الاصلاح الديني بين الارتهان السياسي واعتبارات القداسة.\ إيمان شمس الدين, الجزء الثاني

2018/05/22 - 06:48:17am   

 

 

الإصلاح الديني واعتبارات القداسة:

القداسة هنا كمفهوم عام وكلي له مصاديق كثيرة وما يعنينا منها قداسة الأشخاص واعتباراتها الدينية والفكرية، وما يعنينا من الأشخاص فقط من هم دون الأنبياء والرسل والأوصياء المنصوص عليهم من قبل الله تعالى نصا ونقلا أو من أخفى الزمان وأحداثه المتراكمة وجودهم الخارجي لكن حقيقتهم باقية كشخوص لها قداستها من الله.

وما يعنينا هنا بالذات دور القداسة الشخصية واعتباراتها الدينية والفكرية في دفع مسيرة الإصلاح أو منعها.

فحينما أشرنا في المقدمة إلى أهمية الإصلاح الداخل ديني وهو الخطوة الأساس في الإصلاح الخارج ديني، فإننا نعني هنا النقد والتقييم والمراجعة على ضوء المستحدثات ومتغيرات الزمان والمكان وتبدل الأدوات والآليات والخطابات،

ونحن هنا نقوم بعملية توصيف وليس تقييم للتيارات المدرسية داخل الحوزات الدينية أو من يتبعها من خارج الحوزات، والتي تفاعلت مع مشاريع الاصلاح سلبا وإيجابا وآلية تفاعلها في هذا الصدد:

1. تيار تقليدي أصولي بمعنى أنه يتوقف على النص توقفا لا يراعي المتغيرات، يتبنى المسار الطقوسي المذهبي التعبدي ويعتمد عليه في التحشيد العددي للجمهور، وهذا التيار يختلف في داخله شدة وضعفا في أصوليته، ويظهر هذا الاختلاف جليا في سبل مواجهة محاولات الإصلاح :
* قسم منه يكتفي برفض أي محاولات إصلاحية مخالفة لمسلماته ويعتبرها تشكل خطرا على الأصالة والثوابت وفق ما يراها و يقرأها، ويكتفي بالرد النصي على ذلك.
* قسم آخر من هذا التيار يمارس المواجهة المباشرة من خلال التسقيط الاجتماعي لحامل المشروع، باستغلال عاطفة الجمهور والطقوسية التعبدية، وبعد تسقيط الشخص في ساحات الجماهير  واتهامه بالخروج عن الدين والمذهب، فيتم محاصرة المشروع ومن ثم تقويضه.
* قسم آخر يستخدم سلطته الدينية الفتوائية، ويصدر فتاوى تكون بمثابة الرصاصة الأخيرة التي تقضي على المشروع وصاحبه. دون تفنيد الآراء ومواجهتها بالدليل والبرهان.
2. تيار حداثي يواكب المسائل المستحدثة، لكن يتلقف مشاريع الاصلاح كمسلمات، كونه يريد الاصلاح لكنه لا يعكف على المنهج والآليات يتلقف كل ما هو جديد تلقف المسلمات اليقينية لأنه مسكون بهاجس التغيير والتطوير، وهاجس مواكبة الغرب وأحيانا محاباته معرفيا، حتى لو عن طريق الترقيع.
3. تيار حضاري أصولي معتدل، ينشد الإصلاح ولكنه يهتم بماهية الاصلاح وآلياته وأدواته، ويدرس حركة الوعي الاجتماعي وقابليتها، ويهتم بالتدرج الهادئ الممنهج في مساره الإصلاحي، فهو يغلف مشروعه الإصلاحي بظواهر تقليدية لكن مبانيه اصلاحية أصولية تأخذ في حسبانها المتغيرات العصرية، لكنه لا يتفاعل مع المتغيرات من موقع المنفعل بها، بل الفاعل بها والتفاعل معها بما يخدم الدين لا بما يقوضه،  ولا يخوض معارك شخصانية، بل معركته معرفية تعتمد الدليل والبرهان، ولا يستنزف وقته وجهده في المواجهة والجدل مع مناهضيه، إلا أنه يتوقف على النقود العلمية لتقويم  مساراته الإصلاحية على ضوء هذه النقود وفق درجة وجاهتها علميا و برهانيا. وهذا التيار لا يمارس الصدمة، وليس له بروز حاد في الساحة، ويتعاون مع المشاريع الاصلاحية النهضوية بتروي ودراسة فيأخذ بما يلتقي مع مساره ويترك ما يخالف تلك المسارات، لكنه لا يمارس أي دور دفاعي وتحصيني لتلك المشاريع ولا شخوصها غالبا، حتى لا يتضرر مشروعه وتنكفئ مساراته، وتقوض جهوده. وقد يساهم في تلك المشاريع بطريقة تمهد لمشروعه وتنفعه على المدى البعيد.
4. تيار يمارس التقية فيظهر تقليدية في المنهج ويبطن حضارتيه في المباني والأهداف، لذلك قد يقف هذا التيار في الظاهر ضد مشاريع الإصلاح، لكنه في الباطن يدعمها ويؤيدها.

