الجنسانية كشُغل: كيف دُمّرت قدرتنا على الاستمتاع بالجنس \سيلفيا فيديريتشي، ترجمة: دعاء علي

2018/05/22 - 05:59:48am   

 

 

(نُشرت هذه المقالة للكاتبة النسوية الماركسية سيلفيا فيديريتشي بالإنجليزية لأول مرة عام ١٩٧٥، في وقت كانت فيه الكاتبة تنشط في حركة «أجور للعمل المنزلي»، التي سعت للاعتراف بالعمل غير المدفوع الذي تؤديه النساء في المنزل. وخلال العقود الأربعة الماضية، طورت فيديريتشي عدة مداخلات نظرية حول الدور الذي يلعبه اضطهاد النساء في استدامة المجتمعات الرأسمالية، وحول الدور الذي ينبغي أن تلعبه النسوية في ظل «التقسيم العالمي الجديد للعمل». رغم ذلك، ما زالت هذه المقالة إحدى النصوص الأساسية لفهم مقاربة فيديرتشي للجنسانية واقتصاد الشهوة والموقع الذي تشغله في بنية أوسع من الاضطهاد ومصادرة التجربة الإنسانية.)

الجنسانية هي ما مُنحناه من تنفيس مقابل انضباط سيرورة العمل. إنها المكمّل الضروري لروتين أسبوع العمل ونظاميّته. إنها رخصتنا لـ«التصرف على طبيعتنا» و«إفلات الزمام»، حتى نعود منتعشين إلى أعمالنا يوم الأحد* المقبل. «ليلة الخميس»* هي فورة «العفوية»، هي اللاعقلانية في عقلانية الضبط الرأسمالي لحياتنا. إنها المكافأة المفترضة لقاء عملنا، التي تُقدَم لنا أيديولوجيًا بوصفها «آخَر» العمل: مساحةَ الحرية التي يمكننا فيها أن نكون أنفسنا الحقيقية، وفرصةَ الاتصال الحميم «الصادق»، في عالم من العلاقات الاجتماعية يضطرنا باستمرار لكبت رغباتنا وإرضاخها وتأجيلها وإخفائها، حتى أمام أنفسنا.

هذا ما نوعد به. لكن ما نناله في الحقيقة بعيدٌ عن توقعاتنا. إننا لا نستطيع العودة إلى طبيعتنا بمجرد خلع ملابسنا، لذا لا يمكننا أن نصبح «أنفسنا» لمجرد أن وقت الحب قد حان. لا مجال لكثير من العفوية حين يكون توقيت الحب وظروفه والطاقة المتوفرة له خارج تحكمنا. بعد أسبوع من العمل، تكون أجسادنا ومشاعرنا خدِرة، وليس بوسعنا تشغيلها كالآلات. ما يَخرج حين «نُفلت الزمام» هو عادةً إحباطنا وعنفنا المكبوتان، لا ذواتنا الحقيقية الجاهزة لتولد من جديد في السرير.

 

بالنسبة للنساء، الجنس شُغل. إنه واجب. إن واجب الإمتاع محفور بعمق في جنسانيتنا لدرجة أننا تعلمنا أن نستمتع بالإمتاع، بإثارة الرجل وتحميسه.

 

