#صعدة: طيران التحالف يشن 4 غارات على منازل ومزارع المواطنين في وادي آل أبوجبارة بمديرية #كتاف شمال اليمن          #الساحل_الغربي: استهداف تجمعات للمسلحين في المتينة بالجبلية بقذائف المدفعية وسقوط قتلى وجرحى في صفوفهم         

لغتنا العربية في خطر: كيف نحميها؟ / بقلم إيلي أنطون شويري

2018/05/15 - 10:19:53pm       

 

مصير اللغة العربية مهدّد بأخطار كثيرة في جوِّ عولمةٍ طاغٍ، لا يمكن ردّه أو إيقافه، مشحون بالصراعات الحضارية العنيفة التي لا ترحم، والتي تطال وجودنا بالذات وهويتنا، والتي لا غلبة فيها إلا للأقوى. فكيف نحمي لغتنا العربية في خضم الصراع والتنافس على الوجود وعلى مراكز النفوذ اللغوي والحضاري؟

السؤال المطروح هو مطروح أولا، وبحقّ، على الذات المتسائلة القلقة، والحاملة همّ اللغة والوجود، والباحثة عن دور ينقذ اللغة والوجود من الإنحطاط وفقدان الهيبة والإنحلال، وهي، أي الذات القلقة، تمرّ في حالة فحص ضمير دقيق ومسؤول، ومحاسبة صادقة لذاتها.

المسؤولية لا ينبغي أن يعفي كل إنسان نفسه منها، ويرميها
على الآخرين. هنا تكمن البداية الصحيحة، من الذات. ماذا يستطيع كل إنسان من النخبة الواعية المسؤولة، في كل الحقول، أن يفعله من أجل حماية هذه القضية المصيرية؟

السؤال الذي نطرحه، بالتالي، على أنفسنا، حين نقرّر ان نكون فاعلين في حقل حماية اللغة، هو: هل نحن، إنْ فَعَلْنا، فعّالون؟ إلى أي مدى؟

أين نقف، يا ترى، ونحن بصدد تغيير أمر واقع صعب ومؤلم، بين أضعف الإيمان وأقواه، بين النيّة والقول من جهة، وبين الفعل من جهة أخرى؟

إن السير بعكس تيار قويّ، هادر، ليس بالأمر السهل. فنحن، في اختباراتنا اليومية، مُعَرَّضون للجرف وللغرق. السيرُ المُرْغَمُ او الطوعيّ مع التيار يعني، ببساطة، التخلّي عن الذات الإنسانية الوجودية والوطنية، أي عن الحرية والكرامة. اما خلق وتبنّي توازن دقيق دائم قدر الإمكان بين التأثّر تأثرا ايجابيا ببعض ما يجرفه نحونا تيار "العولمة" من أفكار ثورية واختراعات وتسهيلات تكنولوجية، وبين الحفاظ على شخصيتنا الإنسانية، فهذا أمر صعب تحقيقه. صحيح أن تحقيق هذا التوازن أمر صعب، ولكنه لا يتمّ إلا بالجهاد الأكبر ضدّ أهواء النفس الأمارة بالسوء أولا، ثمّ ضدّ سيئات وشرور تيّار العولمة (سيطرة وإخضاع وحروب لبناء نظام عالمي جديد). لا خيار آخر لنا، إن أردنا الحياة الكريمة المُشَرِّفَة، سوى خوض غمار هذا الجهاد الروحي وحتى الجهاد باليد أي بالسلاح، عند الحاجة، حاجة الدفاع عن النفس. الجهاد، بكل أشكاله وأنواعه (بالفكر واللسان واليد) هو خشبة الخلاص الوحيدة لنا.

في مواقع التواصل الإجتماعيّ، وفي مجال التواصل الخليويّ، على سبيل المثال، درج البعض، اليوم، على كتابة العربية بالحرف اللاتيني. وكم هو صعبٌ إقناعهم بالعدول عن ذلك. لا لزوم للقول، هنا، بأنّ اللغة لم تفقد هيبتها وحسب، بل كيانها الحيويّ ووجودها بالذات، أي أنها تتعرّض، تدريجيا، نتيجة الإهمال وروح الإبتذال، للإنقراض. ودرج البعض الآخر على خلط عامية فوضوية بفصحى غير فصيحة، ومفردات من لغات أجنبية باللغة الأم. هنا، تفقد اللغة شخصيتها وهيبتها وتتعرض للكثير من الإسفاف والتفاهة، كتابةً نطقا ولفظًا. الى متى هذه الآفة؟ وإلى أين؟ لا أحد يعلم.

