موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

حماس والجماعات “الجهادية” بين وحدة التراث، وتباين السياسة.

محمد فارس جرادات – كاتب فلسطيني وباحث في الشؤون التاريخية والسياسية

تنطلق جميع التيارات الإسلامية من تراث إسلامي واحد، على اختلاف تموجاته، وطبيعة أولوياته، وهو تراث منبعه من أصول خمسة: القرآن والسنة النبوية واجتهاد العلماء وتاريخ الأمة واستبداد السلطة الحاكمة. وكل جماعة إسلامية تميل في التراث بحسب: أولوياتها السياسية وخلفياتها الفكرية وارتباطات قياداتها.

ففي الوقت الذي تستغرق فيه الجماعات السلفية، وخاصة الجهادية منها، في التراث العقدي المذهبي، وفي متون حديثية تؤكد على استباحة دماء الكفار، وفي تكفير كل مخالف إسلامي على مذبح الولاء والبراء، في منهجية حدّية ثابتة منذ الحركة الوهابية حتى داعش مروراً بالقاعدة والنصرة وتفريخاتهما، على امتداد الجغرافيا الإسلامية والتاريخ المعاصر، فإن جماعة الإخوان المسلمين في أصل منشأها بقيادة حسن البنا، انطلقت من خلفية اجتماعية واقعية، وتعبئة صوفية روحية، وبنية تنظيمية معاصرة، وهو ما تعرض لتغييرات واسعة منذ دخولها في الحقبة السرورية، المتأثرة بالفكر القطبي، وقد سبق ذلك تأثير الفكر الوهابي والمؤسسات السعودية الدينية الغنية على كثير من أعلام الإخوان وكوادرهم الذين هاجروا دولهم ولجئوا إلى السعودية وقطر والكويت.

لم ينشئ محمد بن سرور المتوفي عام 2016م، والمنشق عن التنظيم الاخواني منذ السبعينيات، تنظيماً بديلاً عن الاخوان، لكنه عمل على غزو التنظيم بمنهجيته الفكرية الجديدة، وهي منهجية جمعت بين السلفية العقدية الحدّية، وبين الأفق السياسي الاجتماعي الاخواني، بحيث أمكن للتنظيم الاخواني بطبيعته التنظيمية المتشددة ورؤيته الاجتماعية السياسية المتقلبة، أن تستوعب الانبعاث السلفي بروحه الوهابية التكفيرية الدموية، على تناقضه الحاد.

منذ حسن البنا كانت أولوية الاخوان في إخضاع عناصرها للطاعة في المنشط والمكره، وهو ما نتج عنه تعصب اخواني للتنظيم الداخلي، بما خلق دفيئة عدائية لكل ما هو غير اخواني، وإن ظل الانفتاح الاجتماعي السياسي للجماعة يحدّ ولو ظاهرياً من حالة العداء مع الآخر الإسلامي أو القومي في الظروف العادية، وفي حال تغيّرت الظروف وادلهمت الخطوب، فإن التعصب الإخواني كان يستيقظ سريعاً من مدفنه، بحيث لا يبدو أدنى فاصل بين السلفي والاخواني في العقلية التكفيرية الدموية، ولعل تموجات الفصائل السورية المسلحة في سوريا تعطي صورة كاملة ومشهد مكثف للتداخل العميق بين القوى السلفية والاخوانية، وهو ما تجلى في كبرى هذه الفصائل؛ حركة أحرار الشام، وهي الأكثر سورية من بين بقية القوى المعارضة، وهي الأكثر اعتدالاً من جهة الخطاب الإعلامي، فيما لا تختلف بشيء عن منافسيها، بما يشير لتداخل المنشأ الإخواني والسيطرة السلفية.

