هل صحيحٌ أنّكَ مهما تَزْرَعْ تَحْصُدْ؟ الكاتب ايلي انطون شويري

2018/05/02 - 02:30:48pm       

 

 

 

إنه مثلٌ علميٌّ، بسيط، منطقيّ، واضح، وغيرُ قابل للنقاش والرفض، يعرفه جيّدا ويردّده المزارعون بنوعٍ خاص، لكونهم يمارسون مهنة الزرع والقطاف والحصاد، ويملكون خبرة جيدة بتقلبات وتأثيرات الطقس والمناخ. ويعرف هذا القول جيدا، أيضا، علماء الأخلاق والنفس والإجتماع والتاريخ لخبرتهم العميقة بالنفس البشرية ومجتمعاتها وطرق نموِّها، وبالتاريخ وجدليّة سيره وتطوره الحتمية.

إنه قول يحتوي على حكمة، هي، في الحقيقة، تحصيل حاصل، وليست بسرّ عويص يستحيل سبر غوره، أو بأحجية صعب حلّها، تتطلب جهدا ذهنيا بالغا لفهمها، أو بمسألة علمية مبنية على قاعدة علاقة النتيجة بالسبب، تستوجب البرهان في المختبر. فمن يزرع زؤانا، مثلا، لا يتوقّعنّ ان يحصد قمحا. ومن يزرع شوكا لايتوقّعنّ أن يحصد عنبا أو تينا. ومن يزرع الكسل واللهو يحصد الفاقة والفراغ والندم. ومن يزرع أعمالا حسنة بين الناس ويسعدهم، يحصد راحة الضمير وسعادة القلب قبل كل شيء، ثم محبة الناس وشكرهم له، ويحصد، وهنا الأمر الأهمّ بالنسبة للإنسان التقيّ، للمؤمن بالله، ثوابا في الآخرة. وعمل عكس ذلك صحيح بحسب المنطق الحتميّ عينه والعلاقة بين السبب والنتيجة، بين الزرع والحصاد.

تكثرُ الأمثلةُ والحِكَمُ حول هذا الموضوع. وكلها تدلّ على شيء واحد: إنه قانون قاسٍ لا يرحمُ. ثمّة قانون آخر معروف، وهو أيضا قاسٍ لا يرحم، في حياة الطبيعة والأفراد والمجتمعات والشعوب. إنه قانون إستقواء القوي على الضعيف وافتراسه، وهو قانون طبيعيّ يفسّر استمرارية الحياة. في الأدغال، مثلا، بحسب الغريزة الحيوانية الشرسة المعطاة للنمر، لا يمكنه إلا أن يفترس الغزال الضعيف الذي لا يعرفُ ولا يقدِرُ أن يهاجم أو أن يدافع عن نفسه. إن الإنسان الفرد، إن لم يكن قويا، كان ضحيّة للإنسان القوي، المستقوي بقوة جسده أو سلاحه أو ذكائه أو ماله أو أملاكه أو حماته في الدولة، وبغريزة السيطرة والسلطة والعظمة والشرّ الساكنة فيه، والتي تحرّك تفكيره وسلوكه. والشعوب التي لا تتحضّر لمجابهة الأقوياء الكاسرين الشرِسين، تظلّ ضعيفة، وعرضة لغزو أرضها، والسيطرة عليها، واستعبادها.

لذلك، فإنّ تاريخ جميع الشعوب مليء بالشرور والمآسي والتجارب القاسية، لأن البشر يدفعون ثمن عدم وعيهم الكافي لمنطق الزرع والحصاد القاسي، ولمنطق سيطرة القوي على الضعيف، وعدم تحضّرهم الكافي وأخذ الحيطة لمجابهة هذا الواقع الذي لا مفرّ ولا خلاص منه، فتفجأهم الأحداث، وتصدمهم، وتؤذيهم في صميم وجودهم وحياتهم وأمنهم وحضارتهم وكرامتهم.

إن المسؤولين عن مصير الشعوب في التاريخ هم القادة الذين يختارون أنفسهم بأنفسهم ويفرضون أنفسهم فرضا بالقوة، أحيانا مدى الحياة، ليحكموا شعوبهم، أو الذين تختارهم شعوبهم بالتصويت من خلال نظام ديمقراطي. أي نجاح أو أي فشل في القيادة يتحملهما القادة. وتاريخ الشعوب دون استثناء، ليس، في الحقيقة، سوى مسلسل رعب متواصل، منذ فجره حتى اليوم. ثمّة أخطاء لا تُصَحَّح بسهولة إذا ارتكبها قادة الشعوب بحق شعوبهم. وثمّة قادة وشعوب لم يتعلموا شيئا من عنف التاريخ ومآسبه وآلامه. بلى، فقد تعلموا ترداد القول المعروف "التاريخ يعيد نفسه"، بشكل ببغائيّ، وهم لا يسألون أنفسهم "لماذا؟"، وهم لا يفعلون أي شيء لوقف تلك الإعادة المشؤومة.

أين يقف الشعب اللبناني يا ترى، في تاريخه الحاضر، من هذا القول "مهما تزرع تحصد"؟

يقفُ الشعب اللبناني، اليوم، على مُفْتَرَقِ طرق، بعد تاريخ طويل، حافل بالمخاطر والمآسي نتيجة أخطاء قادة طوائفه الفادحة المتواصلة، منذ ما قبل الإستقلال وبعده حتى اليوم، في عالم، السيطرة فيه والغلبة للأقوياء بالمال والعسكر والسلاح. يحتاج الشعب اللبناني، إن وَعى، أن يتوقف، ليفكّرَ مليّا وجدّيا بما جَنَتْ يده هو بالذات، جرّاء ما زَرَعَتْهُ في تراب السياسة والزمن والتاريخ. أجل، يحتاج الشعب اللبناني، اليوم، إلى وقفة تأمّل وصحوة ضمير، ومحاسبة ذاتية مؤلمة، غاضبة ضدّ نفسه أولا، ثمّ من خلال محاسبته للذين أوصلوه إلى ما أوصلوه إليه بسبب كبريائهم وغرورهم وأنانيتهم، واستلشاقهم به وهو، رغم تقصيرهم الفاضح في مجال خدمته، لم يمتنع أبدا عن أن يعيد انتخابهم عدة مرات، ولم يجرؤ على محاسبتهم من قبل في صندوق الإقتراع، محاسبة تحرّره من الفاسدين منهم والفاشلين والظالمين.

على أبناء الشعب اللبناني الواعين أن يعترفوا بصوت عالٍ وشجاعة وصدقٍ، اليوم:

"نحن، أبناء الشعب اللبناني، قد حصدنا نفاياتٍ في شوارعنا، وتلوثا وتشويها في بيئتنا، وغلاء معيشة، وحياة غير آمنة، وسرقاتٍ وجرائمَ وفقرا، ومرضا وموتا مبكرا، وحوادث سير، وبطالة، وقرفا، وتعاسة، وهجرة، وفوضى أخلاقية، وكسر قوانين، وإذلالًا لكرامتنا، لأننا زرعنا في صناديق الإقتراع، أكثر من مرّة، أسماء الساسة الفاسدين الفاشلين أنفسهم، الذين يفتقرون إلى الصدق والأمانة والكفاءة الأخلاقية والفكرية والقيادية. إننا نَحْصُدُ ما زَرَعْنَا. وسوف نصلحُ الأمور، من الآن فصاعدا".

إن الشعب الواعي، حين يمرّ في طور الصحوة، لا بدّ أن يشعر بالألم، ولكنها، في الوقت عينه، صحوة مفرحة، لأن في هذه الصحوة ولادة روحية جديدة للشعب في جوّ الحرية، ولادة تنسيه ألم المخاض الطويل العسير.

إن شعب لبنان المنقسم على ذاته بسبب كبرياء وسوء أخلاق معظم ساسته وزعمائه، كان يخاف دائما من الثورة في الشارع، من أجل تجنّب ردات الفعل العنيفة من طائفة أخرى بغمزة عين من زعيمها. أما اليوم، فقد بدأ كل الشعب اللبناني يتململ ويتوحّد، بعد أن طفح كيل الهموم والمشاكل والمآسي. ثمة سبب عظيم اليوم ليتحد أبناء الشعب اللبناني: هم ضحيّة واحدة لظلم ساستهم. لعل هذا السبب يوحدهم أكثر مما وحّدهم حتى اليوم سبب آخر مهمّ: وجود عدوّ عنصري صهيوني خطير.

