الحوار بين نُخَبِ الشعب والساسة ضرورة وطنية ملحّة / بقلم إيلي أنطون شويري

2018/05/13 - 01:16:45pm       

 

إن كلمة "حوار" التي رافقت تاريخ اللبنانيين منذ الإستقلال، ما نزال نسمعها كلما عاش اللبنانيون أجواءًا من الإنقسام والتباعد. وكُلّما أُطلِقَتْ الدعوات من بعض النخب الدينية والثقافية والسياسية إلى حوار وطني عام، للتفاهم حول مواضيع تتعلق بوجود الوطن ومصيره، نرى أن الحوار كان دائما يقتصر على بعض الأفرقاء فقط، ولا يشمل كل اللبنانيين. لذلك تراكمت مشاكل الشعب اللبناني على مرّ السنين.

إن أمر الحوار الوطنيّ الشامل (كأي أمر آخر في لبنان) متعلق، بسحر ساحر (كبرياء الزعماء ومصالحهم الخاصة وأطماع الخارج ومنابع المال)، بقرار خارجي. وكان هذا الخارج، بعد أن يؤجج نيران الفتنة بين اللبنانيين، يدعوهم، لا بل يجبرهم أن يتحاوروا خارج لبنان، كما حصل في جنيف (31 تشرين الأول-4 تشرين الثاني 1983) ثم في لوزان (12-20 آذار، 1984)، ثم في الطائف (30 أيلول-22 تشرين الأول، 1989)، ثم في الدوحة (16-21 أيار، 2008). وكانت تنتهي كل الحوارات باتفاق مؤقت بين الزعماء يراعي مصلحة الخارج وبعض الزعماء أكثر مما يراعي مصلحة الشعب اللبناني "العليا" الدائمة. وتبقى مشاكل وعلل ومصائب الشعب اللبناني مستمرة، نائمة كالجمر تحت الرماد، إلى أن يحين وقت تأجيجها من جديد.

"القرار الخارجي" تعبير يتداوله الشعب اللبناني والإعلاميون ورجال السياسة بسهولة، وطلاقة، وطَبَعِيَّة، وشغف، ودون أي إحراج، خاصة مع كل أزمة سياسية مفتعلة (الإنتخابات النيابة والرئاسية)، أو إقتصادية (إستغلال مياه لبنان، إستخراج الغاز والنفط من البحر)، أو عسكرية (تسليح الجيش ووجود المقاومة). وكأن بعض حكومات الخارج لا تريد أن ترى زعماء لبنان يتفقون فيما بينهم لفترة طويلة، لتبقى مسيطرة عليهم وعلى إرادة الشعب اللبناني من خلال مبدأ "فرِّقْ تَسُدْ". أما الشعب، مصدر كل السلطات، فلا قرار له أبدا. لا نسمع أحدا في لبنان يذكر تعبير "قرار الشعب"، أو "باسم الشعب اللبناني". الشعب غائب عن دائرة اهتمام الساسة وتفكيرهم. الحديث، بالهمس والعلن، هو دائما عن "ضوء أخضر" يعطيه هذا الخارج لمعظم الأفرقاء المتصارعين بنَهَمٍ شديد على كسب وُدِّهِ وعلى القوة والسلطة والصفقات والمكاسب والمغانم، وعن "كلمة السر"، وعن "مباركة خارجية" تهبط، فجأة، على رؤوسهم، هبوط الروح القدس، مع منّ وسلوى "المكرُمات" و"الهبات" و"المساعدات" و"الودائع"، من سماوات دول "إقليمية" و"دولية"، لا يصل منها شيءٌ إلى جيوب إلى الشعب اللبناني.

إن الحوار أمر جدّي، رصين، وغير سهل، يتطلب جهدا للتحضير، ووقتا للممارسة، وهو يتعدّى حدود حديث عابر. الحوار، حين يتعلّق بمصير شعب ووطن، لا ينبغي أن يكون مجرّد تبادل آراء وتسلية بين الساسة في جلسات رشف القهوة أو الويسكي، وتدخين السيغار الكوبي، والشعور بأهمية الذات. هذا حوار لا يؤدّي إلى أيّ مكان. لا بل يؤدي إلى مزيد من خراب الوطن.

