عمل واحد، وينسى الجميع خلافاتهم وسخافاتهم وأنانياتهم وكبريائهم، من أجل فعل أي شيء ينقذ السفينة وحياتهم جميعا من الغرق. إنها لحظات حاسمة مرعبة، يتقرّر فيها مصير السفينة وركابها. إنها مسألة حياة أو موت. في هذا الجوّ المأساوي الخطير، لا ينفع بشيء تبادلُ الإتهامات بين ركاب السفينة والقبطان وأعضاء فريق العمل، حول من هو المسؤول عما يحدث، والتقاتل حول من ينبغي أن يكون القبطان الجيّد ليمسك بدفّة القيادة. هذا شيء ينبغي تأجيله، بحسب حكمة غريزة البقاء، إلى ما بعد عملية الإنقاذ والخلاص من خطر الموت.

إنه واجب ملحّ على اللبنانيين في هذه الأيام العصيبة، شعبا ومسؤولين على حدّ سواء، وسفينة وطنهم لبنان تتعرّض لأعاصير مخيفة متتالية من عواصف وأمواج من الشرّ، أن يُعَجِّلوا بالإتفاق قبل كل شيء، على طريقة فعّالة تخلّصهم من الغرق والزوال. فلتجمعهم ولتوحّدهم، على الأقل، غريزة البقاء، أمام مصائب الأخطار الداهمة، المخيفة. فإنْ هم فعلوا، وأعادوا، معا، الأمور إلى حالتها الطبيعية، حينئذ يمكنهم أن يتفرّغوا لعملية فحص ضمير دقيقة ودرس الأخطاء، والإتهامات المتبادَلَة، وتحديد المسؤوليات، والمحاسبة والمحاكمة بإشراف قضاء مُنَزّه عن أي عيب، وأخيرا لأخذ القرار الحاسم (وهنا بيت القصيد) بعدم الوقوع في الخطأ عينه مرة أخرى، وببناء وطن على صخرة المبادىء والعقل والعدل والقانون، لا تهزّه ولا تغرقه أمواج ورياح الباطل والشرّ مهما هاجت وعصفت، وهي سوف تظلّ تهتاجُ وتعصِفُ، بحكم طبيعتها وطبعِها، لتُغرِقَ وتُذَرّي النفوس والأوطان الضعيفة فقط.

إن الشعب اللبناني مجموعة خراف مُشتَّتة تحتاج إلى راعٍ واحدٍ يجمعها ويوحّدها ويحميها. غير أن كثرة الرعاة في لبنان تمنع توحيد هذه الخراف، بسبب الإختلاف الحادّ بين الرعاة على تقاسم المراعي، مراعي الحكم، وبسبب تعاون وتواطؤ بعض الرعاة الذين يطمعون بالمزيد من "المراعي" الدسمة لأنفسهم فقط، مع ذئاب حكومات الدول الكاسرة، ضدّ الرعاة الآخرين وضدّ خرافهم.

وإذا عدنا إلى مثل سفينة الوطن، فهي دائما مهدّدة بالغرق بسبب كثرة الذين يريدون أن يقودوها ويستولوا عليها لوحدهم، وهم يتباكون ويذرفون بغزارة دموع التماسيح على السفينة، ويلومون الآخرين على عدم التعاون والعرقلة من اجل تخليص السفينة من الغرق، وإنقاذ طاقمها المنقسم على نفسه، وركابها المحتارين، المتنافرين. هذا هو، إذًا وضع لبنان: سفينة بحاجة إلى قبطان واحد يقودها لا أكثر، مع فريق عمل واحد منسجم، لينقذها من الغرق، ومجموعات خراف بحاجة إلى راع واحد، صالح، مخلص، وفيّ، يحميها من الذئاب الخاطفة، ومن الرعاة غير الصالحين.

