#تعز: الجيش واللجان يصدون زحفاً لمسلحي التحالف في المفاليس بحيفان وسط اليمن، ومصرع وإصابة عدد منهم          #البيضاء: مدفعية الجيش واللجان الشعبية تستهدف تجمعات وخيام المسلحين في جبهة قانية وسقوط قتلى وجرحى في صفوفهم          #عسير: قصف مدفعي يستهدف تجمعات لمسلحي التحالف قبالة منفذ علب محققة إصابات مباشرة         

لعبة الحقيقة: عمّان في السادس من حزيران

2018/06/12 - 11:58:18am   

 

ركبتُ الموجةَ، أعني موجة الاحتجاجات في عمّان، متأخّرةً أيّاماً. كان يغمرني مثل كثير سواي توجّسٌ وشكّ في جهة الريح، رغم عذوبة الأمواج وجمال البحر الذي وصلنا هديره بالتكنولوجيا في الأيّام الأولى. نحن أبناء هذي البلاد، ونعرف جيّداً أنّ الرياح لا تجري غالباً بما تشتهي قواربنا الصغيرة، إلاّ إذا طابقت شهواتنا المتراكمة نزوةً غامضةً لأصحاب السفينة الأمّ، وإذا نجحنا في كتمان ما نعرفه منها، ولعبنا معها «لعبةَ حقيقةٍ» أتقنها جيّداً أبناء عمّان الأسبوع الماضي.
عمّان، مدينة الإحباط الشعريّ الجميل، تتمرّد على نفسها. تصرخ، لكن بذكاء حادّ وخبرة طويلة في البلاد وما حدث في جوار البلاد. لقد حملها فرنسيّ وبريطانيّ إلى أسيادها بغير إرادة حرّة من بعيد ـ كانت عثمانيّةً صغيرة، وعلّمتها التجربة أنّ الحقائقَ مثلُ القصائد: لا بدّ لها من وزنٍ على بحر أو أكثر مضبوط جيّداً، وأنّ الوطن مثل الشعر: الحقيقة فيه أكبر من معلومة، وأنّ الموج حين يضرب يقولها كنايةً سالت في شوارع عمّان على مدى أسبوع. كان موج البلاغة يعلو: يقول الهتاف شيئاً والمعنى أبعد، وشباب عمّان وبناتها قرّروا ضبط الإيقاع كي لا يبتلع أحداً يوماً طوفان الدم واللجوء، وكي لا يبقَوا كالعادة وحيدين مع الدعاء في بطن الحوت، ولو كان الثمن مشاركة السلطة في تأليف المسرحيّة من منتصفها (بما في ذلك من سيُعطى دورَ الشرّ المطلق من المسؤولين)، والظهور بالصورة التي تريدها الدولة في الإعلام، وتظنّ أنّها حين تُربّت على أكتاف الشباب بسبب رُقيّهم وأدبهم الجمّ سيشعرون، بسذاجة لا يشوبها أيّ شكّ وأيّ تفكير، بالانتصار وبنشوة طفل شقيّ نال رضا أبيه وأمّه والجيران لأنّ تمرّده محدود بما يريده والده الفخور.