يُفْتَرَضُ في المتحاورين، قبل كل شيء، أن يتكلموا بنية صافية وبلغة واضحة، صريحة، صادقة، ودون شروط مُسْبَقَة تُبطِلُ معنى الحوار وغايته، أي التوصل الى تفاهم ما حول القضايا المطروحة، وأن يتقنوا فنّ الإصغاء. يتطلب الحوار، عدا عن مَلَكَة الكلام والإصغاء، إحتراما للمحاور الآخر، ونضوجا وتواضعا لتقبل وجوده وآرائه.

إن المخلصين القلائل من أبناء الشعب اللبناني ونخبه الجيدة، يشجعون ويَدْعُونَ ويَسْعَوْنَ الى حوار بين جميع اللبنانيين من دون استئذان أحد من الخارج واستمطار "مكرماته"، بعكس معظم الساسة. الحوار هو من شأن اللبنانيين وحدهم، يناقشون فيه بكل حرية وصراحة ومحبة، كل القضايا التي يختلفون حولها. ينبغي على الحوار أن يكون مستوحًى من مصالح الشعب اللبناني، وأولى هذه المصالح هي الوحدة الوطنية بين أبنائه، تليها حاجاته الأساسية المعروفة تحت عنوان "حقوق الإنسان"، في مُناخِ حياة آمنة وكريمة لا يعبث بها أحد. إن حوارا بهذه الروحية سوف يعطي حتما نتائج إيجابية ترضي الشعب اللبناني المشتاق الى الإزدهار والسلام والتلاقي بين كل أبنائه.

اليوم، في هذه الأجواء المقلقة التي يعيشها الشعب اللبناني وحده، دون زعمائه وساسته، أجواء مملوءة بأعمال العنف من حولنا يديرها مديرو لعبة الأمم الشرسة كالمعتاد، ومملوءة بدقات طبول حرب عالمية ثالثة وشيكة على أرضنا، يدعو الواجب الوطني وتدعو "المصلحة الوطنية العليا"، إلى ضرورة بدء حوار وطني عاجل، يجمع زعماء الطوائف والساسة ونخب الشعب، لتجنيب لبنان أي أذى محتمل، ومنع التاريخ البشع من إعادة نفسه على الشعب اللبناني. ويجدر بنا جميعا، والأخطار الجسام تُحْدِقُ بنا من كل جانب، أن نطرح على أنفسنا، وبإلحاح شديد، هذه الأسئلة التي يتجنّب طرحَها معظمُ اللبنانيين، شعبا وإعلاميين ورجال سياسة، المنهمكون فقط بالتحدّث عمّا يخطّطه وما يريده الخارج للبنان، وكأن لبنان سيكون بمنأى عن الشرّ:

لماذا الحوار بين اللبنانيين صعب الى هذا الحد؟

لماذا كلمةُ "حوار" لا تُلفَظُ إلا في لبنان وبهذه الكثرة؟

لماذا كل هذه الدعوات للحوار ولا حوار يحصل، وإن حصل فبحياء وتحفظ وخوف وحذر، لا بل بكيدية أحيانا، ولا يستمرّ طويلا ولا يكتمل أبدا، ولا يؤتي ثمارا، وإن نجح بين فريقَين، فمؤقتا، وسرعان ما يصبح مادة للسخرية والتهكم والشماتة من قبل بعض الأفرقاء الآخرين؟

لماذا لم يكن الحوار يوما حوارا دائما وشاملا بين جميع اللبنانيين من خلال نخبهم وساستهم؟

لماذا على لبنان أن يعيش دائما حالة أزمات هي من صنع زعماء الطوائف وبتشجيع وتمويل من الخارج، وأن يعانيَ من الحروب الأهلية المدمرة والغزوات الشرسة؟

