النخبة" - مفهومها ودورها في صنع تاريخ جديد للبنان

2018/08/15 - 05:03:42pm   

 

إيلي أنطون شويري

"النخبة" هي من الكلمات التي نستعملها بكثرة، خاصة حين نريد تحديد نوعية الأشياء أو نوعية الناس، وتمييزها من غيرها من الصنف نفسه. النخبة، بتحديد عام، هي أفضل الموجود من أي شيء.

في السياسة، تُسْتِعْمَلُ الكلمةُ للدلالة على أفضل الساسة، أي أقدرهم وأشرفهم وأصدقهم وأشدهم إخلاصا في تدبير أمور أبناء الوطن، وحمايتهم من شرّ الأعداء والفتن والفرقة والجهل والمرض والبطالة والعوز والفقر والجوع والإستغلال والذلّ في كل مراحل العمر، وتأمين ازدهارهم الإقتصادي وسعادتهم، وخدمتهم بالمشاريع العمرانية والتربوية، وإعلاء شأنهم، والحفاظ على كرامتهم تجاه سائر الدول والشعوب.

لكل شعب نُخَبُهُ المتعدّدة المتميزة بمستوى وعيها، واختصاصاتها، وإنتاجها، ونشاطاتها، في مجالات الحياة والعمل كافة. تركيزنا هنا هو على النخب الشعبية من أفراد وتجمّعات وأحزاب وتيارات ونقابات، المتمرِّسة في مجال الوعي والتفكير والتربية والتعليم والقانون والإعلام والعمل السياسي والقيادة. هذه النخب تشكّل خزانا لمن يقدّمون أنفسهم للشعب كمؤهَّلين، في نظر أنفسهم قبل كل شيء، ثم في نظر الشعب وسائر النخب في شتى المجالات، ليصبحوا نوابا يمثلون الشعب في المجلس النيابي، وليحكموا بإسمه.

ظاهريا، يختار الشعب ممثليه بالإقتراع. من ينال أصواتا أكثر يربح. إنه حكم الأكثرية. وهو مدعاة تغنّ وافتخار لمن يتمتع بممارسة حكم من هذا النوع، رغم كل شوائبه ونواقصه وعلاته، ومدعاة تمنّ واشتهاء وحلم لمن لا يتمتع بتلك الممارسة، كون حكم الأكثرية، حكم الشعب بالشعب المتجدّد مع كل موعد انتخابات، هو أفضل وأكمل تجسيد لانتقال السلطة سلميًّا من يد إلى يد، ولحرية الشعوب وازدهارها ونموِّها وكرامتها، بعد تجربة كل أنواع الحكم المتسلط، الظالم، عبر تاريخها، على يد نخب قد اختارت نفسها بنفسها لتحكم شعبها، وفرضت نفسها عليه بقوة المال أو الترهيب أوالسلاح أو الوراثة.

ولكن الأسئلة والحقائق، هنا، تتزاحم:

هل يتقن الشعبُ، أيُّ شعب، الإختيار، إذا أُعطِيَ نعمة حرية الإختيار، هو ونخبه؟ ما البرهان على ذلك وما الضامن لذلك؟

كيف يتم هذا الإختيار، والمرشحون، وهم أبناء الشعب لا شك، قد اختاروا، شاء الشعب أم أبى، أنفسهم بأنفسهم لا الشعب اختارهم، وعرضوا، لا بل فرضوا ترشيحهم (بتمويل ودعم من قوى ومراكز مالية معينة، داخلَ البلاد وخارجها) على الشعب ليقرِّرَ، هو، وفي فترة وجيزة، من الأفضل؟

ماذا عن "نخبة" المرشَّحين الدائمين على الإنتخابات، وقد ورثوا الزعامة أبا عن جدّ، واختبرهم الشعب لسنين عديدة في الحكم، وعانى من فشلهم الدائم في خدمته، وهو يظلّ ينتخبهم، ويظل يمدّد لولايتهم ولتعاسته؟

في نهاية الأمر، ألا يوضع الشعب غصبا عنه، جراء فرض ذلك الأمر الواقع، أمام حتميّة الإختيار بين أهون الشرَّين، أي بين "شرّ" قديم يعرفه و"خير" جديد يجهله، إذا قرّر أن ينتخب؟