من أين نأتي بقائد واحد في لبنان يكون القبطان الحكيم المنقذ لسفينة الوطن من الغرق وقائدها إلى ميناء السلام، ويكون الراعي الصالح الذي يوحّد الخراف اللبنانية المشتتة، الضائعة، ويقودها إلى المراعي الخصيبة ومنابع المياه العذبة؟

من أين يأتي، يا ترى، ذلك القائد العظيم؟ من يختاره؟

من الشعب المُشتَّت، المتعدّد الولاءات؟ أم القائد نفسه يفرض نفسه بحكمته، وتواضعه، وإخلاصه، ونزاهته، وحسن أخلاقه، وينجح باستقطاب تأييد الشعب أو معظمه؟ أم أنها معجزة من السماء؟

في لبنان، الإحتمالان الأوّلان يكملان بعضهما البعض، فيما لو تحققا سوية. أما الإحتمال الثالث وهو تدخل السماء لترسل لنا، نزولا عند صلوات المؤمنين الحارّة الملحّة، قائدا متفوّقا في الفكر والأخلاق والروح، فهذا أمرٌ نتركه للسماء، دون أن نتوقّف لحظة واحدة عن الصلاة.

في لبنان، لا يستطيع أيّ قائد، مهما كان متفوِّقا، أن يجمع كل اللبنانيين، أو بالأحرى معظمهم، لفترة طويلة، ويكرّس نفسه كقائد وكمنقذ للوطن، يرضى عنه الشعل واوسائر الزعماء. إن الخبرة قد علّمتنا ذلك منذ الإستقلال حتى اليوم. إن طبيعة تكوين شعب لبنان من عدة طوائف تتنازع باستمرار، وأحيانا بعنف، فيما بينها، على حصص الحكم والسّلطة، وتستعين دائما، كل واحدة منها على حِدَة، بدول خارجية، للإستقواء على بعضها البعض، ولتأمين حماية نفسها واستمراريتها وحدها، لا تسمح لبيئة إنسانية من هذا النوع أن تنتج، على سبيل المثال لا الحصر، قادة كشارل ديغول في فرنسا، ووينستون تشرشل في إنكلترّا، وبيسمارك وأدولف هتلر في ألمانيا، والمهاتما غاندي في الهند، والملك قسطنطين في مدينة القسطنطينيّة (إسطنبول اليوم).

إن المسألة بين القائد والشعب، لا تعود مسألة مَن يختارُ مَن، ومَن يفرضُ نفسه على مَن. إنها مسألة تماسك ووحدة الشعب بجميع نخبه مع نفسه، واحترامه لاستقلاله وتاريخه، وقوانينه ودستوره، وثقافته، واستمرارية حضارته. إنها مسألة مدى تحضّر الشعب نفسيا، ومدى نضوجه واستعداده لتقبّل قائده الخارج من رحمه لا من رَحِمِ دول الخارج، وللحكم على أدائه وقدراته، خاصة في أوقات الشدّة، بحدس صادق، وبعقل راجح يَزِنُ الأمور بدقّة. إننا نعني القائد المحبوب من شعبه، لا القائد الطاغية الذي يفرض نفسه أو تفرضه دول الخارج على الشعب، ويقمعه بقوة العسكر إن تكلم بحرية وانتقد الحكم، أو تحرّك احتجاجا في الشارع، أو بقوة سلطة وسطوة التقاليد الطائفية والعائلية "المقدّسة" الناعمة.

ما العمل إذا؟

إن الحوار، والحوار الدائم لا المؤقت والظرفيّ، هو الحلّ الوحيد لكل مشاكل الشعب اللبناني وزعماء الطوائف. الحوار البناء بين جميع نخب الشعب في كل الحقول بدءًا بحوار بين زعماء الطوائف. الحوار يقدّم أفضل إمكانية حلّ، أو بداية إمكانية حلّ، لمشكلة الزعامات الكثيرة غير المتواضعة، المتناحرة على حكم لبنان والزعامة الواحدة للبنان، ولمشكلة القائد بنوع خاص، قائد الوطن، المرضيّ عنه من جميع الزعماء والطوائف.