إننا واعون دومًا لزيف هذه العفوية، إلى جانب أشياء أخرى. مهما صرخنا وتأوّهنا ومارسنا من تمارين إيروتيكية في السرير، فنحن نعلم أن كل هذا جملةٌ معترضة، وأننا سنعود غدًا في ملابسنا المتحضرة (ونشرب القهوة معًا فيما نحن نستعد للعمل). وكلما زاد إدراكنا لكون ذلك جملةً معترضةً ستنفيها بقية اليوم أو الأسبوع، زادت صعوبة أن نتحول إلى «همج» وأن «ننسى كل شيء». ولا يمكننا بسهولة أن نتجنب الشعور بالسقم. إنه الحرج ذاته الذي نحسه حين نتعرّى ونحن نعلم أننا على وشك ممارسة الحب؛ حرج الصباح التالي، حين نصير مشغولين بإعادة تأكيد المسافات ما بيننا؛ (وفي النهاية) حرج التظاهر بأننا مختلفون تمامًا عمّا نفعله بقية اليوم. إن هذا التحول مؤلم بشكل خاص للنساء، إذ يبدو الرجال خبراءَ فيه، ربما لأنهم أُخضعوا إلى ضبط أشد صرامة في عملهم. لطالما تساءلت النساء كيف يمكنه «هو»، بعد عرض ليليّ للشهوة، أن ينهض في عالم آخر، وأن يكون بعيدًا إلى حد يصبح معه أحيانًا من الصعب حتى إعادة خلق أي تماس جسدي معه. النساء أشد معاناة من فصام العلاقات الجنسية، ليس فقط لأننا نصل لنهاية اليوم بمهام وهموم أكثر، بل كذلك لأن مسؤولية جعل العملية الجنسية ممتعة للرجال ملقاة على عاتقنا. لهذا السبب، عادة ما تكون النساء أقل تجاوبًا جنسيًا من الرجال. فبالنسبة لنا، الجنس شُغل. إنه واجب. إن واجب الإمتاع محفور بعمق في جنسانيتنا لدرجة أننا تعلمنا أن نستمتع بالإمتاع، بإثارة الرجل وتحميسه.

ونظرًا إلى أننا مُطالبات بتأمين التنفيس، فلا مهرب من أن نصبح ما يفرّغ الرجال عليه عنفهم المكبوت. إننا نُغتصب، في أسرّتنا وفي الشوارع، تمامًا لأننا قد هُيّئنا لنكون المسؤولات عن توفير الإشباع الجنسي؛ لنكون صمّامات الأمان لكل ما يسوء في حياة الرجل. ولطالما سُمح للرجال أن يصبّوا غضبهم علينا إن لم نرتقِ لمعايير الدور، وبالتحديد إن رفضنا تأديته.

لكن التجزئة هي بعدٌ واحد فقط من أبعاد تشويه جنسانيتنا. فحصر جنسانيتنا في [وظيفة] إعادة إنتاج قوة العمل وإخضاعها لها عَنى أن الغيريّة فُرضت بوصفها السلوك الجنسي المقبول الوحيد. في الواقع، إن في كل تواصل حقيقي عنصرًا جنسيًا، لأن أجسادنا ومشاعرنا غير قابلة للفصل، ولأننا نتواصل على كل المستويات طيلة الوقت. لكن الاتصال الجنسي مع النساء محرّم لأن الأخلاقية البرجوازية ترى في كل ما هو غير منتج أمرًا فاحشًا وشاذًا ومنحرفًا. أدى ذلك إلى فرض وضع مفصوم بحقّ، إذ نضطر باكرًا في حياتنا لتعلم كيف نفصل بين من يمكننا أن نحبهم ومن يمكننا أنت نتحدث إليهم فحسب، بين من يمكننا أن نفتح لهم أجسادنا ومن يمكننا أن نفتح لهم «أرواحنا» فحسب، بين عشاقنا وأصدقائنا. النتيجة هي أننا أصبحنا أرواحًا بلا أجساد مع صديقاتنا، وأجسادًا بلا أرواح مع عشّاقنا. وهذا الفصل يبعدنا لا عن صديقاتنا فحسب، بل عن أنفسنا أيضًا، من حيث ما نقبله في أجسادنا ومشاعرنا وما لا نقبله، وما نعده أجزاء «نظيفة» من أجسادنا يمكن عرضها، أو أجزاء «قذرة» و«سرية» يمكن كشفها فقط في السرير المشترك في لحظة الإنتاج (وعندها فقط تصبح نظيفة).