لماذا ممنوع على أبناء الشعب اللبناني أن يتفقوا فيما بينهم؟

لماذا لا شيء يجمع اللبنانيين ويوحِّدهم حتى إذا ابتلوا بأكبر المصائب؟

لماذا لا يتفق اللبنانيون فيما بينهم على الوقوف في وجه أي تدخل من أبالسة الخارج في شؤونهم، من أجل أن يتابعوا معا تحقيق رسالة وطنهم بحياة الشراكة والمحبة بين العائلات الروحية من كل الطوائف والمذاهب والأديان، وتحقيق ازدهارهم؟

لماذا لا يتفق اللبنانيون، مرة واحدة وإلى الأبد، على من هو عدوّهم الحقيقي ومن هو صديقهم الحقيقي، فيتفقوا، حينئذ، على طريقة واحدة للتعامل مع هذا ومع ذاك، بحسب ما تقتضيه مصلحة الشعب اللبناني من وحدة وأمن وحماية وسلام وكرامة وازدهار وسعادة؟

لماذا لا يتعلم اللبنانيون شيئا من مآسيهم المتكررة عبر تاريخهم الدموي المحزن، وينتفضون ضد أنفسهم لا ضدّ بعضهم البعض، وضدّ الغرباء محبّي الإصطياد بالماء العَكِر وزارعي بذور الفتن في أرض الزعماء الخصبة؟

لماذا، في نهاية الأمر، لا يتفق زعماء الطوائف معا، في عمل "تضحية" عظيم بعنفوانهم وكبريائهم، على البدء بأنفسهم بوضع حدّ لتدخلات الخارج المُذِلّة والمؤذية للشعب اللبناني بأسره، والتي، لولا اطماعهم وعشقهم للمال والسلطة والعظمة، لما تجرّأ أحد على التدخل بشؤون لبنان والعبث بأمن الشعب اللبناني وحياته ومصيره؟

من واجب اللبنانيين، شعبا ونُخَبًا وساسة، طرح الأسئلة هذه بجرأة على أنفسهم وعلى بعضهم البعض، وإعطاء الأجوبة المقنعة لها بصدق، في عملية فحص ضمير ذاتية وعلنية قاسية. فلتكن البداية في أي حوار بين المتحاورين. الموضوع يكمن في وعي أسباب الخلاف والإنقسام بين اللبنانيين من قبل النخب المتحاورة، أولا، والإتفاق عليها، ثم من قبل كل اللبنانيين، ومحاولة إزالتها بإيجاد الأجوبة والحلول الكفيلة بذلك. إن الوحدة، وحدة الشعب، هي نتيجة الحوار المطلوبة لمجابهة الأخطار والإنتصار عليها. أما الأسباب التي تجعل من لبنان بركانا دائما قابلا للإنفجار كلما شاء الغرباء وبمعونة زعماء الطوائف، كما يدلّ التاريخ القديم والحديث والحاضر، اليوم،على ذلك، فمجابهتها، بشجاعة وصدق وسرعة، أمر حيوي ضروري. على المتحاورين الإقرار بأن الإتكال على الخارج للإستقواء على شركاء الوطن في الداخل لا ينفع شيئا في بناء وطن، إن كانوا حقا يريدون بناء وطن، والحفاظ على رسالته، إنما يدمّر هذا الوطن وهو ما يزال بعد مشروع وطن ومشروع رسالة. لذلك، عليهم أن يقرِّروا نهائيا وقف الإتكال على هذا الخارج. ثم عليهم أن يقرِّروا بأن يَصْدُقوا مع الشعب، وأن يكونوا خداما له، وأن يكفّوا عن الكذب عليه واستغلاله، من أجل بناء أمجادهم. في نهاية الأمر، عليهم، بكل بساطة، أن يقرروا إذا كانوا حقا يريدون الحياة، معا، بسلام وكرامة، ومناعة ضدّ كل الشرور، في وطن واحد.

