حول الثقافة السياسية بقلم : الناشط السياسي محمود موالدي

2018/06/13 - 09:48:03am   

 

 

المتعارف عليه في السياسة .. هو أن الاعتبار للنتيجة لا للنية .. كما هي الحالة في الأخلاق .. فإذا كان المرء يحاسب عن نواياه أمام الخالق في الآخرة .. فإن الزعيم السياسي ملزم بتقديم الحساب عن نتاج أعماله للجمهور ... الأخلاق .. والسياسة القانون الأخلاقي تنطوي عليه نفس الإنسان ، والقانون السياسي تنطوي عليه علاقات المواطنين .. والإنسان ذو نزعة إلى الاستبداد أي إلى تخطي هذه القوانين .. أعمال الإنسان متباينة ، بين الوجدان الأخلاقي وبين ما يقربه العقل طبعا بعد النظر في العواقب . وحسبما تكون الغلبة في الأعمال للوجدان الأخلاقي أو العقل يكون الإنسان متصفا بصفة الأخلاق أو المساومة .. والسياسة استعداد للمساومة كالتجارة ... والحياة مساومة مع الظروف بالإضافة إلى أنها انبثاق ، وذلك يجعل الدول المتصفة بقدسية الأخلاق أقل مرونة من الدول التي تقوم على المساومة . - السياسة والماضي .. كان طابع القرون الوسطى يتلخص في الزهد في الحياة ، وفي الولاية ، في السياسة والأخلاق .. كان الزهد في الحياة يتمثل في ( التكايا .. و الزوايا والأديرة ) والدراويش والنساك . حينذاك كان رجال الدين يشنون الحرب على الطبيعة وكانوا يحاولون إثارة قرف الناس من مباهج الطبيعة ومفاتنها . كان شعار العهد يتلخص بهاتين الجملتين : الدنيا دار فناء ، والآخرة دار بقاء . الدنيا دار شقاء ، والآخرة دار نعيم . وكان الأكثر إيغالا ًفي إهمال الطبيعة ، هو الأكثر تمثيلاً لأماني تلك المرحلة من تاريخ الإنسانية . وأما الولاية في السياسة والأخلاق فقد كانت تقوم على الاعتقاد بأن النفس الإنسانية مثقلة بالخطيئة ... بخطيئة أبي البشر آدم . تلك التي سببت هبوطه من الجنة إلى الأرض .. ويقتصر الإنسان بالفطرة يجعله عاجز عن التمييز بين الخير والشر ، وبين الحق والباطل . وذلك كان يدعو العوام لأن يلجأوا إلى ورثة الأنبياء ( رجال الدين ) .. من أجل أمرين خيرهم وشرهم ... وذلك كان يدعو ممثلي السلطة من ملوك وأمراء للإدعاء بحق الولاية على إدارة شؤون الجمهور -السياسة والحداثة إن الحضارة الحديثة قد اتجهت عكس ما اتجهت إليه القرون الوسطى ، اتجهت نحو الطبيعة فمجدت الحياة في جميع مظاهرها . بدأت هذه الحضارة باكتشاف كجرم من الأجرام في المنظومة الشمسية .. وباكتشاف بنية الأرض وبواطنها ... والعلوم الفزياء والكمياء . هكذا اشرقت الحضارة الحديثة على العالم دنيويا . تبع هذا الانقلاب في وجهة النظر ، انقلاب في جدول القيم المرسومة في الماضي ، فاستبدلت ( الأديرة .. والتكايا والزوايا ) بالنوادي والمسارح ودور الثقافة . وقام الأبطال والقنانون مقام الدراويش والنساك والمتصوفة . وأقامت الحضارة الحديثة مبدأ الحرية مقام ( الولاية ) والحرية هي حق المرء في تنظيم سلوكه حسب مشيئته ، وحقه في الاشتراك في تنظيم سلوك الدولة من ( وضع القوانين والإشراف عليها ) ... حق الحرية ينتج عن الاعتقاد بأن النفس تنطوي على مقومات هم .. العقل والوجدان .. انطواء الأحياء على الغريزة. ألم يصبح كل إنسان قادر على المعرفة وبالخصوص معرفة الحقيقة بالعلم ... وعلى استثمار الحقيقة المكتسبة بالصناعة ...؟ فإذا كان كل امرىء في هذه الحضارة ، يشترك مع الأنبياء في التنبؤ بالمستقبل بمقدار تقدمه في مجال العلم ... فإنه يشترك أيضاً مع المللوك في إخضاع البيئة لمشيئته ... وكل ذلك نتاج تقدمه في مجال الصناعة والعلم والتكللوجيا . وهكذا ترفع الحضارة الحديثة بكل امرىء إلى مصافي الأنبياء المسيطرين على المصير ..... مصير الفرد والجماعة - الشخصية والمفاهيم : ونحن إذ نسوق الملاحظات على مقومات الحضارة في وجهتها .. الطبيعة والإنسان ، المقصود من ذلك تنبيه المسؤولين عن توجيه الناشئة إلى أهمية وعي المبادىء المنطوية عليها المعارف في تكوين الشخصية . إن وضوح المفاهيم من نمو الشخصية في انسجامها وعمقها ، بمثابة الغذاء من نمو الجسد . ووسيلة الوضوح هي أن يرتقي الذهن بالتأمل والمعرفة والتثقيف ..ويكون الانسجام مع المبادىء .. بحيث يتم له الوصول للعمق ... إن الغموض كما هو حاصل اليوم .. يحول دون نمو الشخصية ويجعل بين النظر والعمل منفصل .... ( أفليس ذلك مايشكو منه الناس اليوم ) ؟؟؟ - الحزبية تقوم الديمقراطية الحديثة على هذا المبدأ : لكل مواطن الحق في تعيين مصيره وفي الاشتراك مع اخوانه بتعيين مصير الدولة . ولكن كيف يمارس هذا المواطن حقه في تعيين المصير العام إذا لم تكن له الحرية في الإفصاح عن رأيه في القضايا العامة .. والحرية في دعوة المواطنين الآخرين إلى دعم رأيه فيها ..؟ وإذن فمن مستلزمات حق تعيين المصير حرية إصدار الصحف وحرية تأسيس الأحزاب .. وحرية الاعلام ... وكل شرط تقيد به الدولة هذه الحرية تنقص به من الحق الذي هوأساس الديمقراطية الحديثة وأما اليوم .. ونحن في غمر الحضارة الحديثة طابعها سياسي اقتصادي ، فمن الطبيعي أن تنزع النفوس الناهضة على نبراس هذه الحضارة .. إلى التكتل ( أي التحزب ) بحسب وجهات النظر المختلفة في حل المشاكل العامة . ولكن لما كانت نهضتنا في ظل الاستعمار ، فقد أصبحت معالم حياتنا العامة مشوهة منحرفة .. وهل من عجب / والحالة هذه / أن تضل مقومات الديمقراطية عندنا والمجسدة .. بالأحزاب والانتخابات البرلمانية والصحافة والاعلام عن أغراضها...؟؟؟ إلا أن التشويه والانحراف لا يستلزمان إنكار الحياة ذاتها أو القضاء عليها ... بل يدعوان إلى تقويم الاعوجاج وإصلاح الفساد من خلال ( التحزب ) .. إن تباين في وجهات النظر مدعاة لاستجلاء الحق وللتسابق إلى إحقاقه .. - إنفصام الفكر عن العمل بقي المجتمع عدنا ... محتفظاً بما عليه في القرون الوسطى وكل مافي الأمر من اختلاف بيننا وبين ما كان عليه أجدادنا في تلك العهود السحيقة هو أن التشتت في الآراء عندهم كان يعبر عن اختلاف في الاجتهاد بينهم .. وإلا فقد كانت الآراء حية منبثقة من صميمهم ... وأما نحن الأحفاد فقد ورثنا التراث ... تقاليد بالية . وورثناه طافياً .