هذا الانشغال بالإنتاج تطلّب أيضًا حصر الجنسانية في فترات محددة من حياتنا، خاصة عند النساء. فجنسانية الأطفال والمراهقين والكبيرات في السن تُقمع، لتصبح السنوات التي يسمح لنا فيها بالنشاط جنسيًا هي أشد فترات أعمارنا اكتظاظًا بأعباء العمل، أي الفترات التي يصبح فيها الاستمتاع بالتجارب الجنسية عملًا مضنيًا.

لكن السبب الأساسي الذي يحول بيننا وبين الاستمتاع باللذة التي يمكن للجنسانية أن تقدمها هو أن الجنس بالنسبة للنساء شُغلٌ بالفعل. إن تقديم اللذة للرجل هو جزء جوهري مما يفترض بكل امرأة أن تفعله.

 

إن الآباء والإخوة والأزواج والقوادين كلهم يتصرفون كعملاء للدولة، لمراقبة عملنا الجنسي، وضمان أننا نوفر الخدمات الجنسية وفقًا لمعايير الإنتاجية.

 

في هذا الصدد، فإن الحرية الجنسية لا تفيد. بالتأكيد، من المهم ألا نُرجم حتى الموت إن كنا «خائنات» أو إذا تبين أننا لسنا «عذراوات»، لكن «التحرر الجنسي» قد ضاعف عملنا. في الماضي، كان المطلوب منا أن نربي الأولاد فحسب. أما اليوم مطلوب منا أن نمارس عملًا مأجورًا، وننظف البيت وننجب الأطفال كذلك، وأن نكون مستعدات، في نهاية هذا اليوم من العمل المضاعف، للقفز إلى السرير وتقديم الإثارة الجنسية. بالنسبة للنساء، فإن الحق في ممارسة الجنس هو واجب ممارسة الجنس والاستمتاع به (وهو أمر لا تتطلبه معظم الوظائف)، ولهذا السبب ظهرت في السنوات الأخيرة عدة تحقيقات تتقصى سؤال أي أجزاء الجسد -المهبل أم البظر- أشد فاعلية في الجنس.

لكن جنسانيتنا ما تزال تحت السيطرة، سواء في شكلها المُحرر أم المكبوت. فالقانون والطب واعتمادنا الاقتصادي على الرجال، كلها تضمن أن العفوية مُقصاة من حياتنا الجنسية، حتى وإن ارتخت الضوابط. يؤدي الكبت الجنسي داخل الأسرة دورًا في هذه السيطرة، وفي هذا السياق، فإن الآباء والإخوة والأزواج والقوادين كلهم يتصرفون كعملاء للدولة، لمراقبة عملنا الجنسي، وضمان أننا نوفر الخدمات الجنسية وفقًا لمعايير الإنتاجية المكرسة والمحمية اجتماعيًا. الشكل الأقصى للتحكم بجنسانيتنا هو الاعتماد الاقتصادي. ولهذا السبب ما يزال العمل الجنسي أحد الوظائف الأساسية للنساء، وما تزال الدعارة مستبطنة في كل تجربة جنسية. في ظل هذه الظروف، لا مكان للعفوية في الجنس بالنسبة لنا، ولهذا السبب، فإن المتعة تظل هاربة من حياتنا الجنسية.

وبسبب المقايضة التي تكتنفها بالتحديد، فإن الجنسانية بالنسبة لنا مصحوبة دومًا بالقلق، وهي بلا شك أشد أجزاء العمل المنزلي تسبيبًا لكرهنا لذواتنا. وفوق ذلك، فإن تحويل الجسد الأنثوي إلى تجارة يجعل شعورنا بالراحة في أجسادنا أمرًا مستحيلًا، بعض النظر عن شكلها. لا يمكن لامرأة أن تتعرى بسرور أمام رجل وهي تُوقن أنها لا تخضع للتقييم فحسب، بل أن هنالك معايير أداء على الأجساد الأنثوية أن ترتقي إليها؛ معايير يعيها الجميع، ذكورًا وأناثًا، إذ هي تحيطنا من كل اتجاه، تكسو كل حائط في مدننا وعلى شاشاتنا. هذا اليقين بأننا، بشكل ما، نبيع ذواتنا قد دمّر ثقتنا بأنفسنا وقدرتنا على الاستمتاع بأجسادنا.