يتخذ موضوع القائد المنقذ للشعب اللبناني من التشرذم والفرقة والفتنة والجامع لكل أبناء الشعب، أهمية خاصة مرّة كل ست سنوات، حين يحين الإمتحان العسير، أي استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية. هنا، القاموس السياسي اللبناني يصبح مليئا بالمفردات والتعابير الطريفة، التي تشكِّل، بالنسبة للكثيرين، ولكل طائفة على حدة، خشبة خلاص لا بدّ منها، بحسب تقليد لبنانيّ قديم مقدّس: "رئيس توافقي"، أو "رئيس وفاقي"، "رئيس وسطي" أي معتدل ومستقل عن كل التيارات السياسية، "رئيس لكل لبنان"، رئيس هو "أبٌ وحَكَمٌ لجميع اللبنانيّن"، "رئيس ديمقراطي" تنتخبه أكثرية نيابية (هي في حالة إصغاء دائم إلى "همسات-أوامر" حكومات الخارج)، "رئيس قوي" أي ضعيف لا تمثيل شعبيّ قوي له، رئيس يرضى عنه كل الشعب، وترضى عنه (وهنا ذروة الطرافة إلى حدّ المهزلة والمَذلّة) كل دول الكرة الأرضية وشعوبها، وكل سكان الكواكب والسماء والجحيم.

هل من اللزوم لأن نتابع الكتابة في موضوع معقّد في رؤوس الزعماء اللبنانيين فقط، وهو، في حقيقته، في غاية البساطة، ولكن لا يبدو أنه سيجد طريقه إلى الحلّ سريعا حتى في جلسات حوار طويلة ومستمرة بين زعماء طوائف تسكنهم روح العظمة سُكْنَى دائمة بالوراثة والتربية واللممارسة؟

لقد مرّ الشعب اللبناني، في لحظات تغيير حاسمة للمرة الأولى في تاريخ لبنان، قد بدأتْ منذ ثلاث سنوات، في 2015، وظنّ الجميع، حكومة وشعبا، بأنها قد انتهت فورة تلك اللحظات الحاسمة. إن الشعب اللبناني، ودون أن يدري، قد وصل، آنذاك، بسبب مشكلة النفايات والمطامر المتفاقمة، إلى نقطة لا يمكنه التراجع عنها. أزمة النفايات جعلته يصل إلى ذروة قرفه من الوضع المزري ومن إهمال وتقاعس وكبرياء ساسة الحكم كلهم. إن ثورته الصامتة، المكبوتة، طيلة عقود، ضدّ ظلم حكوماته المتعاقبة، وضدّ سياساتها الخاطئة التي أوصلت الوطن اللبناني إلى كوارث، قد تفجّرت، أخيرا، تظاهراتٍ في الشارع، تحت شعارات كثيرة تجمعها كلها إرادة محاربة الفساد في الدولة وإرادة المحاسبة والإصلاح.

لقد أصرّ الشعب، في بداية انتفاضته، وفي ذروة غضبه، على أن يأخذ على عاتقه، هذه المرة، مسؤولية محاولة توعية الحكومة على أحطائها، وتوعية الشعب اللبناني على حقوقه وواجباته، وتوجيه الأحداث، والتحكّم بزمام الأمور وتصحيحها. قرّر الشعب أن يبدأ بمحاسبة السياسيين بالصراخ في وجههم في الشارع، وقرب قلاع حكمهم المحصنة (متحمّلا التوقيفات على يد قوى الأمن وضربات الهراوات وأعقاب البنادق والقنابل المسيّلة للدموع والمسبّبة للإغماء)، بصوت الحق الذي من صوت الله، وقد طالب الشعب وزيرَي البيئة والداخلية في الحكومة بالإستقالة لسوء التدبير والمعاملة، وطالب بإلحاح بتغيير الحكومة لضعف أدائها بأعضائها ورئيسها، وطالب بنظام حكم جديد لا يكون طائفيا. هذه كلها أشياء كانت مفقودة حتى تلك الأيام، ولم يجاهر بها الشعب، عَلَنًا وبعناد، في الشارع. فقد وَعَى الشعبُ المقهور والمكبوت، فجأةً، بأنه مصدر سلطات السياسيين الذين استغلوا مراكزهم لخدمة مصالحهم الشخصية لا مصلحة الشعب، وقرّر أن يسترجع هذه السلطات. الشعب، لأول مرة، يخيف (ولو مؤقتا) السياسيين المتربعين على عروش المجد والعظمة والغرور، ويهزّ هذه العروش. إن اللبنانيين، بين مؤيّدين للحراك الشعبي ومتفرّجين وصامتين حياديّين، قد توسّموا خيرا في حراك الشارع، رغم اقتناعهم بأن زعماء الطوائف والحكم لا يهزّهم شيء.