خضعت حركة حماس لذات التأثيرات التي انسحبت على عامة الفصائل الاخوانية على امتداد الجغرافيا العربية من القاهرة حتى صنعاء مرورا بعمان ودمشق وبغداد، رغم خصوصية الهمّ الفلسطيني، وحماس لا تخفي وحدتها المرجعية مع الاخوان، وإن كانت، كما بقية الفروع الاخوانية، يرفعون شعار (أهل مكة أدرى بشعابها) وهو شعار جعل فروع الإخوان يقفون على النقيض التام تجاه قضايا إقليمية محورية، فإخوان البحرين مع السعودية ضد إخوان العالم كله في الأزمة مع قطر، وإخوان اليمن مع التحالف العربي في غزو اليمن، في وقت يجاهر هذا التحالف في عدائه الشامل للإخوان في كل أنحاء العالم، وسبق أن قاد إخوان العراق أول مجلس حكم تحت الإحتلال الأمريكي، في وقت كان إخوان الأردن يدعمون الزرقاوي في حربه على الشيعة تحت زعم تواطئهم مع المحتل الأمريكي، وفي وقت رفعت فيه حماس صورة السيسي في غزة، يقود الإخوان معارضة شاملة ضد الإنقلاب المجرم في مصر، في مشهد متناقض على امتداد الخريطة الإخوانية، بما يعطي فكرة عن طبيعة التقلّب الإخواني تبعاً لمصلحة تنظيمية آنية، في ضوء أصل تكوينهم الاجتماعي الحزبي، المتأثر بمسحة تراثية سطحية، وهو ما يرفضه السروريون السلفيون، وخاصة الجهاديون منهم، ولكنها الطاعة في المنشط والمكره، ما يطيل أمد الوحدة التنظيمية بين المسحة التراثية والانتماء التراثي الصارم.

ويكمن جذر المشكلة بالأساس في أساليب التلقين الكامل التي ميّزت النُّظُم التعبوية فيها، مما جعل هذه العناصر أقرب ما تكون إلى الانغلاق وسوء الظن بالآخر، وعدم قبول واستساغة الأفكار الأخرى أو حتى تقبّل فكرة الحوار مع أصحابها، وجعل نظرتها إلى الآخر محكومة بالريبة والشك على الدوام. وإثر فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006، وما تلاه من تشكيلها الحكومة الفلسطينية العاشرة منفردة، وترؤسها لحكومة الوحدة الوطنية عام 2007 مع حركة فتح، وصولا إلى الأحداث الدموية صيف العام نفسه بين حماس وفتح والتي انتهت بسيطرة حماس على كامل جغرافية قطاع غزة؛ بدأت حماس تواجه مشكلة جديدة في نظرة الكثير من عناصرها إلى ما يُفترض أن تمارسه من واجبات ومسؤوليات في إطار حكمها المنفرد للقطاع، وخصوصا في مجال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بشكل كامل، ومواجهة مظاهر الفساد الأخلاقي في المجتمع.

لكن تعقيدات الحالة الفلسطينية تحت الاحتلال، وانعدام مقومات تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بشكل كامل وخاصة الحدود؛ دفعت بعض العناصر الشابة المتحمسة والمتعجلة داخل الحركة للخروج عن صفها، وإنكار نهجها الذي رأوا فيه تخاذلا عن نصرة الدين، مما مهد الطريق أمامهم للالتحاق بالفكر المتطرف الذي يعتبر تنظيم “داعش” حاضنته الرئيسية. أما السبب الآخر لبروز الفكر المتطرف لدى بعض العناصر الشبابية داخل القطاع، فيكمن في الظروف المعيشية القاهرة التي يعانيها أهالي قطاع غزة، وانتشار مظاهر الفقر والبطالة وسوء الحال، وتفشي مظاهر الفساد في الطبقتين السياسية والاقتصادية في المجتمع.

تقف حماس على امتداد تناقضات حادّة، فهي تحكم غزة حكماً مباشراً بما يزيد على عقد من الزمن، دون التحاكم للشريعة الإسلامية، تحت دعوى الحكم الصالح، كبديل قهري عن الشريعة، بما يناقض مبادئ حماس والإخوان في أصل خطهم الفكري، وهم يحتملون ذلك تبعاً لأصل تكوينهم الاجتماعي السياسي في مراعاتهم للتقلبات الاجتماعية السياسية، وهو ما ينقض كامل المنظومة السلفية الجهادية، التي جعلت زعيم القاعدة أيمن الظواهري يفتي بكفر حماس والاخوان، خاصة بعد دخول حماس في الانتخابات التشريعية، ليس لأنها جرت تحت الاحتلال اليهودي/الصهيوني، أو لأنها تمت وفق اتفاقية أوسلو التصفوية للقضية الفلسطينية، إنما لأن الانتخابات تحاكم للطاغوت الديمقراطي، بما يعارض التحاكم للشريعة الإسلامية كفريضة عقدية رضي بها الناس أو لم يرضوا.

