الأبعاد الاستراتيجية لمعركة حزب الله الانتخابية

2018/05/08 - 12:08:10pm   

 

لقد كان واضحا من طريقة إدارته لمعركة الإنتخابات النيابية الاخيرة في لبنان، أن حزب الله أعطاها أهمية إستثنائية، لا تختلف كثيراً عن طريقة ادارته لمعاركه العسكرية تاريخياً، ضد العدوين الاسرائيلي أو التكفيري، وذلك في طريقة المتابعة والاشراف والتركيز والتنظيم، وحيث جاءت النتائج مُعَبًرة عن نبض بيئته بدرجة أولى، وعن نبض البيئة المؤثرة في بيئته أو المتأثرة بها بدرجة ثانية، لا شك أن لهذه النتائج ابعاداً واسعة، تتخطى الداخل اللبناني لتصل الى الوسطين الاقليمي والدولي، فما هي الخطوط الرئيسية لمناورته في هذه الانتخابات، وما هي الأبعاد والمعاني التي افرزتها نتائج هذه الإنتخابات؟

إنطلاقا من الهجمتين الاقليمية والدولية على حزب الله، واللتان تصبان بالنهاية في نفس الاطار لناحية استهداف موقعه في المعادلة اللبنانية الداخلية، بهدف التصويب على دوره في المعادلة الاقليمية وإضعافه، وبالتالي عزل تأثيره الاقليمي، أدار معركته الانتخابية تحت عنوانيين او بعدين رئيسين، البعد الداخلي والبعد الخارجي.

البعد الداخلي

أولا: جاءت تحالفاته الأساسية من الناحية الطبيعية والمنطقية، في بيئته المشتركة مع حركة "امل"، والتي كانت دائما السند الاساس لمعاركه الاستثنائية، ضد العدو الاسرائيلي او ضد العدو التكفيري ورعاته، وحيث استطاع بخبرته وبفهمه لأساليب العدو التي طالما عمل عليها الاخير، وهي ضرب وتفتيت المجتمع الداخلي وإضعاف الجبهة الداخلية للبيئة المباشرة، تجاوز هذا القطوع الاساسي، وكما دأب دائما على ذلك خلال كامل دورات الانتخابات النيابية السابقة، ثبّت سريعا تحالفه مع حركة "امل"، غير مهتمٍ ولا مبالٍ بتوزيع المقاعد وبحصصه في الدوائر، مركزاً فقط على تحصين وحماية الجبهة الداخلية كأساس لهذه المعركة ذات الأبعاد الخارجية.

ثانيا: لناحية التحالفات الداخلية مع الطراف الأبعد جغرافيا عن بيئته المباشرة، كان واضحا ان اهدافه من هذه التحالفات ليست المواجهة القاسية بهدف الاقصاء او الالغاء، بل جاءت هذه التحالفات عادية وطبيعية، عنوانها الواسع كان عدم استهداف أي طرف داخلي حتى ولو كان خصما دائما في السياسة وفي غيرها، وقد كان واضحا، وفي أغلب الدوائر التي لديه فيها قدرة تأثير انتخابية، ان هدفه الاستيعاب بعيدا عن المواجهة، وقد برهن أيضا من خلال هذه التحالفات الداخلية، أنه قادر على التكيف سياسيا وانتخابيا مع غير حلفائه في السياسة، طبعا من غير الاخصام الشرسين او المعارضين العنيفين لموقعه، والمتنكرين الدائمين لدوره ولتضحياته.

ثالثا: لقد كانت معركته الأكثر شراسة بمواجهة الأطراف التي أرادت استهداف علاقته ببيئته وزعزعتها، وحيث جاء هذا الاستهداف على خلفية ظاهرية تتعلق بالانماء والاقتصاد، كانت الأهداف أبعد و أعمق من ذلك، لتمتد الى إستهداف دوره وموقعه وثقة ابناء بيئته به، وفي هذه الدوائر الحساسة، والتي تبين أن الخارج (اقليميا ودوليا) خصص لها الكثير من الاهتمام المادي والاعلامي، نشطت ماكينة المقاومة الانتخابية، وباشراف ومتابعة مباشرة من قيادتها، استطاع إفشال تلك الاهداف الخارجية، محققا فوزا مُعبِّرا بشكل واضح عن ثقة ابناء تلك البيئة به، عازياً بعض الخروقات البسيطة غير المؤثرة، بسبب التنوع الشعبي والحزبي الطبيعي والمقبول، والذي لم يظهر بنتائجه، انه مختلف عن غيره من الدوائر الأخرى، أو بمعنى آخر لم يستطع هذا الخرق البسيط ان يكون منتجا لاهداف تلك الحملة الاساسية ضده .

البعد الخارجي

طالما كانت مرتكزات الحملة الخارجية الدائمة على حزب الله، اقليميا ودوليا، تقوم على محاولة إظهار عدم شرعيته كطرف داخلي خارج عن سلطة وسيادة الدولة اللبنانية، يملك قدرات عسكرية رادعة وكاسرة للتوازن، ويقوم بدور اقليمي فاعل ومؤثر بمواجهة العدو الاسرائيلي من جهة، أو بمواجهة المجموعات الارهابية التي هي امتداد مباشر أو غير مباشر للدول التي استهدفت لبنان وسوريا من جهة اخرى.

من هنا ، وضع حزب الله لمعركته الانتخابية في بعدها الخارجي هدفا اساس هو تثبيت وتأكيد شرعية دوره وموقعه وسلاحه ، ومن خلال ما افرزته هذه الانتخابات ، لناحية حجمه وقدرة تأثيره في جمهوره وفي الجمهور المرتبط معه بطريقة غير مباشرة ، برهن حزب الله ان معركة استهدافه في شرعية دوره فاشلة ، وبرهن ايضا ، بالاضافة لكونه لاعب مؤثر في العملية السياسية الداخلية باكملها ، برهن انه طرف اساسي في ادارة السلطة في لبنان.

واخيرا، لا شك ان حزب الله، ومن خلال نتائج الانتخابات النيايبة التي خاضها، ربح معركة تثبيت شرعية دوره وموقعه ، بمواجهة الداخل و بمواجهة الخارج، وحيث كان هذا العنوان هو اساسي في معركته الديمقراطية بابعادها الاستراتيجية، لا شك أنه بانتظار معركة اخرى لا تقل اهمية عن الاولى، وهي محاربة الفساد والمساهمة بادارة وتنظيم مؤسسات الدولة، اولا ، لانه قادر بامكانياته التنظيمية والادارية وبخبرته الواسعة على ذلك، وثانيا لانه متفهم ومتنبه لاهميتها في حماية وتحصين بيئته ومجتمعه، وبالتالي في حماية موقعه ودوره، تماما كما هي أهمية معركة تحصين جبهته الداخلية.

موقع العهد الاخباري

 

تابعونا