لهذا السبب، سواء كنا نحيفات أم ممتلئات، طويلات أم قصيرات، ذوات أنوف طويلة أم صغيرة، فإننا جميعًا نكره أجسادنا. نكرهها لأننا اعتدنا النظر إليها من الخارج، بعيون الرجال الذين نقابلهم، وفي أذهاننا سوق الأجساد. نكرهها لأننا اعتدنا التفكير بها كشيء علينا بيعه، شيء أصبح غريبًا علينا وعلى مسافة منا دومًا. نكرهها لأننا نعلم أن الكثير يعتمد عليها. فعلى مظهر أجسادنا تعتمد قدرتنا على تحصيل عمل جيد من عدمها (سواء في الزواج أو خارج المنزل)، وعلى بناء قوة اجتماعية، وعلى إيجاد رفقةٍ لدحر الوحدة التي تنتظرنا في شيخوختنا كما في شبابنا. ونخشى دومًا أن تنقلب أجسادنا علينا، أن نصبح سمينات، أن تتجعد وجوهنا، أن نشيخ بسرعة، ألا يعود الناس يأبهون بنا، أن نفقد حقنا في الحميمية، أن نفقد فرصتنا في أن نُلمس ونُحتضن.

بالنتيجة، فإننا منهمكات في الأداء ومنشغلات بالإمتاع وخائفات من الفشل إلى الحد الذي يمنعنا من الاستمتاع بالجنس. فإحساسنا بقيمتنا يوضع على المحك في كل علاقة جنسية. إنْ قال رجل إننا نمارس الحب بشكل جيد وإننا نثيره، سواء كنا نحب ممارسة الحب معه أم لا، فإننا نشعر بالرضا، ويرتفع إحساسنا بالقوة، حتى وإن كنا نعلم أننا ما زلنا سنغسل الصحون بعد ذلك. لكن لا يسمح لنا أبدًا أن ننسى المقايضة التي تكتنفها العملية، لإننا لا نتجاوز أبدًا علاقة القيمة في علاقتنا الغرامية مع رجل. فالسؤال الذي يحكم دومًا عيشنا للجنسانية هو «كم؟». إننا نقضي معظم تجاربنا الجنسية ونحن نحسب. نتأوه، ونئنّ، ونشهق، ونلهث، ونقفز على السرير، لكن عقولنا تستمر بالحساب طيلة الوقت. «كم؟»: كم من أنفسنا يمكن أن نعطي قبل أن نخسرها أو نبخّس منها؟ كم سنأخذ في المقابل؟ إن كان موعدنا الأول، فبكم نسمح له؟ هل له أن يمرر يده تحت التنورة، أن يفتح القميص، أن يدس أصابعه داخل الصدرية؟ متى نقول له «كفى!»؟ بأي شدة علينا أن نرفض؟ متى يصبح ممكنًا أن نخبره بأننا معجبات به دون أن يفكر أننا «رخيصات»؟

ارفعي السعر – هذه هي القاعدة، أو هذا ما علّمونا إياه. إن كنا قد صرنا في السرير، فالحسابات تزداد تعقيدًا، فعلينا أيضًا أن نحسب احتمالية الحمل، وهو ما يعني أنه خلال التأوه والشهيق وغيرها من استعراضات الرغبة علينا كذلك أن نجرد بسرعة في أذهاننا جداول دورتنا الشهرية. التظاهر بالاستثارة خلال العملية الجنسية، في غياب النشوة، هو جهد إضافي، وجهد صعب، لإننا حين نتظاهر لا نعرف إلى أي حد يجب أن نستمر، ودائمًا ما ينتهي بنا الأمر متظاهرات أكثر مما يجب خوفًا من ألا نكون قد تظاهرنا كفاية.

حقًا، لقد احتجنا صراعًا طويلًا ودفعة من القوة حتى نبدأ أخيرًا بالاعتراف بأننا لم نكن نشعر بشيء.