وهذا لا يعني خلو ساحة المشاريع الاصلاحية وأصحابها من ثغرات، وممارسات خاطئة بل وفهم خاطئ أحيانا للاصلاح الديني بل للفكر الديني بذاته، لكننا نكتفي بتقسيمات هذه المشاريع وأصحابها التي أوردناها في بداية الورقة.

عائق اعتبارات القداسة كان ومازال له انعكاساته السلبية والإيجابية على الحركات الاصلاحية أهمها :

1. كان للتيار  الأصولي التقليدي دورا فاعلا في ترشيد كثير من الحركات الإصلاحية، لا بشكل مباشر مقصود، بل بشكل غير مباشر وغير مقصود، كون ردود الأفعال الصادرة عنه كشفت منهجيته في المواجهة، وكشفت ضعف في بعضهم يكمن في ميله الإخباري التوقيفي على النص، وهو ما مكن بعض دعاة الإصلاح والنهضة من كشف ضعفهم بمنطق الحجة والبرهان ، وإعادة نظر هذا الفريق من المصلحين في الياتهم و منهجهم وبعض رؤاهم.
2. كرس سلطة العوام لاعتماده على تحشيده العددي لمواجهة  وإسقاط المشروع الإصلاحي وأشخاصه، وكرس الموروثات الغير مبرهنة في المجال العقدي والممارسات الطقوسية، بل كرس الطقوسية الدينية على حساب العقلانية المرشدة.
3. ظهر كقوة ردع في وجه الانحرافات المطروحة باسم الاصلاح وقوضها  وإن مارس ذلك باستخدام وسائل كالارهاب الفكري والاسقاط الاجتماعي.
4. المواجهات الرافضة لأي طرح إصلاحي مخالف للمشهور والإجماع والموروثات العلمية لعلماء بشر سابقين غير معصومين، كرست العمل الفردي على حساب العمل الجماعي، فبات كثير من الشخصيات الدينية ومنها الداعية للنهضة والإصلاح، بات كثير منهم له مشاريعه الفردية الخاصة، إما بسبب خوف البعض على مشروعه بالتالي ل يريد أن يتأثر بأي حملات مضادة لمشاريع أخرى متشاركة معه ومتقاطعة ، أو بسبب فقدان الثقة بالساحة الدينية وشخوصها خصوصا بعد فتاوى التكفير والتضليل وممارسة الاجتزاءات لكلام كثير من دعاة الإصلاح ومحاولة محاورتهم بطريقة تستنطق ما يريده المحاور من الشخص الداعي للاصلاح ومن ثم تحور أو تجتزئ كلامه لتسقط وتقوض دعوته، وهو ما جعل مساحات الظن السيء تفوق مساحات حسن الظن في الوسط الديني. وكانت النتيجة كالتالي :
* في مواجهة دعاة الإصلاح ومشاريعهم رجحت أصالة المجتمع على أصالة الفرد لتقويض المشروع وإسقاط صاحبه.
* هذه المواجهة كانت نتيجتها الدفع لتكريس أصالة الفرد على أصالة المجتمع، من خلال الدفع بالمصلحين للعمل الفردي، وفقدان الثقة بين العلماء من دعاك الاصلاح أو غيرهم، مما هز كيان العمل الجماعي لحساب العمل الفردي وأضعف الطاقة الانتاجية المعرفية و أخر كثيرا الابداع الخلاق الجماعي. 

هذه من وجهة نظري أهم العوائق الداخل الدينية وانعكاساتها على مشاريع الإصلاح الداخل دينية.

وهناك عائق خارج ديني يواجه أيضا المشاريع الاصلاحية، كون ساحة عمل هذه المشاريع هي وعي الجمهور و المجتمعات، وهو ما قد يتطلب حضور سياسي أو تحالفات سياسية لتمكن أصحاب هذه المشاريع من النفوذ والسريان، خاصة في ظل وجود اليوم أنظمة حاكمة تقنن قوانين لحمايتها لا لحماية الجمهور والمجتمعات المحكومة لها.