إن معظم الساسة، إذا تُرِكوا وشأنهم و"على همّتهم"، فهم لن يعوا أبدا هموم الشعب الذي أوصلهم إلى الندوة النيابية وإلى الحكم. فهم كانوا دائما، وما يزالون حتى اللحظة الحاضرة، منهمكين حتى الشغف والسكر والبطر ونسيان الشعب كليا، باستغلال مراكزهم من أجل تجميع الثروات، وتجميع الأزلام والسلاح لحمايتهم وحدهم، بأية وسيلة وبأي ثمن، وبالتمتع بالحصانة والمواكبات على أنواعها، وب"المخصّصات"، والرواتب والتعويضات الخيالية لهم ولعيالهم من بعدهم مدى الحياة، وبالأمجاد، والألقاب، والسفرات بطائراتهم الخاصة، أو درجة أولى على حساب خزينة الشعب. بكلمة واحدة، هم يهتمّون ويستمتعون بكل شيء، إلا بخدمة الشعب، صاحب الفضل الوحيد بإيصالهم حيث هم على عروشهم المُذَهَّبة، وبتقوية جيشه، عددًا وعدّةً، ليقاوم الإرهابيين المعروفين الكثر، المتربصين شرا بشعب لبنان والطامعين، بالتواطؤ مع الساسة أنفسهم لاعبي دور أحصنة طروادة، بقتل إرادته وإضعاف روح المقاومة فيه وإخضاعه لمشيئتهم، وباستملاك أرضه واستغلال موارده الطبيعية.

إن الساسة هؤلاء يزرعون ويحصدون في تربة أرض الأقوياء في الخارج، من أجل أنفسهم وحسب، ويدّعون دائما وببلاغة فائقة، بأنهم يعملون من أجل "المصلحة الوطنية العليا". هم يزرعون الولاء والسجود والتملّق والطاعة والعبادة للخارج، فيحصدون المال والجاه وحياة الترف لهم وحدهم. هم يزرعون الخيانة لشعبهم فيحصد الشعب وحده مشاكل الإذلال والإحتقار والخوف من المستقبل، والضعف الماديّ والمعنويّ. هي مشاكل يخلقونها للشعب، ولا تعنيهم أبدا، ولا تؤثّر عليهم بشيء، ويدّعون ببلاغتهم الكاذبة بأنهم يحاولون عمل المستحيل لإيجاد الحلول لها، ويتهمون أفرقاء آخرين بالتقصير، وهم يمعنون في الخداع والخيانة، ولا رقيب ولا حسيب ولا رادع. هم وعيالهم بمأمن دائم من كل المشاكل، في قلاعهم وقصورهم المحصّنة والمحمِيّة. وفي حال اضطروا إلى الهرب من الوطن لأسباب أمنية، فهم سهل عليهم السفر، وحدهم، وبسرعة، إلى منتجعات الخارج، وترك الشعب وحده في أرض الوطن يشقى ويعاني، ويشتاق إلى عودتهم، ثم يعودون لمتابعة نشاطاتهم الكاذبة، وبهمّة عالية، حالما تنكفىء العاصفة.

لقد آن الأوان ليقرر الشعب بحزم، أن يضع حدًّا نهائيا لسياسيّي الكذب والخداع والخيانة، وأن يضع أيضا حدًّا نهائيا لنفسه بأن يكفّ عن زرع بذور ثقة وأمل وأوهام في تربة ساسة سيئة، وجنيِ حصادٍ سيّء. لقد ثار مرًة في الشارع ثورة بيضاء غاضبة، ولكن غير حاقدة، لا تحلم بالدماء، ثورة راقية، صبورة، مثابِرة، ثورة على السياسيين المتمادين في عدم أداء واجباتهم تجاهه، وفي التسلّط والتفرّد في الحكم وممارسة الظلم والتكبّر والخيانة.هؤلاء الساسة هم فريق عمل متجانس يجمعه حبّ المصلحة الشخصية والمال لا حبّ الوطن والشعب اللبناني. وقد اتفق أعضاء هذا الفريق فيما بينهم بأن يتمادوا في غِيِّهِم، وهم لا يُتقِنون إلا الإرتماء في أحضان الغرباء التي تفوح منها روائح عطور المال، من أجل منفعتهم الخاصة وحسب، ودائما على حساب كرامة الشعب اللبناني، وأمنه، ولقمة عيشه، وصحته، وازدهاره، وسعادته.