ضللتُ الطريق في الرابع من يونيو/حزيران، وانتهى بي الأمر وراء خطّ الشرطة والدرك لساعات. أمتار تفصلني عن الفهم عن قرب من المتظاهرين، ولم يسمحوا. لكن لا بأس. ها هنا مصدرٌ لنوع الفهم الذي أريد؛ فهمٍ أبعد من كأس ماء وحبّة تمر توحيان أمام الكاميرات بأنّ كلّ شيء على ما يرام. سألني رجال الشرطة إن كنت صحافيّة، وقلت إنّي أستاذة جامعيّة، فكان بَوحٌ مرتجلٌ سريع في دقائق الاستراحة بين مناداة وأخرى لأداء الواجب. قسّموا أنفسهم بعيداً عن الرتب العسكريّة: هذا جامعي وهذا حامل دبلوم وهؤلاء لم ينجحوا في امتحان الثانويّة العامّة. بدأت تضجّ بي التراجيديا: لقد آلم رجالَ الأمن وقوفُهم أمام متظاهرين «متعلّمين» في الجهة الأخرى. قال واحد: «تخيّلي دكتورة أنّي في محافظتي (شرق الأردن) درستُ منهاج الإنكليزية للصفّ الأوّل في الصفّ الرابع، وفي التوجيهي كان الأستاذ منشغلاً في مركزه الخاصّ أكثر من المدرسة، لكنّه معذور هو الآخر، إذ كيف سيكفيه راتب المدرسة؟» آخر أسهبَ في شرح أفضال معلّمٍ علّمه فرق اللهجات في الإنكليزية، رغم أنّه لم يساعده في اجتياز الثانوية العامّة، لأنّ المدرسة «أقلّ حظّاً»، ولأنّ عمّان، كما قال الشرطي، «وحدها تحت الضوء»، لكنّه يحلم بأن يعيد الثانوية العامّة بعد مرور عشر سنوات علّه ينجح ويلحق بحياة أخرى. آخر أخبرني أنّ صافي راتبه بعد اقتطاع القروض ستّون ديناراً، وأنّ خطيبته الجامعية لم تجد عملاً، وأنّ العرس على الأبواب، وأنّهما ينتظران دفع إيجار الشقّة من «النقوط»، فكان سؤاله في مكانه: «ما الذي سيتغيّر بعد هذه الاحتجاجات»؟ الأخير قال إنّ خياره في الأمن العامّ لم يكن خياراً: «أنهيت تعليمي الجامعيّ، وانتظرت وظيفة لثلاث سنوات، ولم أجد، فها أنا هنا». جامعيّ «ينفّذ التعليمات»، سواء بمنعي من المرور من هذه الجهة أو بتوزيع الماء على المتظاهرين كي تخرج الصورة «راقية» و»حضاريّة» يستفيد منها مرحليّاً من يستفيد أمام المجتمع الدولي. أمّا هو ومن يشاركه الهمّ في الجهة الأخرى من المظاهرة، سيعود ويفكّر في حياته ضمن الراتب القليل، وفي الأثناء تقول له سيّدة عمّانّية أمامي اجتاحتها كما يبدو حمّى الإعلام السريع، وامتعضت من تنفيذه لتعليمات بإغلاق الطريق: «ليش المي مو باردة؟ ما بدّي إيّاها»، وأخرى تطلب صورة معه، ويرفض هذه المرّة بإصرار، وأخرى تسرق «سيلفي» من بعيد، عمياء عن أنّ لهذا الإنسان أحلاماً لا تحقّقها صورة، بل ربّما تنتهك الصورةُ نفسها شيئاً من إنسانيّته، إذ تختزله بـ»شرطي» أو «دركيّ» بلا اسم ولا حلم.
عمياء عن أنّ لهذا الكائن خيباتٍ لا يصلحها هتافٌ يعترف بهمّه – وإن خفّفها مؤقتاً – ولا طعام على السحور ولا صلاة جماعة، وكرامة قد يجرحها أن تأتيَه أمام الكاميرات تعليماتٌ بعدم إيذاء المتظاهرين بلغة توحي بأنّه في الأصل همجيّ باختياره الفرديّ («سأرفش ببطن من يضرب متظاهرا»ً). وللأسف، لقد صفّق البعض بتسرّع همجيّ فعلاً لمن قال هذا، ناسين معاناتنا الطويلة مع منطق التلميع الأزليّ لأصحاب المناصب في البلاد على حساب الإنسان، مدنيّا كان أو عسكرياً، وأنّ «التعليمات» قد تتغيّر في أيّ لحظة وفق ما تتطلّبه حكومات الظلّ الأمنيّة، وليست أبداً بريئة من أنانيّة الكبار، وأنّ المعنيّ بتنفيذها لا تخلو حياته من مأساة ليست متعلّقة فقط بالجانب الاقتصاديّ، بل بفكرة الحريّة التي يدافع عنها المتظاهرون أنفسهم؛ الحريّة التي تبدأ بالضرورة بتعليمٍ يصنع الوعي بعيداً عن تدخّلات السلطة، وهو ما يزال غائباً في المدارس والجامعات. رجال الأمن مثل كثير من المتظاهرين في السادس من حزيران: منعهم التهميش المتكرر لمحافظاتهم من تعليمٍ حصلت أنا على أفضلِ أفضلِه في حياتي لأسباب كثيرة، منها أنّني منذ الولادة من طبقة معيّنة في عمّان.
من حسن حظّي أنْ كانت معي في ذلك اليوم صديقةٌ هي أمّ لأبناء شباب، فعرفَت ما تقول بنيّةِ بعثِ الأمل، بينما صمتُّ أنا وغرقت بين طرفي الاحتجاج في إحساس بيُتْمٍ جماعيّ كبير.