وحافظت حماس كقيادة سياسية وجهاز عسكري على علاقة ثابتة مع إيران، رغم تراجعها في ذروة الصراع على سوريا، وهو الصراع الذي انخرط فيه الاخوان تبعاً للتأثير القطري التركي، وعندما فشل الرهان الحمساوي على نجاح إخوان سوريا في إسقاط الأسد، عادوا سريعاً للتماهي السياسي، وحتى الإعلامي مع محور المقاومة، حتى وصل الأمر بيحيى السنوار قائد حماس في غزة، أن يمدح الجنرال الإيراني قاسم سليماني، مدحاً صريحاً شكّل صدمة لكل فروع الإخوان في العالم، بل شكّل صدمة لغالبية كوادر حماس المتماهين تماماً مع إخوان سوريا، وهو التماهي الذي جعلهم يكفرون الشيعة وفق نظرة طائفية تراثية عقدية، بما توافق تماماً مع المعتقد السلفي التقليدي والجهادي على حد سواء.

شكّل الانقياد السلفي بشقيه، للمنظومة التيمية، في الفتاوي الكبرى لابن تيمية وتابعه ابن عبد الوهاب، في تخصيص الصراع ضد الشيعة منذ أمد التاريخ، حالة سياسية فاعلة في هذا الزخم الإعلامي الملتبس بالشعارات الدينية، في الصراع على سوريا، بما أعطى الصراع بعداً طائفياً شاملاً، خاصة بعد دخول حزب الله وكثير من القوى الشيعية في العالم على خط الصدام الميداني على امتداد الأرض السورية، وهو ما ألقى بظلال قاتمة على جمهور حماس، حتى في ذروة الاعتداءات الإسرائيلية على غزة، بل في ذروة الحرب على غزة عام 2014م، ففي الوقت الذي كان قادة القسام وحماس يشكرون ايران تخصيصاً، كان جمهور حماس، وبعض مشايخ حماس الكبار، يلعنون ايران صبح مساء، جهاراً نهاراً، وهو ما يعكس مستوى الاختراق السلفي لمنظومة حماس وعقلها التراثي.

وجاءت السيطرة الداعشية الواسعة على سيناء، على خط التماس المباشر مع غزة، لتضيف بعداً فاعلاً في دحرجة الأزمة داخل غزة، عندما أخذت داعش في سيناء تجاهر في تكفير حماس، وتدعو كوادرها للهجرة إلى أرض الخلافة، في ظل اضطرار حماس للتعاطي مع الأمن المصري، نظراً للتحريض الإسرائيلي، وهو تحريض صريح، أو لعله مبرمج، مع قيادات استئصالية في الأمن المصري، لخنق غزة بدعوى التماهي مع داعش في سيناء، خاصة بعد أن حرصت داعش على القيام بعمليات أمنية كبيرة عقب كل انفراجة في فتح معبر رفح، وهو المعبر الوحيد لغزة.

لم تتردد حماس في القضاء على التململ السلفي الجهادي داخل صفوفها، وعندما كاد هؤلاء أن يخرجوا عن السيطرة عام 2009م وأعلنوا إمارة إسلامية في رفح من مسجد ابن تيمية، بقيادة عبد اللطيف موسى، أو في غزة مع آل دغمش وجيش الإسلام، فتكت بهم حماس فتكاً فاجأ المتابعين ووضع حداً، وإن مؤقتاً، لمن يفكر بالانشقاق عن حماس من السلفيين الجهاديين، فيما واصلت القيام بحملات أمنية واسعة ضد الدواعش، الذين امتلأت بهم سجون غزة، خاصة بعد التفجير الانتحاري الذي قام به أحدهم ضد كوادر من القسام.

لكن الظاهرة السلفية الجهادية ظلت تتفاعل داخل حماس، كما داخل جميع التيارات الإسلامية، وخاصة الإخوانية منها، نظراً لوحدة المرجعية التراثية التي لم تخضعها حماس لأدنى تغيير، لا في الخطاب الإعلامي، ولا في خطب الجمعة، ولا في التأصيل الفكري، بحيث لا يمكن التفريق بين تنظيرات كبار مشايخ حماس وزعماء داعش، خاصة في الجامعة الإسلامية ووزارة الأوقاف التي ظلت تبث الأفكار الداعشية الصادرة عن محسوبين على حماس كصالح الرقب وخالد الخالدي وغيرهما، وعندما شكلت حماس لجنة علمائية طافت على السجون للتأثير على هؤلاء الدواعش، وكثير منهم سبق له الانتماء لحماس، أو ما زال منتمياً لها، لم تحظ هذه اللجنة بأدنى نجاح، وظلت الظاهرة الداعشية تتضخم، نظراً لأن الخطاب التنظيري لهذه اللجنة اجتزأ مقولات تراثية معتدلة، وتجاهل مقولات التشنج، وعندما واجههم بها هؤلاء الدواعش، عجزوا عن تفسيرها أو دحضها، وأخذوا بتأويلها تأويلات تخالف بدهيات اللغة، في ظل عجزهم عن نسف أصل ثبوتها، كونها وردت في تفسيرات قرآنية أو أحاديث (نبوية) أو فتاوي علمائية، خاصة فتاوي ابن تيمية التي صارت تحظى باجماع لافت منذ عقود الثمانينات، وكان كثير منها غير مقبول عند الجيل الأول للإخوان، وخاصة حسن البنا والهضيبي والتلمساني والغزالي، وحتى سيد قطب، حيث عارض هؤلاء في كتبهم كثيراً من تشنجات ابن تيمية ومسلماته العقدية.

لن تستطيع حماس كما غيرها من التنظيمات الإسلامية أن تحتوي المد السلفي الجهادي داخلها إلا إذا واجهت جملة من البدهيات التراثية، وأولها عدم التديّن بالروايات التراثية حتى لو كانت في الصحاح، ما دامت تعارض مقاصد الدين الرئيسة، أو تخدش النسيج الاجتماعي لكينونة الأمة الإسلامية، خاصة في ظل التحديات الخطيرة التي تواجه الأمة، وعلى رأسها الخطر الإسرائيلي، وهو خطر ماحق ما زالت حماس تعجز عن تأصيل طبيعته في نفي الظاهرة الإسلامية، اللهم إلا ما كان من شعارات تتناثر أمام أدنى حدث داخليّ داهم.

إن وقفة سريعة على جملة من القضايا الفكرية المفصلية، بين ما هو حمساوي وما هو سلفي جهادي، يكشف عن طبيعة البيئة الفكرية التي تغذي التشققات السلفية داخل حماس، وهذه القضايا هي: استباحة الدماء، التكفير على الاختلاف، تهميش الأولويات وعلى رأسها قضية فلسطين، الحزبية الصنمية، وأخيراً المذهبية الطائفية، بحيث لا يمكن التمييز بين التعبئة الحمساوية وبين التعبئة السلفية الجهادية، رغم البون السياسي الرسمي بين الطرفين في خطابهما الرسمي، فحماس رسمياً تنكر استباحة الدماء، وترفض تكفير أي طرف إسلامي أو قومي، وتعتبر فلسطين قضيتها الأولى والوحيدة، وتعتبر اطارها التنظيمي تجربة اجتهادية كغيرها من التجارب، وتنأى بنفسها عن المذهبية الطائفية، هذا في الخطاب الرسمي والتصريحات الصحفية، بل وفي منظومة علاقاتها السياسية الراهنة.

وحماس إذ تقف من هذه القضايا بهذا الالتزام المنهجي، فقد أمكنها أن تستوعب قطاعات شعبية واسعة، وأن تخوض غمار الجهاد ضد المحتل الإسرائيلي، وأن تقتحم جميع المسارات السياسية دون عوائق، وأن تقيم علاقات حتى مع روسيا، التي اعتبرها شيخهم القرضاوي يوما بالعدو الأول للاسلام، لكن ما يعكّر صفو هذا البعد الرسمي الرصين، ويدفع للاعتقاد أنه مجرد عمل مرحلي قابل للتغيير، هو طبيعة ما تفرزه مواقف الغالبية العظمى لكوادر وعناصر حماس، بل مؤسسات حماس الإعلامية والنقابية، في طبيعة تعاملها مع الأحداث والتطورات.

منذ أسبوع على كتابة هذه المقالة، وقف نائب عن حماس في الضفة الغربية خطيباً في مسجد هامشي، وهو نائب موصوف بالاعتدال، وتناول ما وصفه بشتم الصحابة وشتم أم المؤمنين عائشة، ملمحاً إلى الشيعة دون أن يسميهم، وخلص إلى القول أن كفر هؤلاء لا يُسأل عنه العلماء، في خطبة عن المولد النبوي، أخذت هذه الجزئية ثلثي الخطبة، على طولها، متجاهلاً فتاوي تحريم شتم الصحابة وعائشة الصادرة عن كبار الشيعة المعاصرين، ودون أن يلفت أن هكذا شتم لا يصدر إلا عن فئة من الغلاة أو العملاء الممولين سعودياً.