أمّا ما يُسَمِّى ب"الشبكات العنكبوتية" باللغة العربية، ففيها الغثّ والسّمين من المواضيع والأبحاث. الهشّ كثيرٌ وهو يغلب الرصين القليل، الثابت، المتطوّر. ان المواقع الجيدة التي صادفناها في مجال البحث قليلة، وفقيرة المحتوى، وغير متجدِّدة بشكل متواصل يغنيها، وهي أحيانا غير سهلة المنال، وأحيانا أخرى تختفي فجأة، ودون سابق إنذار. طبعا، هذا كلام الغاية منه لفت النظر إلى واقع الشبكات العنكبوتية بإختصار شديد. يحتاج الموضوع، لا شك، إلى متابعة تطوّر تلك الشبكات من خلال دراسة مُفَصَّلَة، عميقة، موثّقة.

ماذا أيضا عن لغة بعض الإعلاميين والساسة، والمثقفين وحَمَلَة الشهادات العليا بالإجمال، التي تصدمنا كل يوم؟

لهم لغتهم الخاصة المبنية على قوالب تعبيرية جامدة، جاهزة للإستعمال والإستهلاك السريع. ولْنُضِفْ الى ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، لهجاتهم ولكناتهم الأجنبية المُصْطَنَعَة، المائعة، وخلطهم المنصوب بالمرفوع والمجرور والساكن، بكل حرية وثقة. ثمّة قسم من الشعب يسمعهم، ويتعلّم اللغة العربية منهم، ويردّد، بإعجاب وتقدير، المفردات والتعابير الهجينة عينها، من بعدهم.

يستطيع الإنسان الباحث، هنا، أن يستفيض في عرض الكلام الدخيل الهجين على اللغة العربية، بسهولة فائقة. لا أحد يحمي اللغة من هذا الغزو، ولا أحد يحاول، من أصحاب الإختصاص والثقافة، إحياء المفردات والتعابير الأصيلة، واكتشاف غنى اللغة، وقدرتها على استيعاب اللغات الأخرى، خاصة في التعابير العلمية، وتعميم كل ذلك على الجميع. إن التقليد الأعمى والطوعيّ ل"حضارة" الغزو العالميّ، او "العولميّ" اذا صحّ التعبير، الإقتباس النّهِم السريع لمفرداتها وتقاليدها، الشعور بالدونيّة الدائمة تجاه مدّها القويّ، الجارف، الآتي من الغرب، كلّ هذا الوضع السقيم، من يداويه، يا تُرى، ويوقف تفاقمَه المريع؟

إنها مسؤولية النخبة الواعية، لا شك، النخبة المؤمنة بالله، الصادقة مع نفسها ومع الآخرين، الوفية لتراثها ولغتها وحضارتها وشعبها وأرضها.

هذه النخبة هي المؤهَّلَة لتأخذ على عاتقها تجديد أساليب تعليم اللغة العربية وممارستها كما ينبغي في المدارس والجامعات والإعلام، وحمايتها من اللغات والمفردات والحروف الدخيلة، وتأمين التفاعل المفيد الخلاق مع سائر اللغات من خلال الترجمات من وإلى العربية، وتثقيف عقول الناس، وتصحيح أغلاطهم كل يوم، ومتابعة هذا المجهود الجبار، دون ملل أو تعب.

اللغة هي الإنسان. حين يلقى الإنسان تربية أخلاقية وفكرية ولغوية جيدة، تكون اللغة محميّة ومنيعة ضدّ كل الغزوات والأمراض "الحضارية".

ولكن، مهما كبر فريق النخبة للعمل الدائم من اجل الخوض في هذه المهمة الشاقة، ومهما كانت معرفته باللغة والثقافة عميقة، وهمّته عالية وغيرته نارية، فهو يحتاج الى تمويل ضخم لسنين كثيرة. من اين يأتي المال؟ من المتمولين الكبار والقادة الأغنياء اذا اقتنع هؤلاء بقدسية الرسالة وضرورتها الملحّة، ووافقوا على مدّ يد العون. وهذا شيء مشكوك بأمره مع أناس لا يفكرون إلا بالربح المادي والشهرة الشخصية.

ها نحن نجد أنفسنا من جديد في قبضة من نحاول التحرّر منهم: الرأسماليون الجشعون والأنانيون، والساسة المتكبرون الذين نتهمهم بالكذب والفساد والخيانة وقمع الفكر الحرّ.

إذًا، ها نحن نعود الى ما يُسَمَّى ب"نقطة الصفر"، ندور على أنفسنا في زنزانة الفكر الحزين المستوحش، ونعيدُ طرحَ الأسئلة عينَها على أنفسنا دون أن نلقى جوابا، ونحن نتأمّل في فضاء الحرية والفرح الفسيح، من خلال نافذة الأمل والحلم، بانتظار حدوث معجزة ما:

هل نحن فاعلون؟ هل نحن فعّالون؟ هل من يستجيب لاستغاثة اللغة والحضارة المحتضرة؟ هل من خلاص؟


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً


المصدر:  

 

تابعونا