النازحون السوريون إلى الوطن در.. رغم إغراءات التوطين

2018/04/27 - 01:42:18pm   

 

 

جاءت عودة حوالي 500 نازح سوري من شبعا إلى بيت جن في الغوطة الشرقية خلال الشهر الجاري لتضع حداً لجميع المهاترات التي تحدثت عن قلق السوريين من العودة إلى بلادهم. وهذه العودة لم تكن الأولى للنازحين السوريين، لكنها من بين الأضخم من حيث العدد الجماعي، ومن حيث الترتيبات التي سبقتها بالنسبة لتسوية أوضاع النازحين في كلا البلدين. وتعد العودة ذات أهمية كبيرة لأنها جاءت بعد الإعلان عن تحرير الغوطة الشرقية، وبقدر ما شكل التحرير صدمة للمشروع الغربي ومن معه، فقد بات مصدراً للأمل بالعودة إلى الوطن.

 

إرهاصات العودة بدأت منذ العام الماضي مع عودة النازحين من الأردن، وذلك بعد توقيع اتفاق "خفض التوتر" في درعا ـ جنوب سوريا واتخاذ القرار بتسوية أوضاع جميع الذين يرغبون بالعودة إلى حضن الوطن. وبحسب تقرير نشره موقع "روسيا اليوم"، فإن هناك 200 سوري يعودون كل ثلاثة أيام، وذلك بحسب مواعيد الحافلات التي تؤمنها الدولة الأردنية لنقلهم إلى مناطق درعا، و200 سوري يسجلون أسمائهم يومياً بهدف العودة. وهو إجراء يتم تنسيقه مع مفوضية اللاجئين. وبحسب تقرير نشره موقع "معهد الدراسات العربية" في اليوم نفسه الذي شهد عودة أهالي بيت جن، أن هناك 100 ألف نازح سوري قد اختاروا العودة الطواعية إلى سوريا من الأردن.

في العام 2017، في 10 حزيران/ يونيو شكلت تجربة عودة النازحين السوريين من عرسال إلى بلدة عسال الورد السورية تجربة هامة، حيث ذهب 300 شخص يشكلون بمعظمهم ستون عائلة. وفي 12 تموز/ يوليو من نفس العام عادت دفعة ثانية من نفس العدد.

تجربة 10 حزيران/ يونيو كانت مثالاً بعث الثقة ما بين النازحين ودولتهم، حيث سويت أوضاعهم في سوريا ولبنان وعادوا إلى أراضيهم، بعد أن تلقوا التطمينات من الدولة بالعفو عن كل من يعود إلى أرضه ويلقي السلاح.

الإتحاد الأوروبي: حصر اللاجئين في دول الجوار.. لتوطينهم

كان سر التعاطف الأوروبي مع اللاجئين السوريين يتمثل في ضخ دماء جديدة في مجتمع يعاني "من شيخوخة مزمنة". فإقتصاد ألمانيا ذو الوتيرة المتصاعدة. يحتاج إلى مليون ونصف من الأيدي العاملة من أجل المحافظة على وتيرته. استقبلت ألمانيا في العام 2016: 295 ألف لاجئ سوري من أصل 406 آلاف وصلوا إلى أوروبا ومنحوا حق اللجوء في دول الاتحاد، ووفقاً للإحصائيات فإن السويد استقبلت 44905 لاجئ، فحلّت في المرتبة الثانية بعد ألمانيا في حين لم تسقبل بريطانيا إلا 1850 لاجئ سوري، أي أقل بـ 160 مرة من ألمانيا.
لاحقاً شكلت أزمة اللاجئين من سورية والعراق باتت تؤرق أوروبا، حتى أنها باتت تتسبب بتأزم العلاقات من بين دول الإتحاد الأوروبي وقد تتسبب بتفككه.

في كانون الثاني/ يناير من العام 2016 وخلال مؤتمر دافوس، كانت هناك سلسلة من التصريحات التي نشرتها الغارديان والتي تتعلق باللاجئين السوريين في أوروبا. ويبدو أن المؤتمر كان يراجع أوضاع اللاجئين في أوروبا، فاتُخذ القرار بإلقاء مسؤولية اللاجئين على الدول المجاورة لسورية، أي في لبنان والأردن. حيث صرح كاميرون أن المجتمع الدولي عمل جاهداً من أجل تقديم المساعدات الإنسانية للاجئين السوريين ودعمهم في الدول المجاورة. وكان مؤتمر لندن قد خصص المزيد من المساعدات للاجئين في لبنان والأردن من اجل العمل على تمكينهم من البقاء في المنطقة من خلال السماح لهم بإدارة أعمالهم في المجتمعات المضيفة لهم، وبالتالي سيقلل من فرص رؤيتهم يهاجرون إلى أوروبا.

أما التصريح الأوضح عن الأزمة فكان في كلام رئيس الوزراء الفرنسي "مانويل فال" في مقال نشر في "الغارديان" في 22 كانون الثاني/ يناير 2016، على هامش نفس المؤتمر أن: "أوروبا لا تستطيع تحمل عبء المهاجرين من سوريا والعراق دون وضع مفهوم أوروبا في خطر"، ويقصد المفهوم الثقافي. كما يكمل، "أنه يجب وضع إجراءات صارمة على الحدود وإلا ستدمر مجتمعاتنا". كما أعرب رئيس وزراء هولندا مارك روت ضمن السياق نفسه أنه لا يمكنهم استيعاب الأعداد القادمة وأنه يجب إحكام السيطرة على الوضع. وحث وزير المالية الألماني "فولفغانغ شوبل" على ضرورة خفض ضغط الهجرة، الذي سيضع نظام إتفاقية "شنغن" في خطر، وهي الإتفاقية التي وقعت في العام 1985 والتي ألفت ما بين حدود أوروبا. هذا الخطر سيؤثر بحسب "شوبل" على العلاقات الأوروبية سياسياً واقتصادياً.

بالمقابل دعا وزير الخارجية السوري في 30 كانون الثاني/ يناير 2017 السوريين العودة إلى وطنهم، وأن الدولة ستقوم بتسوية أوضاع الجميع. وباشرت ذلك فعلياً من خلال قنصلياتها، التي ماتزال تعمل في أوروبا وتقوم برعاية شؤون المهاجرين السورريين فيها، وتسجل الأولاد المولودين حديثاً، وتصدر جوازات السفر لمن فقدها أو تجددها، وحتى اليوم لم تتوقف عن دورها في متابعة رعاياها.

عرقلة عودة النازحين السوريين للاستفادة من فرص إعادة الإعمار

يبدو أن عدد اللاجئين الذي وصل إلى أمريكا وكندا قليل جداً. أما استراليا فهي لا تقبل اللاجئين إلا من خلال طلبات المفوضية العليا للاجئين، ويتم ذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة حصرياً. في هذا الإطار يمكننا أن نفهم أن الغرب يريد أن يمنح طلبات اللجوء ولكن بأعداد قليلة حتى لا يؤثر ذلك على تركيبتة الديموغرافية والدينية. وبناء عليه، لم تمنح الدول السلافيه وهنغارية اللجوء إلا للعائلات المسيحية. أي أن الأمر مرتبط أيضاً بإفراغ الشرق من مسيحييه.

والنقطة الثانية، لها علاقة بالدافع الإقتصادي، فالعراقيل التي تضعها الدول تتعلق بمحاولة الغرب الدخول على خط إعادة الإعمار في سوريا والإستثمار في الثروات الطبيعية من نفط وغاز وفوسفات وغيرها... وهذا الأمر حتى اليوم ترفضه الدولة السورية. وتعتبر أوروبا والغرب أن عودة السوريين ستفقدها ورقة ضغط قوية على كل من الحكومتين السورية واللبنانية من أجل تحقيق مكاسب لها على الصعيدين الإقتصادي والسياسي. واذا دققنا في المعطيات التي لدينا، فإن هذه الأسباب مجتمعة تعرقل الحل السياسي وترفع من درجة الترهيب والتصعيد بين اللاجئين الذين يريدون العودة إلى بلادهم وخاصة إلى المناطق التي حررها الجيش السوري، والتي لم يطالها الدمار.

وكان تقرير مؤتمر بروكسيل الشعرة التي قصمت ظهر البعير وكشفت النوايا المضمرة لتفتيت سوريا وحشر لبنان في خانة القبول بالتوطين.

في هذا الإطار يطلق الغرب تقارير تحذر من المخاطر الإنسانية لعودة اللاجئين السوريين، والغريب أنها كانت قد أطلقت قبل يومين من عودة أهالي بيت جن إلى قراهم في الغوطة الشرقية في 18 نيسان/ ابريل الحالي. اذ تحدثت "يورونيوز" عن ستة تقارير أطلقتها منظمات إنسانية أوروبية ومنها "أنقذوا الأطفال" البريطانية، و"مجلس الكنائس" الدانماركي و"مجلس الكنائس" النرويجي، تزعم أن حياة الراغبين بالعودة الطوعية في خطر. كذلك مع زعمه تقرير مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت (مركز أبحاث أميركي) والذي حذر أيضاً من خطر عودة اللاجئين السوريين في أسباب حصرها ليس فقط في الخطر الناتج عن وجود الإرهابيين، بل بمزاعم أن الدولة السورية ستضع اللاجئين وخاصة الشباب منهم في السجون بسبب تهربهم من الخدمة العسكرية ومعاقبتهم بالسجن لمدة سنه، أو بسبب عدم جهوزية الدولة السورية لمتابعة الإجراءات اللوجستية والقانونية اللازمة لإستقبالهم ومشاكل إعادة الإعمار وأن الدولة السورية غير قادرة على ذلك.

تضليل وإخفاء معلومات عن تقديمات الدولة السورية للعائدين

يبدو أن تقارير هذه المنظمات ومراكز الدراسات لا تريد أن تلحظ التقارير حول الإنجازات التي قدمتها سوريا، على الأقل، التي ترافقت مع خروج الرهائن المحاصرين من مناطق الغوطة الشرقية. حيث قامت الدولة السورية بتأمين الماء والغذاء والدواء للمحاصرين واللقاح لأطفالهم وفريق كامل من المحامين من أجل تسجيل أولادهم وتأهيل أماكن الدارسة وضرورة عودتهم أو الحاقهم ببرامج من أجل متابعة تحصيلهم العلمي. كما أمنت مراكز لإيوائهم، من أجل تنظيم عودتهم إلى قراهم بعد إعلانها خالية من المتفجرات والألغام والتأكد من خلوها من المسلحين، وإعادة تأهيل البنى التحتية. وبحسب "شام إف إم"، ساهمت بعض المنظمات الدولية بتأهيل 200 مسكن في الزبداني وسلمتها لـ 2000 عائلة عادت إليها في 18 نيسان من هذا العام. وينتظر البدء بـ 100 منزل آخر سيسلم إلى 2000 عائلة أخرى في الشهر المقبل. وكانت العائلات قد عادت بعد أن تم تركيب 40 محولة كهرباء في الزبداني وأهلت أربع مدارس من أجل استقبال الطلاب، اثنان منها سيستخدمان هذا العام كمراكز امتحانية للشهادتين الإعدادية (المتوسطة) والثانوية. والأمر ذاته ينطبق على العديد من القرى، ومنها الذيابية، التي يقدر عدد سكانها بـ 56 ألف نسمة أي ما يقارب 10500 عائلة.

كما أن هناك تقارير عن عودة أهالي داريا للعمل في أراضيهم من أجل تحسين وضعهم الإقتصادي. والمدينة هي المدرجه تالياً من أجل إعادة إعمارها. وقد تمت إعادة تأهيل المركز الصحي والمخفر في البلدة. واليوم وضعت لجنة وزارية ميزانية تقدر بـ32 مليار ليرة سورية، اي ما يعادل تقريباً 64 مليون دولار، من أجل إعادة تأهيل البنى التحتية من ماء وكهرباء واتصالات ومدارس ومراكز طبية وإعادة إعمار البيوت قبل عودة أهاليها. كما تسوى اليوم أوضاع البيوت التي دمرت، وتسوى أوضاع أصحابها القانونية، وفق ما أكده المحامي عامر السقا عضو لجنة المصالحة.

كذلك، قامت الدولة بمنح الشباب في الغوطة الشرقية، الذين تخلفوا عن الخدمة العسكرية، فرصة 9 أشهر من أجل تنظيم أوضاعهم، قبل الإلتحاق بالجندية. وحتى أن الذين عادوا من شبعا إلى بيت جن كانوا قد منحوا فترة ستة أشهر من أجل تنظيم أوضاعهم قبل التحاق الشباب ما بين 18-42 بالخدمة لعسكرية، وهو الأمر الذي تحاول تقارير المنظمات الدولية الضغط من خلاله من أجل بث القلق ما بين الشباب من أجل عدم مغادرة لبنان والأردن.

هذه التقارير، وعلى الرغم من ذكرها أن أغلبية السوريين اللاجئين يتمنون العودة إلى سورية، تتناسى المصالحات التي عمت سوريا من شمالها إلى جنوبها، والتي تشهد على تسوية الأوضاع القانونية لكل من كان ضد النظام أو معه، والشواهد على ذلك ماتزال ماثلة. ومع ازدياد نسبة الأراضي السورية الخارجة من تحت سيطرة الإرهاهيين، تزداد ثقة السوريين وتتعزز أكثر بجيشهم وبمطالبته الدخول لتحريرهم من سيطرة من تبقى منهم، وهذا ما تدل عليه التقارير المصورة واللقاءات مع الناس والمظاهرات في المناطق التي يسيطر عليها هؤلاء الإرهابيون، الذي باتت فصائلهم ورقة خاسرة بيد كل من بنى الآمال عليها بتقسيم سوريا.