ماذا لو امتنع الشعب عن الإنتخاب وقاطعه؟ ماذا لو قدّم ورقة بيضاء؟

وعن أية ديمقراطية وحكم نُخْبَةٍ مُنْتَخَبَةٍ من قبل أكثرية مزعومة، نتحدث هنا، حين يمارس فقط نصفُ الشعب أو أكثر بقليل، أو أقل بكثير، حقَّ وواجبَ الإقتراع؟

وهل يعني، بالضرورة، حكمُ الأكثرية، حكما صحيحا، سليما، والأكثرية، كما هو معروف، المتأثرة بالإعلام والمحكومة بالعاطفة والغريزة، لا تملك الوعي الكافي من أجل ممارسة الإختيار العقلاني، الحكيم، للمرشّح الأفضل، بالنسبة عينها التي تملكه النخبة القليلة الواعية، المغلوبة على أمرها؟

في ما يُسَمَّى بأكبر وأرقى الديمقراطيات اليوم، هذا هو المنطق المقبول مبدئيا، والمتَّفَق عليه أنه الأسلم، والمُتَّبَع في لعبة الإنتخابات، في مجتمعات حكم الشعب من الشعب وبالشعب وإلى الشعب، ولا أحد يعترض على هذا المنطق أو على تطبيقه. الشعب يختار مرشحين من النخبة الموجودة القادرة على تحمل نفقات الترشيح الباهظة، وهم في حقيقة الأمر مفروضون فرضا عليه من قبل المراكز المالية الضخمة بكل مسمّياتها، التي تتكفّل بتمويل المرشحين والإعلام والحملات الإنتخابية بشكل مباشر أو بالواسطة. إذًا، النخب المالية تقرّر من هي النخبة للترشيح وتمثيل الشعب في الحكم، نخبة منتمية لأحزاب معينة متصارعة لها تسميات جذابة للشعب، أو نخبة مستقلة. والشعب، بأكثريته، يختار بحسب تأثيرات الإعلام عليه وبحسب أمزجته ومصالحه وعصبياته العرقية والعائلية والمذهبية والطَّبَقِيَّة والعنصرية، التي تولِّد فيه اقتناعا معيّنا، وتفرضه عليه فرضا لا يمكن إنكاره أو التهرب منه. ولكنّ الشعب لا يدري ولا يقرّ بذلك. ولا تجرؤ أن تقرّ بذلك، أيضا، نخب وسائل الإعلام القوية النافذة التي تملكها وتسيطر عليها جماعات النخب المالية الكبرى من مصارف وشركات أسلحة وأدوية وغيرها، تملكها عائلات وجمعيات دينية عرقية معروفة، تعمل في الخفاء، ويُعْرَّفُ عنها ب"الدولة العميقة".

مسألة النُّخب، كما هو مفترض أن تكون، بحسب ما يوحيه معناها المثاليّ، أي الأفضل من كل شيء، ليست، معظم الأحيان، كما يتمناها ويتوقعها الإنسان الواعي، الصادق، والطموح الى الأفضل. إن النُّخب الأقرب إلى الكمال هي نخب قد تركت هموم هذه الدنيا، واختارت أن تسلك درب الروحانية والقداسة والكمال الصعب، إذْ إنها قرّرَتْ، بفعل إرادة شخصية أو وحيٍ إلهيّ، أنّها صاحبة رسالة روحية، وأنَّ مملكتها ليست من هذا العالم. أما النخب المثقفة، الخلوقة، الصادقة، الأبية، فهي، وإن بقيت في هذا العالم، لا يمكنها إلا أن تعيش همومه، وتتفهّم مشاكله، وتودّ أن تشارك في خدمته وتوجيهه وقيادته، غير أنها تبقى مجهولة ومهمّشة، لأن طبعها الأنوف، المتجرّد، المتواضع، المبنيّ على مبادئ أخلاقية وروحية وفكرية سليمة صلبة، لا يسمح لها بأن تكون مرتهنة لمشيئة أصحاب المال المتكبرين والمهووسين بالقوة والسيطرة. لذلك، نحن نعي وضع هذه النخب التي تحبّ أن تهتم بالأمور الدنيوية للبشر، ونتفهم أن الواقع، واقع إنجازاتها، إن أُعْطِيَتْ لها فرصة الخدمة العامة، في بيئة معادية لطبعها وأخلاقها، لا يأتي أبدا مطابقا للمثال المرجوّ ولا حتى قريبا منه.
إن تلك النخبة التي ينتخبها الشعب لتمثله في المجلس النيابي، والتي ينتظر منها الخير لكل فرد ولكل عائلة في المجتمع، لا تعطيه هذا الخير، لا بل تزيد همومه وتثقل أحماله، بسبب إهمالها له وارتباطاتها بمصالح وأطماع نخب أهل المال التي أوصلتها، بأصوات الشعب، إلى مراكزها، وهي مصالح النخب الأنانية التي غالبا ما تتناقض مع مصالح الشعب. وأما النخب الصالحة، الصادقة، القليلة جدا والنادرة، إن وُجِدَتْ، فهي تجد دائما من يعاكسها في الحكم من جماعات النخبة غير الصالحة وغير الصادقة.

إن فكرة النخبة واقع مسيطر على حياة كل شعوب الأرض وقادتها في كل الميادين الزمنية والروحية. فيما يختص بالنخب الزمنية الذي يهمّنا أمرها هنا، في لبنان، فإن هذه النخب التي تدير شؤون الشعب الدنيوية، هي دائما مقصِّرة في عمل واجباتها، وسعادة الشعب غير مؤمَّنة، كما ألمحنا، منذ قليل، عن الفرق الشاسع بين المثال في المطلق والتطبيق في الواقع. إنه النقص البشري بطبيعة الحال الملازم للطبيعة البشرية المحكومة بالضعف والإزدواجية والأنانية.

بالإضافة الى هذا الواقع الطبيعي المعروف والمسلّم به، ثمة دائما مصالح نخبة صغيرة غنية وقوية وطموحة، تسيطر على القسم الأكبر من الشعب في لبنان، من خلال نخبه السياسية والإعلامية والثقافية والمالية والمصرفية والإقتصادية، وتستغله وتستعبده، وهي تبتسم له، بألف وسيلة ووسيلة. وأما الشعب الذي لم يهاجر، فإنه يبقى دائما في حيرة من أمره، يتململ ويشتكي ويتذمّر ثم يسكت، ويظلّ منهمكا بعمله وكفاحه اليومي المرير، من أجل لقمة عيشه والبقاء على قيد الحياة، غارقا في أوحال الهموم والقرف واليأس والنسيان واللامبالاة، والعجز عن إحداث أي تحسين في حياته، أو أي تأثير على ساسته وزعمائه.

إن الأمر، في لبنان، واضح جدا. يختار الشعب نخبَه السياسية ليمثلوه في الندوة النيابية وفي الحكم، تبعا لانتماءاته الطائفية والدينية والعائلية والمذهبية المتنوعة، وتبعا أيضا للمساعدات المالية المتوفرة في ظروف الإنتخابات الودّية، العاطفية. وأما الإلتزام الحزبي العقائدي العلماني فهو متبع عند نخبة قليلة جدا من أبناء الشعب، وهم لا يشكلون أكثرية شعبية بعد، في بيئة إنسانية طائفية حتى العظم، يحاولون التأقلم معها قدر الإمكان، لعجزهم عن تغييرها. النخب التي انتخبها الشعب هي، في الواقع، تُتْعِبُ الشعب ولا تريحه، ولا تعطيه إلا النزر اليسير من حقوقه، ولا تؤمِّن له، بأطفاله وشبابه ومسنيه، الكرامة والإزدهار والسعادة والسلام، ولا تعود إليه لطلب رأيه في القضايا المصيرية كما هو مُفتَرَض، من خلال حوارات مفتوحة أو من خلال إجراء استفتاءات عامة. إن طريقة حكم الشعب بالشعب، وانتخاب النخب الوهمية الفاشلة في كل شيء إلا في عبادتها المريضة لذاتها وللمال وللسلطة، وفي ولائها المريض لمنابع آلهة المال في الخارج، تتكرر على علاتها، وتتكرر معها العلل الإجتماعية والنفسية والأخلاقية بكل انواعها.

معلوم من الجميع أنّ ممارسة النظام الديمقراطي، عندنا، إنما هي ممارسة سيئة جدا، ولكن ليس هناك ما هو أفضل من هذا النظام للبنانيّين. ثمّة قول شائع في لبنان: العلة تكمن في النفوس لا في النصوص. حتى الساعة، هذا القول ما يزال يردّده بعض النخب من مثقفين ومعلِّمين ورجال دين وساسة وإعلاميين، ويكتفون بترداده فقط. لا أحد من هذه النخب يحاول أن يعلن ويبدأ حملة تثقيف وتربية وتوعية مستمرّة من أجل شفاء النفوس من علتها المزمنة، علّة الكبرياء والعناد والتنافس والطمع والتعصب الطائفي والعائلي والقَبَلي. وتبقى العلّة حيث هي، معششة في نفوس معظم أبناء الشعب، وفي نفوس معظم النخب أيضا، والخلاف يستمرّ، بشكل متكبّر، عَبَثِيّ، سخيف، وإلى ما لا نهاية، حول تفسير وتأويل ونقاش النصوص وطرق تطبيقها.

لا بدّ من طرح بعض الأسئلة، هنا، أسئلة تراود نفوسنا وتقلقنا:

حتّام يا ترى هذا التناقض الدائم بين القول والفعل، بين النظرية والتطبيق، عند معظم الساسة؟

حتّام هذه الإزدواجية الدائمة في شخصية الساسة اللبنانيين، التي تنعكس سلبا على أبناء الشعب؟

حتّام هذا الدوران العبثيّ، المدوّخ، والخلاف "العميق"، التافه، السخيف، العقيم وغير المجدي، حول إسم وماهية وأصول الذات اللبنانية الشعبية والوطن، منذ الإستقلال حتى اليوم، وإهمال مبادىء الأخلاق الحميدة في العمل السياسي والإجتماعي، وإهمال بناء المستقبل والتقدم والإرتقاء والإزدهار والحياة الكريمة، وخلق حضارة جديدة، حضارة الإنسان الراقي والمتفوق بعقله وأخلاقه وإنجازاته في كل الميادين، بدل التغني والإفتخار الباطلَيْن بحضارات وأمجاد الأمس البائدة، وإضاعة الوقت بالوقوف طويلا للبكاء والندب على أطلالها، دون أخذ العبر، على الأقل، منها في مجال شحذ الهمم والتحلّي بروح الخلق والإبداع؟

حتّام فشل النخب الفكرية والإعلامية والروحية والتربوية الجيدة في أداء واجبها في التأثير الإيجابيّ على تفكير وسلوك الساسة والشعب؟

حتّام هذا الصراع التافه بين ال"نُخَبِ" المالية والسياسية اللبنانية على القوة والسلطة والإثراء السريع بأي ثمن، وهذا التهافت الشّرِه، المتوحش، على نتف ريش الشعب، وقطع رزقه، وسلخ جلده وهو حيّ، وأكل لحمه نيئا، والسكر من شرب دمه؟

هل من بصيص أمل للشعب المعذّب بخلاص يلوح في الأفق القريب أو البعيد المكفهِرّ دائما بغيوم دكناء لا تبارحه؟

هل يريد الساسة اللبنانيون حقا الخلاص من واقع يبدو أنه يروق لكثير منهم ولكثير من الإعلاميين وحلفائهم من رجال أعمال ومال، لأنهم يستفيدون، على حساب الشعب اللبناني دائما، من استثمار الأموال والدعم من بعض دول وممالك النفوذ التي يناسبها هي أيضا، وبالدرجة الأولى، بقاء الشعب اللبناني على حاله التعيسة، الضعيفة، خدمة للكيان التلمودي العنصري، "إسرائيل"؟

إنها أسئلة يطرحها على أنفسهم، بألم بالغ، وكل يوم، أبناء الشعب اللبناني الواعون، المخلصون، المغلوبون على أمرهم، ونُخَبُهُم القليلة، الصادقة، العاجزة، الحزينة.

درب الخلاص للبنان من كل محنه ليست سرًا مستعصيا. درب الخلاص يعرفها اللبنانيون، بكل طوائفهم ونخبهم، معرفة جيدة. ولكن لماذا لا يسير أحد في هذا الدرب؟

أي فريق، يا ترى، يأخذ مبادرة السير على هذا الدرب الطويل، دون معاكسة الفريق الآخر له؟

إن الخلاص هو مسؤولية النخب الفكرية والتربوية والسياسية والإعلامية والمالية والروحية. وهو لا يتمّ ولا يتحقّق ولا يصبح واقعا ملموسا إلا بالمصارحة والصدق وصفاء النوايا، والإستقلال عن تأثيرات الخارج السلبية، في جلسات حوار طويلة، وصبورة، ومتواضعة، بين جميع نخب اللبنانيين، من اجل الإتفاق على اسلوب عقلاني، واقعي، جديد للحكم، يكون عادلا للجميع، ولا يغلّب فريقا على فريق، مبنيّ على المناصفة الحقيقية في الحكم تماما كما نصّ اتفاق الطائف، هذا الإتفاق الذي فُرِض فرضا على اللبنانيين بعد إيقاعهم بفخ الحروب الطائفية وإنهاكهم، والذي أكل الدهر عليه وشرب وتقيّأ، والذي حان أوان نقاشه من جديد بشجاعة وحرية، وتطويره بشكل يزيل خلل التوازنات في التعيينات الإدارية، وبين صلاحيات الرئاسات الثلاث، ويزيل مرة وإلى الأبد الشعور المضحك، المتنقِّل، من وقت إلى آخر، من طائفة إلى طائفة بالإجحاف والغبن والتهميش، ويجنّب الوطن أية أزمات حكم حادة متكررة تشلُّهُ شلّا كاملا، أزمات من السهل أن تؤدي، إذا ظلت تتكرّر، إلى زوال الوطن بأرضه وبشعبه. وسوف يحين الوقت المناسب، ولعله يكون قريبا جدا، حين يستقرّ ساسة الحكم (وأزلامهم) بعض الشيء، وتهدأ أعصابهم، وتبرد حمأة وطيس الحرب فيما بينهم، حرب الأحجام والأوزان والحيثيات والأنانيات المنتفخة جدا، تستطيع فيه جميع النخب اللبنانية الجيدة أن تبحث وتناقش في حواراتها الدائمة، مسألة خلق نظام علمانيّ جديد، في النصوص والنفوس المتجدِّدة، ينقذ الشعب اللبناني من فساد وعَفَنِ النظام الطائفي.

هذه حقائق واضحة، بسيطة، تحمل الحلول لمشاكل لبنان. ولكنها على بساطتها ووضوحها، ما زالت صعبة التحقيق. العلّة هي موجودة حقا في النفوس، نفوس النخبة القائدة، قبل أن تكون موجودة في نفوس أبناء الشعب. إنها، بوضوح وبساطة، مشكلة غياب روح الواجب والأخلاق في نفوس الساسة وسلوكهم.

فلنتابع، الآن، تساؤلاتنا:

من يقنع نُخَبَ اللبنانيين المُنتَخَبَة من الشعب اللبناني، مثلا، بأن تتحرّر من ارتباطاتها بدول الخارج وألا تساهم في عرقلة وتعقيد وتأجيل كل المشاريع الحيوية، مثلا، وكل استحقاق انتخابات نيابية، أو تأليف حكومة، أو إنتخاب رئيس للجمهورية، وأن تضحّي (دون أن تموت أَلَمًا وقهرا وجوعًا!)، بمصالحها الشخصية (أي بناء ثرواتها وقصورها وأمجادها)، أو ببعضها، وأن تضحي بكبريائها، أو ببعضها أيضا، من أجل ازدهار وسعادة وكرامة شعب وطنها؟

وإذا قرّرت أن تتحاور النخب فيما بينها، من يقنعها بأن تتوقف عن طلب التوجيه والنّصح من الخارج؟

من يقنعها بأن تُبقي وطنها، لبنان، أي الشعب اللبناني، خارج صراعات الدول الكبرى الطاحنة، المميتة؟

من يقنعها بأن تكون متواضعة وصريحة وصادقة في تعاملها مع بعضها البعض، فلا تتكبّر ولا تراوغ ولا تضمر غير ما تصرّح به، ولا تكيل الشتائم لبعضها البعض، ولا تتباهى بأحجامها وأوزانها المُضَخَّمة، وتتلهّى بعبادة ذاتها، وتنسى كُلِّيًّا قسما من الشعب (وهو ليس بأكثرية كما تدّعي وتفتخر) الذي غامر وقامر، بمعظمه، وانتخبها، مرغما، ربما، بسبب قانون إنتخابي خبيث ومجحف، لا يمنحه حرية الإختيار والشطب والحذف، ولا يناسب المرشحين المستقلين الأحرار، غير الفاسدين وغير الأغنياء، وتنسى القسم الآخر من الشعب (وهو يمثّل الأكثرية الصامتة) الذي رفض أن يشارك في انتخابات هو غير مقتنع بقانونها الهجين وبمعظم مرشحيها، فاعتكف في بيته أو قدم أوراقا بيضاء بعشرات الآلاف؟

كل هذه العادات السيّئة، العجيبة، الغريبة، المتسلّطة على طبع معظم النخب اللبنانية السياسية والإعلامية والمالية، والتي أصبحت إدمانا مزمنا، مريضا، الشفاءُ منه أمرٌ شبهُ مستحيل، هل يقرّر المسؤولون المصابون بها التخلص منها بفعل توبة صادقة وإرادة جبارة؟ أم ننتظر معجزة من السماء، لا نعرف متى تحدث، وهل ستحدث بالفعل، كما نفعل، عادة، لدى اصطدامنا بالأشياء "المستعصية" (وما أكثرها!) في لبنان؟

لقد آن الأوان لكي يتعلّم اللبنانيون، شعبا ونخبا، أمثولة نهائية مما جرى لهم ولأجدادهم بسبب تهاونهم وسماحهم بتدخلات الخارج في شؤونهم، وزرع الفتن فيما بينهم، وبسبب استطيابهم الإستقواء، بواسطة هذا الخارج، على بعضهم البعض، خلال كل حقبات تاريخهم المأساوي. أجل، لقد آن الأوان لكي يتّخذ اللبنانيون، اليوم لا غدا، بفعل إرادة قويّ، وبفعل تضامنهم ووحدتهم ووعيهم وقوتهم الذاتية، قرارا حاسما، حازما، واحدا، بتجديد مبادىء روحانيتهم وأخلاقهم، كأبناء وطن واحد يحمل رسالة حضارة ومحبة وسلام، وبمنع هذا التاريخ من أن يكرّر إعادة نفسه بعد اليوم، كالمعتاد، بطابَعِه الدمويّ الأليم والمذلّ، وكأن هذه الإعادة أصبحت واقعا مألوفا قد تعوّده اللبنانيون، وسلّموا به وبقدرية محتومة لا قدرة لأحد على إيقافها، ولا لزوم حتى للمحاولة.

فليبدأ اللبنانيون، اليوم بالذات، الإنتفاضة القوية ضدّ كل من يريد التآمر عليهم واحتقارهم من خلال التدخل في شؤونهم بواسطة "نُخَبِ" زعمائهم، وشراء كرامتهم وأصواتهم وقرارهم الحرّ في صندوق الإقتراع، في سوق علنيّ للبيع والشراء المزدهر جدا في هذا الزمن الرديء، خاصة حين يحين موعد الإنتخابات النيابية والرئاسية. إنه زمن رديء، حقا، ولكن، فقط لنخب الشعب القليلة، الواعية، الأبية، الصالحة، وللشعب اللبناني المخدوع الأبدي بالكلام المعسول والوعود الكاذبة ورشوة المال العابرة وبأوهام العزّ المؤقت.

فليكن أبناء الشعب اللبناني، بأجمعهم، نخبا جيدة تعرف أن تفكّر وأن تقرّر بحرية وكرامة، وأن تصنع مستقبلا زاهرا، سعيدا، وتاريخا جديدا مجيدا للشعب اللبناني، بعقلها الخلاق وبيدها البناءة، لا أن تكون دمية بلا روح بيد "نخب" الخبث والدهاء والكبرياء والأنانية، "نُخَب" محلية (تابعة ل"نخب" إقليمية وعالمية أصبحت مكشوفة ومعروفة)، تلهي وتخدع الشعب بالإفتخار التافه، وغير المجدي، ببقايا عظام حضارات بائدة، ميتة، خلّفها الغزاة على أرضه، وبأمجاد تاريخ دمويّ، أليم، هي أمجاد باطلة، كاذبة، تدغدغ عنفوان الشعب وتخلق فيه وهم العظمة، وتعمي بصيرته عن رؤية حقيقة قادته، وتقتل تفكيره وروح المقاومة فيه.

إن الشجرة الجيدة لا تعطي إلا ثمرا جيّدا. والشجرة الفاسدة لا تعطي إلّا ثمرا فاسدا. لقد حان الوقت ليقرّر (هل يقرّر؟) الشعب اللبناني قرارا واحدا، قويا، نهائيا، بألّا يكون، من الآن فصاعدا، إلّا شجرة جيدة، قوية، عصيّة على فؤوس الشرّ وصواعقه، لا تعطي إلّا ثمرا جيدا من الساسة والقادة والنخب وإنجازات الحضارة الإنسانية الراقية. إنها مسألة حياة أو موت.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً


المصدر:  النهضة