كان حراك الشعب في الشارع قويًّا وفاعلًا. قال الشعب كلمته الفصل ببلاغة تفوق بلاغة الكلمات. إنها بلاغة الحقّ والفعل والغضب والإيمان، وبلاغة صرخة الموجوعين والمتألِّمين. إنها صرخة وجع وغضب واحدة. هي صرخة كانت مُرَشَّحة لأن تكون، ربما، بداية توحيد الشعب اللبناني المنقسم على ذاته، وبداية خلاصه، والذي لم يحاول يوما الساسة توحيده بصدق من قبل، خوفا على وجودهم بالذات، المبنيّ على التعصّب العائلي والمذهبي والطائفي، وخلق الفرقة بين أبناء الشعب الواحد.

إن حراك الشعب في الشارع قد أجبر الأقطاب المتخاصمين على التفكير بالبدء بالحوار من أجل محاولة إيجاد حلّ سريع لمشكلة النفايات، وانتخاب رئيس للجمهورية يكون المنقذ للوطن من محنه، كبداية حسنة لإيجاد حلول لبقية المشاكل العالقة التي يختلف وينقسم حولها السياسيون اللبنانيون ويجرّون الشعب وراءهم، بسبب من أنانياتهم وكبريائهم ومصالحهم الشخصية.

هل فشل الحراك الشعبيّ في تحقيق أهدافه، في نهاية المطاف، وقد ضعف صوته ووجوده في الشارع إلى حدّ الإختفاء؟

نعم، إن الحراك قد فشل:

-مشكلة النفايات لم تُحِلّ حلًّا جذريّا كما ينبغي، حتى اليوم.

-إنتخاب رئيس للجمهورية، بعد فراغ طويل الأمد، قد حصل بسبب "تفاهمات" سرّية بين قوى الداخل والخارج تحت ستار الحوار، لا بسبب ضغوط الشارع واستجابة للشعور الشعبيّ القويّ بالحاجة إلى رئيس قويّ يقود الوطن.

-لم يتغيّر شيء، حتى الساعة، في عقلية السياسيّين وأخلاقهم و"جبروتهم"، هم ومعظم إعلامييهم وأتباعهم. وبقيت مشاكل أخرى كثيرة بلا حلول، كالكهرباء، مثلا، والتلوّث على أنواعه، والأجور المتدنِّية وغلاء المعيشة.

أجل، لم يتغيّر شيء. والحديث جارٍ، اليوم، في الإعلام وبين أبناء الشعب، عن إفلاس الدولة اللبنانية الوشيك، وعن الأمل بمساعدات دول "مانحة" تُخضِعُ لبنان لشروط قاسية ليست لصالحه أبدا، هي دسّ للسمّ القاتل في الدّسم، كالقبول ب"توطين" كل النازحين واللاجئين إلى أرضه، تمهيدا ل"تطبيع" العلاقات مع كيان العدوّ العنصري التلمودي اليهودي الصهيوني "إسرائيل"، الولد المُدَلَّل لهذه الدول.

غير إن حراك الشعب في الشارع لم يكن عبثيًّا. فقد أثمرَ اليوم مرشحين في الإنتخابات النيابية في كل الوطن، يريدون أن يكملوا نضالهم، إن حالفهم الحظ في الوصول إلى المجلس النيابي الجديد، من أجل الدفاع عن قضايا الشعب والمطالبة بحقوقه.