إن استفتاء الشعب، مصدر كل السلطات، أمر مهمّ. على المتحاورين أن يتواضعوا ويلجأوا الى الشعب رأسا، لا من خلال الإعلام فقط، ليسمعوا صوته ويحترموا كلمته ورأيه، وليتيقنوا أكثر من أن الشعب لا يريد إلا السلام والمحبة والإزدهار والكرامة، لا الحرب والحقد والفقر والذلّ.

المهمّ أن يبدأ الحوار بين كل اللبنانيين، من خلال نخبهم وزعمائهم. بعد ذلك، كل شيء يهون، ويمكن البحث في كل المسائل ونقاط الخلاف بين اللبنانيين بشكل صادق، وحرّ، وغير خاضع لضغوط خارجية. يمكن للبحث أن يتمحور حول الآتي:

قوانين إنتخابات جديدة تشمل مجلس النواب والرئاسات الثلاث.

التعيينات على كل المستويات الحكومية، بحسب مبدأ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين كما جاء في ميثاق الطائف.

البحث في الطرق الفضلى لتحسين الأداء في تطبيق هذا الميثاق وسدّ الفجوات أو الثغرات المكتشفة من خلال التجربة والممارسة.

موضوع الغبن اللاحق ببعض الطوائف وتصحيح الخلل.

صلاحيات رئيس الجمهورية المجتزأة في اتفاق الطائف، ومناقشتها بكل حرية وشفافية.

مشكلة تسليح الجيش المفتعلة والمزمنة، وحلّها حلًّا نهائيا مشرِّفًا للجيش وللوطن.

وجود المقاومة وتقديره وتثمينه، والكفّ نهائيا عن التشكيك المغرض بجدواه وشرعيته، وعن مقاومة هذا الوجود، من قبل بعض الأفرقاء المرتبطين بمصالح دول خارجية تريد رأس المقاومة، في الوقت الذي لا يستطيع الجيش، وحده، وهم يعلمون ذلك، مقاومة الكيان العنصري الإرهابي، إسرائيل، ومشتقات هذا الكيان الإرهابية.

بحث موضوع نظام علماني للشعب اللبناني، كحلّ مثالي يريح اللبنانيين من مشاكل وأمراض ومصائب أنتجها النظام الطائفي، مهما بدا ذلك البحث صعبا في الوقت الحاضر.
بالمختصر، يمكن بحث إعادة تكوين السلطة من جديد، بدون خوف وحذر، وبطريقة عادلة، كما يدعو المخلصون إلى ذلك، وإرساء أرضية سليمة، صلبة، للحوار حول كل شيء.

ولكن، من أولى الأولويات في الوقت الحاضر، إنما هي وحدة اللبنانيين. فلبنان مهدّد كل يوم بمزيد من الأخطار. إن الحوار، الآن، من أجل وحدة الشعب، رغم كل الخلافات والتناقضات، لا بل بسببها، ومنعا لتفاقمها المتزايد مع الوقت نتيجة تجنب الحوار والإتفاق حولها، أمرٌ ضروريٌّ جدا ومُلِحٌّ. أما البحث في وجوب تعديل ميثاق الطائف، فهو يأتي بعد إنقاذ لبنان الآن وقبل فوات الأوان من خطر الزوال.

إن أولوية الحوار وغايته ينبغي أن تكون توحيد الشعب اللبناني كله حول فكرة لبنان وطن الرسالة، ودعم كل مؤسسات الوطن السياسية والعسكرية والأمنية والقضائية، بلا تردّد، دعما كاملا، وتأجيل بحث الأمور الأخرى المعروفة إلى وقت تكون فيه الأخطار الداهمة قد خفَّتْ أو تلاشت أو زالت، والجوّ قد صفا، وتكون فيه القلوب أيضا قد صَفَتْ وتَهَيّأتْ للبحث في التفاصيل... إلى أن يحين الوقت لمزيد من الحوار حول النظام العلماني، الذي لا مهرب منه، في نهاية المطاف، مهما حاول تجاهله أو تأجيله زعماء الطوائف الزمنيّون والروحيون حرصا على عروش سلطتهم، ومهما طال الزمن.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً


المصدر: