الاصلاح الديني بين الارتهان السياسي واعتبارات القداسة.\ إيمان شمس الدين, الجزء الثالث

2018/05/23 - 08:56:40am   

 

 

الإصلاح الديني والارتهان السياسي:

تلعب السياسة دورا بالغ الأهمية سواء في تمكين مشاريع الإصلاح أو إعاقتها، وأحيانا قتلها في مهدها.

فالإنسان بطبيعته يلجأ تلقائيا إلى جهة قادرة متعالية يستمد منها قدرة وجودية، وهذه بذاتها فكرة دينية بغض النظر عن طبيعة هذا الدين، سواء بشري أو إلهي، وكون البشر عبر التاريخ يميلون لعبادة هذه الجهة المتعالية، وتستهويهم الطقوسيات بشكل عام، وهو ما أدركه الإنسان منذ وجوده وأحاط بأسراره وسخر هذا الميول وهذه الطبيعة القهرية في الإنسان عبر التاريخ لتحقيق الهيمنة والنفوذ والسيطرة، وعلى كافة المستويات، و أجلى صورة للسيطرة والنفوذ هو السياسة بما تعنيه من سياسة أمور الناس والتي تمثلت اليوم كمصاديق في الدول القطرية وأنظمة الحكم فيها.

فالحاكم كصفة وظيفية عبر التاريخ وظف الدين وتحالف معه من خلال كهنته وممثليه، في سبيل شرعنة وجوده والهيمنة على عقول الناس وبالتالي الهيمنة على وجودهم وتسخيره لصالح وجوده الخاص ونفوذه وهيمنته على المقدرات والثروات.

فكانت القدرة النافذة والسلطة المهيمنة هي القادرة على فرض الدين وأفكاره على الناس، من خلال تحالفها مع ممثلي هذا الدين فيستفيد كهنته من السلطة في سبيل تسييل افكارهم وفرضها وتستفيد السلطة منهم في إحكام هيمنتها وبسط نفوذها وشرعنته.

وتتجلى هنا مسارات إصلاحية كان فشلها بسبب الارتهان السياسي، فكانت تنبثق مع تقادم الظلم وإحكام انغلاق العقل، حركات إصلاحية تحاول الثورة لأجل التغيير والنهضة، وعل كثير من الأنبياء والرسل يمثلون مصداقا لهذه الثورات النهضوية التي تأتي لتحرير الإنسان من أغلال الحاكم السياسي والحاكم الديني، ووصلها بحاكمية الله عبر منهج يعتبر العدالة حجر الزاوية في الدعوة إلى الله، و عبر التاريخ كانت هناك أيضا حركات إصلاحية ومصلحين ثاروا لأجل الإصلاح والنهضة، إلا أن أغلبهم كان الفشل هو النتيجة الأخيرة لمشاريعهم لأسباب عدة أهمها:

1. ارتهان بعض هؤلاء المصلحين للساسة والسياسة، باعتبار أنهم قد يسخرون هذا الارتهان في سبيل تمكين مشاريعهم.
2. دخول بعض المصلحين للاصلاح من بوابة السياسة والسياسيين مما يؤدي إلى تسخير بعض الساسة لهؤلاء في سبيل مشاريعهم الخاصة، وما أن يتحقق المشروع حتى يتم التخلص من المشروع الاصلاحي وصاحبه.
3.  محاربة الساسة والحكام لكل مشروع نهضوي إصلاحي ديني يمكنه أن ينهض بوعي المجتمع ويعيد صباغة وعيه وأفكاره، بما يقوض هيمنة الحاكم على عقولهم ويهدد وجوده ونفوذه. هذه المحاربة كانت تارة عن طريق ملاحقة أصحاب المشاريع وسجنهم أو قتلهم أو تشويه سمعتهم لإسقاطها اجتماعيا، أو إشغالهم بقضايا فرعية وجدالات عقيمة تبعدهم عن غايتهم في الاصلاح، فيموت المشروع ويقضي صاحبه عمره في الرد على هذا ومناقشة ذاك.
4. الصراعات الوجودية السياسية بين الحكام المختلفين في المنهج و الساعين للعب دور إقليمي، هذه الصراعات تدفع نظام سياسي لاستغلال معارضين النظام الخصم خاصة إذا كانوا أصحاب مشاريع نهضوية إصلاحية، تدفعه لاستغلال هؤلاء وتمكينهم لا بسبب الاقتناع بمشروعهم النهضوي، وإنما لإضعاف النظام الخصم واختراق منظومة الدولة من خلال أتباعها، وهؤلاء الذين يتم استغلالهم، قد يجدون ذلك فرصة لاستغلال مزدوج طرفاني، حيث يستغلون استغلال الحاكم لهم، باستغلالهم لذات الحاكم للترويج لمشروعها النهضوي وإثبات نجاعته وجدوائيته في مجتمع هجين عن مجتمعهم، لكنه يمتلك مقومات النهضة، وما إن ينتشرون اجتماعيا ويثبتون وجودهم وحضورهم حتى يتحولوا إلى جماعة أو حزب يهدد انتشارهم الحاكم الذي قام باستغلالها، فيعمد الحاكم لتقويض مشروعهم والتخلص منهم بشتى السبل، فلا يمكن لأي أهداف نهضوية ومشروع إصلاحي صالح، أن يحقق أهدافه الصالحة بوسائل غير صالحة، لذلك تفشل كثير من المشاريع الاصلاحية النهضوية لعدم صلاح أدواتها ووسائلها.

إن تداخل السياسي مع الديني تداخلا لا مبدئيا، بل تداخلا تحركه المصالح ودوافع الهيمنة، قوض كثير من المشاريع الاصلاحية، و أسقط كثير من شخصياتها، فسقطت أفكار الإصلاح مما عمق التخلف والرجعية و بسط نفوذ الحكام بشكل أكبر على عقول الناس.

فإحداث تغيير داخل ديني لا يعني بالضرورة نجاح المشروع وتمكنه، بل لا بد أيضا في موازاة ذلك إحداث تغيير خارج ديني، فالأول يعيد بناء وعي الذات وينهض بها من ركام أي تخلف أو انغلاق زمني، فتصبح أصيلة بلغة العصر وقادرة على محاكاة الواقع وإشكالياته، والثاني يعيد توجيه وعي الناس وصياغته وفق مقومات النهضة، ويهيئ قابليته للسير قدما في نهضة شاملة غايتها العدالة.

 السياسة  تلعب دورا كبيرا في هيمنة الحضارات وتمكينها ومواجهة مشاريع النهوض والوعي، ومن يملك مالا أكثر سيملك نفوذا أكبر وبالتالي يكون الأقدر على تحريك أحجار الشطرنج.

وتحالف قوة ونفوذ الحاكم مع  القداسات واعتباراتها يشكل سد منيع في بعده السلبي في وجه أي نهضة أو تغيير، في اجتماع السلطة والمال وسلاح الفتوى يمثل ثلاثية محكمة في وجه المصلحين من جهة، وسيف مسلط على رقاب الناس وعقولهم.

رؤىة ومقترح:

- المنهجة البرهانية لأي مشروع إصلاحي داخل ديني، واعتماد التتبع الدقيق للآراء، ومن ثم طرح مشروع إصلاحي محكم ومدروس على ضوء تجارب السابقين ودراسة أهم نقاط الضعف والقوة وأسباب الفشل والنجاح.
- طرح المشروع من قبل مجموعة تؤمن بضرورة التغيير، وليس من قبل فرد بذاته.
- دراسة قابلية المجتمع ووعيه، والعمل على النهوض بالقابليات إلى مستوى يمكن بعدها طرح المشروع الإصلاحي.
- التدرج في الإصلاح، وعدم ممارسة الصدمة، لأنها ستكلف المشروع وجوده.
- المباشرة الجماعية لطرح رؤى إصلاحية بطريقة علمية، والعمل على انتشارها إعلاميا، سيراكم زمنيا حركة وعي اجتماعي تدفع باتجاه تسريع عملية  التغيير الداخل ديني وعمل إصلاحات حقيقية.
- الابتعاد عن أي رهانات وارتهانات للسياسيين والسلطات، والانطلاق من الجمهور والعمل بين الجمهور ومعه، وعدم الاصطدام بالسلطة خاصة في المراحل الأولى للمشروع.
- الاستقلال المادي والمعنوي والاكتفاء الذاتي من مقومات نجاح العمل الإصلاحي.
- المكنة الإعلامية والقدرة على الانتشار بكافة الوسائل المتاحة.
- عمل مناظرات تلفزيونية وفي مواقع التواصل الاجتماعي، لطرح الرأي والرأي الآخر أمام عامة الناس، ومناقشة الآراء وتفنيدها وجها إلى وجه.
- عدم الانشغال والانجرار إلى معارك جانبية، في الرد على الردود الغير علمية، أو مواجهة سيل التهم ومحاولات التضييق، والفتاوى، بل الاستمرار في الانشغال في المشروع الاصلاحي والانتشار الإعلامي والاجتماعي وإحراز مزيد من المكنة العلمية.
- عدم الاكتفاء بالعمل الفردي، ومحاولة تشكيل كيان جماعي متفق على كليات المشروع الإصلاحي وأهميته وآلياته التطبيقية، و العمل على الدفع به في و عي الجمهور، وعمل فرق عمل داخل المؤسسات الدينية للمباحثة والمناظرة و السير قدما بمنهج قل هاتوا برهانكم.
- النقد العلمي العلني للآراء، وطرح البدائل الصالحة للنهوض والإصلاح، وعدم تقويض الموجود دون دليل ودون بديل صالح مبرهن.