إن الشعب قد تَعِبَ من سياسيي الخداع، وهو بالمرصاد لهم. الشعب نزل إلى الشارع عدة مرات في السنوات القليلة الماضية، وقد أزعج وأخاف السياسيين، ولو مؤقتا. سوف يعود الشعب إلى الشارع، حين تدعو الحاجة، ليطالب بحقوقه الكثيرة التي تختصرها "شرعة حقوق الإنسان" اليتيمة جدا في وطن الأرز، ويضغط على ممثليه في الحكم الذين مثّلوا عليه وخدعوه، ونكّلوا بكرامته واحتقروه، من زمن بعيد. سوف يعود الشعب يراقب أداءهم عن كثب. سوف يجبرهم على الحوار الصادق والمتواضع فيما بينهم من أجل خدمته وكرامته فقط. وإن تبادلوا الصراخ والشتائم، وتدافعوا وتضاربوا بالأيدي، فلا بأس. سوف يتفرّج عليهم الشعب، هذه المرّة، دون أن يرفّ له جفن، تماما كما لم يرفّ لهم جفن من قبل، كلما كان أبناء الشعب يتقاتلون فيما بينهم في الشارع، من أجل حماية عظمة وعروش زعمائهم، والزعماء يتفرّجون، ثم يحصدون بفرح وحدهم "غلات" ما زرعت أيديهم من بذور الفتنة والحقد، اي المزيد من القوة والكبرياء والعظمة والمال والسلاح من أقاربهم شياطين الفتنة في الخارج. وأما حصاد ابناء الطوائف فهو دائما الموت والعاهات والأحزان والأحقاد والحداد... والهجرة. إن قتال السياسيين مع بعضهم البعض في البرلمان، لأفضل بكثير من أن يتقاتل أبناء الطوائف في الشارع وتسيل دماؤهم في لعبة إثبات وجود تافهة، باطلة، عبثية.

لا بدّ، في نهاية المطاف، إذا تابع الحقّ جهاده المقدّس السلميّ في سبيل إحقاق الحق، أن يكون للحقّ انتصاره على الباطل في جولة واحدة. لقد حان الوقت ليبدأ الشعب الواعي بلعب دوره كمراقب، ومحاسب، وموجِّه، ويكونَ حقا سيّدَ نفسه، ويستحقّ لقب مصدرً السلطات.

مهما تزرعْ تحصدْ.

فهل يبدأ جميع أبناء الشعب اللبناني، اليوم، بأن يتوحّدوا في ثورتهم على الباطل الساكن في أنفسهم وفي أنفس زعمائهم، وأن يزرعوا معا البذار الجيدة في الأرض الجيدة، بدءًا بصندوق الإقتراع، لعلّهم ينعمون، ولو مرة واحدة في تاريخهم المليء بالقحط والمرارات، بحصاد جيّد، ويتذّوقون حلاوة الحرية والكرامة والوحدة والسلام والإزدهار، رغم أنف أقوياء الخارج الأشرار، ورغم أنف إسخريوطيّي وبرأباسيّي الداخل خائني أنفسهم، وخائني الوطن، وخائني الأخلاق الحسنة الحميدة، وبائعي ضميرهم، وبائعي شعب الوطن وأرضه بثلاثين من الفضّة وبوعود المال والعظمة والفسق والعهر لهم، من رؤساء الشعب والكتبة والفريسيين الجُدُد، وأذنابهم الكُثُر من هيرودوسات وبيلاطوسات آخر زمان، في شرقنا المظلومة والمقهورة والمعذبة شعوبه فقط لا قادته، وفي الغرب المغرور، المتكبّر بقادته.

إذًا، موسمُ الزرع الجيّد آتٍ، لا محالة، في تربة صندوق الإقتراع الجيدة، كما ذكرنا منذ قليل، وبعد صندوق الإقتراع في تربة برج المراقبة الواعية والمحاسبة الرصينة المسؤولة لأداء من يختارهم الشعب لخدمته. ثم يلي ذلك، حتما، إتيان موسم الحصاد الجيّد، بعد موسم الزرع الجيّد في التربة الجيدة، وهو ملكوت أعراس الحرية والإستقلال والسيادة والكرامة والإزدهار والفرح والسعادة للشعب اللبنانيّ الطيّب.