نعيد السؤال: من هو القائد المنقذ للسفينة اللبنانية المعرّضة للغرق، الذي يرضى به كل الشعب اللبناني وزعماؤه؟ من يختاره؟

لا يمكننا الإجابة على هذين السؤالين بطريقة جازمة. ما نعرفه معرفة اليقين هو أن الشعب الذي يتكوّن من مجموعة طوائف، والزعماء الذين هم زعماء الطوائف، لا يرضون بأي زعيم أوحد في لبنان، مهما كان عظيما بشخصيته وفهمه وأخلاقه. كبرياؤهم "الطائفية" لا تسمح لهم بذلك. نحن ندور في حلقة مفرغة، مدوّخة، وسوف نظلّ هكذا ندور وندوخ، إلى أمد غير معروف، لا يمكن تحديده.

في الوقت الحاضر، لا يسعنا إلا القول: الشعب الواعي وقادة فكره وحراكه في الشارع، الشعب الموحَّد، الثائر على الظلم والفساد، هو، اليوم، القائد، "قائد الظلّ" إذا صحّ التعبير، بوجود الزعامات الطائفية التقليدية وسيطرتهم، بلا منازع، على الحكم، والذين لا غنى عنهم، وكأنهم "شرٌّ" لا بدّ منه.

أجل، إنه الشعب الالواعي الثائر هو "قائد الظل"، اليوم، بمقدار ما يستطيع أن يحافظ على حريته من أي تأثير مالي وسياسي من قبل حكومات الخارج التي لا تترك لبنان يرتاح لحظة واحدة، والتي تعرف جيدا نقطة الضعف في الزعماء اللبنانيين القدامى والجدد وكل طامح في خوض معركة السياسة والزعامة، ألا وهي عشقهم الرهيب للمال وارتخاؤهم السريع لدى رؤيته وانبهارهم بلونه وبتنشّق رائحته.

إن الشعب اللبناني اليوم، ما يزال يفتش، في باطنه ودون أن يقرّ بذلك، عن قيادة جديدة واحدة للوطن. إن القيادات الموجودة في حال تنافس دائم فقط على قيادة طوائفها وإثبات وجودها، وتقاسم المغانم، لا على خدمة الشعب اللبناني. إنها لا تطمح إلى قيادة خارج حدود طوائفها، لأنها تعرف، سلفا، وبحسب الإختبارات السابقة على أرض الواقع، أن نجاحها جزئيّ، محدود، مؤقت، لا يدوم.

إن الشعب اللبناني الذي يريد التحرّر من قيود النظام الطائفي والزعامات التقليدية الفاشلة، ينظر، اليوم، إلى الإنتخابات النيابية القادمة بشيء من الأمل والتفاؤل لعلّها تفرز قيادات جديدة تتفق فيما بينها، ربما، على اختيار قيادة واحدة تنقذ الوطن من الموت البطيء والزوال، في هذا الزمن القاسي، الرديء، الذي تستقوي فيه بعض الدول القوية على بعض الشعوب العربية، ولبنان من بينها، وتحاول أن تدمّرها تدريجيا، للإستيلاء على مواردها الطبيعية وإخضاعها واستعبادها، وهي تهدّد كل يوم بضرورة إشعال حرب عالمية ثالثة تكون منطقتنا مسرحا لها. غير أن الإحتمال هذا، أي خلق قيادة جديدة تكون بديلا عن القيادات التقليدية، يبقى، على مشروعيته وضرورته، احتمالا ضعيفا جدا بسبب تعلّق الشعب الشديد بقياداته الطائفية التقليدية رغم فشلها في تأمين ازدهاره و سعادته ورغم اتهامها بالفساد والإثراء الفاحش غير المشروع، وهو غير مستعدّ، بأكثريته الساحقة، أن يخذلها ويفقدها مع ما تعنيه له من حماية وعنفوان وتراث وتاريخ. هذه القيادات التي فرضت نفسها على مدى عقود، ما زالت فاعلة، ودورها لم ينته ولن ينته في إدارة الوطن، بالسرعة التي يتمناها المتلهِّفون جدا لإحداث الإصلاح.