في الخامس من حزيران وصل قاربي إلى الموج. كانت القوارب في معظمها من عمّان. الوجوه جامعيّة مألوفة، وأبناء الجامعة الأردنيّة التي أعمل فيها هناك، يضعون خبرتهم في الاعتصام المفتوح، الذي أسقط قرار رفع الرسوم قريباً من الدوار الرابع. لسبب ما كانت التراجيديا أقلّ، بل كان فرح ٌكبير، نصفه وهم ونصفه حقيقة، نصفه مسرح ونصفه واقع. اخترت أن أرى الجانب الصادق بلا نكد ونظرية مؤامرة، بعد أن سمعت الكثير من خطاب طلبة الجامعات الذين يبدو أنّهم يعرفون تماماً ما يفعلون، بما في ذلك تقديم الصورة «الكيوت» كما يقولون لإرضاء من يرضيهم أن تكون صورة عمّان هكذا في الإعلام. استرقت النظر إلى هاتف «أجنبيّة» قربي، لم تُعتَقل لأنّها أجنبيّة بما أنّها غير عربيّة. كانت تكتب رسالة بالإنكليزيّة: «هؤلاء يعتقدون أنّهم في سهرة رمضانيّة، ويخرّبون ثقافة» ولم ألحق الباقي، ولم أفعل بها ما كنت أريد انسجاماً مع سلميّة الموقف، ولأنّ عمّان لم تحسم موقفها بعد من جواسيس السفارات. لم يرتفع سقف الهتاف إلاّ قليلا جدّاً، فنحن مؤقّتاً من عمّان فقط، التي ترى في احتجاجها امتداداً لدعوة النقابات إلى الإضراب، لا امتداداً لحراك المحافظات الأخرى البادئ منذ أشهر في السلط والكرك وذيبان وسط ظلام إعلاميّ شديد.
في السادس من حزيران كان ما كان من الأمواج. وصل أبناء محافظات الأردن الأخرى باكراً، ولم تلبث أن بدأت المظاهرة حتّى ارتفع سقف الهتاف بطريقة لا تعرفها العاصمة. وصل أبناء ذيبان (الذين أعطوا «الهبّة الشعبيّة» اسماً لما يحدث) والشمال والجنوب والشرق والبادية. هتفوا فاهتزّ إيقاع المدينة التي بدأت ترجوهم أن لا يقولوا الحقيقة عاريةً، وأن يحفظوا الإيقاع تحت الكناية. هزّت الحقيقةُ المبانيَ المجاورة بوصول وفد بعد آخر من خارج عمّان، ومراسل موقع «حبر» العمّانيّ مرهق لشدّة ما التقط من حقائق كي لا يصدّق أحد إعلام السلطة الخائر. فعلها أبناء عمّان سريعاً رغم وحدة المعنى والألم: نزّلوا السقف. أخذ شاب جامعيّ من عمّان معنيّ باللغة العربيّة موقعه على كتفٍ أوّل التظاهرة بين الدرك وأبناء المحافظات الأخرى، وعلا صوته بهتاف معتدل. كان هتافُه رجاءً يقوله العرَقُ على وجهه: خذونا على قدر قدرتنا، «سايرونا»، ففعلوا. كانت السلطة في الوقت ذاته تفتعل حادثة طعن دركي لتشوّه المشهد وتجرّم أبناء المحافظات الأخرى، ولم تفلح، لأنّ عمّان كبرت جدّا على هذه القصص. ساعدتني على الوصول إلى العمق والرؤية رغم التدافع صديقة وطالبة سابقة لا يعرف لها الخوفُ طريقاً: إذ كيف تعرف الخوف من في دمها القديم شيءٌ من العراق؟ دخل أبناء قبيلة بني صخر هاتفين بالسلميّة، إرضاء أيضاً لعمّان. كتمت دموعي وأنا أفهم ما يحدث. عمّان تغيّر الهتاف خلال دقائق بدهاء كبير لا يمسّ المعنى: من «بطّلنا نحكي يعيش» إلى «يعيش الشعب الأردنيّ العظيم»، وإلى تغيير الحروف باستفزاز بطيء بعد حرف النون: «الشعب يريد إسقاط الن… النوّاب». ها هنا تواطؤ على الخطاب، لغاية تخصّ الوطن بعيداً عن الدولة، وتنازل كبير كبير حتّى عن الحقيقة، لأجل بلد يبدو أنّنا نحبّه من غير أن ندري، رغم كلّ شيء: «حتّى نارك جنّة» كما هتف الجميع، واستعاروا أغانيَ من بلاد عربية أخرى، كلّها مكتوب اسمها عند الأردنيين كما يبدو «عالشمس الما بتغيب». غنّى الجميع، وهتفوا، وغازلوا السقف، وتدافعوا مع الدرك لساعات، وحمى الجميعُ البنات من أيّ تحرّش أو آثار التدافع. إنّ حماية النساء، كما ينسى البعض، هي قيمة بدويّة قبل أن يكون احترام ذواتهنّ قيمة مدنيّة، كما أنّ مظاهر المدنيّة ليست وحدها التي تحمل معنى التحضّر، والتحضّر لا يفترض بالضرورة نعومة مطلقة أو خنوثة في التعبير عن الأشياء. أبناء عمّان يعرفون ذلك جيّداً، وإلاّ لما هتفوا منذ اليوم الأول بأنّهم خلافاً للأمراء والسلاطين «أبناء حرّاثين»، فالجيل الذي يعيش الآن في عمّان، يمتدّ أصله غالباً إلى مدينة أو قرية خارج العاصمة، شرق النهر أو غربه، وحين التقى مع أبناء المحافظات الأردنيّة الأخرى في السادس من حزيران، كان يلتقي بشيء منه كاد أن يضيّعه لمصلحة سواه؛ شيءٍ يعيد للحمِنا العمّانيّ مرارتُه، وإن عجز الكثيرون بمن فيهم أنا، للأسف، عن فهم كلّ ما تقوله «دِحّيّة» أهل الطفيلة في السادس من حزيران، رغم أنّ أبي من الجنوب وجدّي حرّاث قديم.
السادس من حزيران. التقى ما بدأت به النقابات من إصرار على سحب قانون الضريبة، مع ما بدأ به حراك المحافظات منذ أشهر بإصرار على اجتثاث الفساد من أعلى المستويات، وبسؤال بسيط مشروع: أين يذهب كل مال المساعدات السابقة واللاحقة، ونحن نزيد فقراً وبؤسا ونقلّ كرامةً عاماً بعد عام؟ في السادس من حزيران، التقى شباب الأردن كلّه وبناته على السخط، والوجع المتراكم، والكرامة المطعونة في الخبز والهواء والعلم والقدس. توطؤوا على لعبة الحقيقة: سنؤجّلها الآن، وليكن الإيقاع واحداً بلا نشاز، ثم أوقفوا التظاهرات بعد تغيير رئيس الحكومة وسحب مشروع قانون الضريبة لإشعار آخر. ليس هذا انتصارهم، لكنّه كان في وجودهم جميعا ضمن أمتار قليلة لساعات، يمزجون الأغاني والقيم الأصيلة متعددة المنابت، قبلية وإسلامية ومدنية وحزبية ومهنيّة وأكاديميّة، محاولين تناغماً طالما ظنّته الدولة – وربّما أرادته – مستحيلاً. لم يهتفوا هتافاً واحداً مدحاً بأي رمز من رموز السلطة على الإطلاق، بل للشعب الأردني العظيم فقط، وكان الغياب حضورا كاسحاً، ومعنى ظاهراً، وحقيقة لا يخطئها القلب، فيها حريّتهم وجوهرهم وهويّتهم، وإن أرادتهم السلطة مجموعة من الناعمين «المتحضّرين» المحافظين على البيئة وسط عالم يضجّ بصراع الأفكار ومصائر الهويات وصفقات القرن. كانوا يسيرون على هدى وبصيرة في متاهة حفظوا طرقها جيّداً، وأسماها يوماً مؤنس الرزاز، شقيق رئيس الوزراء الحالي، «متاهة الأعراب في ناطحات السراب». عمّان حفظت طرق المتاهة الفكرية والسياسية والأمنية وإن لم تجد المخرج بعد، وبالأخصّ مخرج الاستقلال عن المعونات الأجنبيّة والخليجيّة معاً. لهذا نزّل الشباب السقف بعد رفعه، ليس حبّاً في السلطة، بل ذكاء حقيقيّاً في التعامل معها، ضمن قواعد لعبتها ومصالحها المكشوفة. لقد شهدت كلّ ذلك عمّان منذ أن «أرخت جدائلها» كما تقول الأغنية، ووصلت إلى أوج نضجها ومجدها في السادس من حزيران.
كاتبة أردنية