إن وقفة عابرة على منشورات وتعليقات غالبية نشطاء حماس على الفيس بوك، تؤكد أن ما تلقوه من تعبئة داخلية تراثية حزبية مذهبية، تحرض على سفك دم المخالف، وإذا صدرت الأوامر يوماً بالهجوم على أي طرف مخالف فشباب حماس متحفزون دون أن يتخلف منهم أحد، وهو ما رأيناه في غزة غداة الحسم ضد السلطة الفلسطينية، وإن كانت السلطة لم تكن طرفاً نزيهاً وصدر منها ما لا يحصى من الجرائم ضد حماس والجهاد، إلا أن طبيعة الهجوم الحمساوي الدموي كشف عن حقيقة التعبئة الداخلية الحدّية في مواجهة الآخر، وهو ما تكرر مرارا ضد حركة الجهاد في غزة وفي السجون، وهي التي لم تبادر يوماً للنيل من حماس، وكذلك ما ظهر ملياً في سوريا حينما انخرط غالبية كوادر ومؤيدي حماس هناك في الصراع ضد النظام الذي طالما احتضنهم ووفر لهم معسكرات تدريب إيرانية على مدار سنوات.

ورغم جهاد حماس المبارك في وجه إسرائيل على مدار العقود الثلاثة الماضية، باعتبار المحتل الإسرائيلي عدو الأمة المركزي، فإن تباين مواقف جمهور حماس تجاه القوى الإقليمية لم يرتبط يوماً بطبيعة مواقف هذه القوى من المحتل، ولعل الموقف العاطفي الهستيري لجمهور حماس وقادتها من تركيا، يعكس طبيعة هذه الأزمة، في وقت تقيم فيه تركيا علاقات رسمية طبيعية واسعة مع من يفترض أنه عدو حماس الوحيد؛ المحتل الإسرائيلي، وفي الوقت الذي لا يجد فيه قيادياً قسامياً مثل الشيخ صالح العاروري مكان يأويه في قطر أو تركيا، ولا يجد إلا ضاحية حزب الله الجنوبية، فإن جمهور حماس، بل مشايخ حماس، ومنهم من يتصفون بالاعتدال، لا يرون في حزب الله أو ايران نجاشيّ العصر حتى، بل هم الروم الأقل كفراً من الفرس، يوم فرح المؤمنون بنصر الله للروم أهل الكتاب على الفرس الوثنيين، بحسب تعبير أحد علماء حماس في الخليل.

إن طبيعة التعبئة الحمساوية الداخلية تجاه ما أسلفناه من هذه القضايا المحورية الخمس، تعكس طبيعة أزمة حماس الداخلية مع التغلغل السلفي الجهادي، وهو تغلغل يتغذى على جمهور تركته قيادته السياسية لتعبث به أهواء السلفية المعاصرة، وهي سلفية يتم استخدامها أمريكياً، صبح مساء في تمزيق أواصر الأمة، من اليمن وليبيا حتى العراق وسوريا، بل وإسرائيلياً في خنق غزة، وهو ما ظهر من ذبح داعش لبعض كوادر القسام في سيناء بسبب محاولتهم تهريب السلاح إلى غزة، وظهر في تحركات داعش المشبوهة أمنياً إزاء فتح معبر رفح دورياً، بل وفي اطلاق بعض المقذوفات اليتيمة تجاه غلاف غزة لخدمة تحركات إسرائيلية مريبة تجاه غزة وتنظيم مقاومتها.

في الختام فإن برودة الرد الحمساوي على اغتيال سلفية حماس للمتضامن الإيطالي فكتور أريجوني عام 2011م، واغتيال الباحث مثقال السالمي باعتباره متشيع عام 2016م، تعكس هذه البرودة، مستوى الثقل التراثي في عقل حماس الداخلي، هناك حيث تتموضع الخلايا النائمة للفكر السلفي الدموي، بانتظار أي محطة للانفجار الداخلي، ولم يكن عبد اللطيف موسى وآل دغمش إلا تعبيرات عرضية بما يمكن أن تفرزه مؤامرات الغرب في مراحلها اللاحقة للقضاء على القضية الفلسطينية، وتحويل الإسلام المعاصر إلى دفيئة لتفريخ المجرمين على امتداد المعمورة.

  • خاص النهضة نيوز.