في كل الأحوال، إن الحوار المهذّب، الراقي، البنّاء، المحبّ، بين الزعماء اللبنانيين جميعا (تقليديين "فاسدين" وجدد "صالحين") وبين نخب الشعب، مهما بدا غريبا أو صعبا أو مستحيلا، يبقى الطريق الأسلم والأجدى لتحقيق أي إصلاح في لبنان، دون تسرّعٍ عبثيٍّ، غيرِ مُجْدٍ، مع احتفاظ الشعب بحق الإعتراض والتظاهر السلميّ والعصيان في الشارع. لا يمكن ولا يجوز لأحد أن يفكر بإزاحة أحد لأخذ مكانه في الصراع على السلطة، وباستعمال لغة العنف والشتيمة والحقد والإحتقار والسخرية وإلغاء الآخر، من أجل تحقيق ذلك، كما نرى ونسمع في الإعلام كل يوم، في حمأة جنون الحملات الإنتخابية.

في نهاية الأمر، لا ينبغي أن نغضب وأن نحزن وأن نُصَابَ بالإحباط إذا لم يكن للبنان قائد أوحد بلا منازع، وإذا لم يكن كلّ الساسة والزعماء قديسين وفلاسفة وروحانيين وزاهدين. هذا هو الواقع الإنساني والطائفي اللبناني من زمان بعيد. إنه واقع يتطلّب، لا معجزة من السماء (مع ترحيبنا الدائم بها)، بل مجهودا جبارا من الجميع، ووقتا طويلا لتغييره، في النفوس والنصوص، ليصبح، في مدى غير منظور، مجتمعا علمانيا واحدا بنظامه وقوانينه. في بداية أولى الخطوات على طريق الألف ميل، فَلْيَسْعَ العقلاء، وهم كثر، دون ملل أو قرف، إلى خلق أجواء جيدة للحوار الدائم بين كل النُّخَبِ في كل الميادين وبين الزعماء اللبنانيين، والإتفاق غير المستحيل أبدا (إذا قرّر الزعماء أن يُبقوا حكومات الخارج خارجا في كل شاردة وواردة خاصة الإنتخابات النيابية ثم الرئاسات الثلاث) على الوحدة، وعلى إختيار قائد بالطريقة الديمقراطية المعهودة (هو رئيس الجمهورية يحكم الوطن (بالتعاون مع جميع الزعماء)، وطن المؤسّسات والقانون، بحكمة وعدل ومحبة. ولا بدّ أيضا أن يحصل هذا التغيير الجذري، المنشود، في العقلية والواقع، في جوّ من الإرادة القوية والحسنة لمحاسبة الفاسدين في الحكم، وتحت مظلة قضاء نزيه، عادل، غير مُسَيَّس، دون اللجوء إلى تعليق مشانق، ودون حروب طاحنة بين جيلٍ حاكمٍ قديمٍ، معظمُه غيرُ صالح، "شرُّه" معروف، وبين جيلٍ جديدٍ "صالح" يطمحُ لأن يحكم، "خيرُه" ما يزال مجهولا.

إنْ تحلىّ اللبنانيون جميعا بالمحبة، والصبر الجميل، والواقعية، والعقلانية، فلا بدّ أن يخرج، يوما، من رَحِمِ معاناة الشعب الثائر باستمرار على نفسه، القبطانُ الحكيمُ الذي يقودُ سفينةَ لبنان إلى برّ الأمان، وينقذها من خطر الغرق الدائم في بحور الحيتان الجائعة، والراعي الصالحُ الذي يقودُ خرافَ لبنان المشتّتة إلى المراعي الخصيبة والمياه العذبة، ويجمعها ويحميها في حظيرة الوطن الواحدة، وينقذها من براثن وأفواه الذئاب الكاسرة، الغادرة، الخاطفة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً


المصدر: