موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

إلى أين أنتم سائرون بالشعب اللبناني، يا زعماء لبنان “العِظام”

إيلي أنطون شويري

إن مسألة “عظمة” الحَسَب والنَسَب والعائلة والطائفة والمذهب والعِرق والشخصية الفريدة في لبنان، بالنسبة للشعب ولكم على حدّ سواء، يا زعماء لبنان “العظام”، مسألة لا يجرؤ أحد على الجدال فيها، أو على الشكّ في صحتها، تحت طائلة المسؤولية والملاحقة والمحاسبة والإقتصاص والإنتقام بكل الأشكال والألوان والسبل.

أنتم “عظام” بالفعل، يا زعماء لبنان، لأنه لا يمكن لأحد أن ينكر بأنكم قد نجحتُمْ نجاحا باهرا، وأنتم في الحكم وخارج الحكم، في عملية تدجين الشعب اللبنانيّ “العظيم”، وورثتم هذه “العظمة” الفريدة أبا عن جَدّ، كما وَرِثَ الشعب “عظمته” أيضا.

وأنتم، ايها الزعماءُ الجُدُد، تتباهون بأنكم صنعتم أنفسكم بأنفسكم، ولم تَرِثوا الزعامة، وأنكم من طينة مختلفة، ومَعدِن مختلف، ومتحرّرون من كل شيء عتيق، بالٍ، فاسدٍ، وأنكم سوف تًصحّحون مجرى التاريخ اللبنانيّ غير السليم، وتعيدون للشعب اللبنانيّ كرامته المفقودة، المدنَّسَة في مستنقعات السياسة، وسعادته المسروقة من قِبَل زعماء الطوائف وحاشيتهم في الداخل، وأسيادهم في الخارج، وتخلّصونه من العقليّة السياسيّة اللبنانية الفاسدة، المُشبَعَة بعبادة المال، وبكسر القوانين، وبالتبعيّة المُذِلّة، وبروح الكبرياء والتسلّط. فأنتم أيضا قد نجحتم نجاحا باهرا في “المهمّة” عينها، لا بل تفوّقتم على كل وارثي الزعامات، وأصابتكم عدوى الزعامة المُدَجِّنة لشعبها، وعدوى الزعامة التي تَبْرَعُ بنسج التسويات والصفقات السياسية والمالية في الخفاء، والتي تملك حاسّة شمّ قوية قادتكم إلى منابع وآبار المال والقوة داخل الوطن وخارجه، وإلى النَّهل بنَهَم، وتكتّم، وسرّيّة تامة، وأنفة وترفّع وبراءة، من مَعينِها. وقد بَنَيتُم، بين ليلة وضُحاها، أبراجَ كبرياء وعظمة وغرور شاهقة، وعروش زعامة المال والذهب والتوريث العائلي والتسلّط.

ماذا نقول لكم أيها الطامحون الجدد للدخول في معترك السياسة، من خلال ترشحكم للإنتخابات النيابية، وفي جعبتكم مشاريع إصلاح ونيّة قوية وتصميم صلب على محاربة فساد الدولة؟

إن بعض أبناء الشعب يؤمنون بأنكم صادقون ويحبون إعطاءكم فرصة لخدمتهم. ولكنّ معظمهم قد تعبوا فعلا من الساسة ووعودهم الكاذبة وفشلهم في خدمتهم، وشبعوا خيبات أمل. إن الشعب، بعد اختباراته المريرة، قد فقد ثقته بكل من يطمح إلى التربّع على عروش الحكم بحجة “خدمته”. الشعب، بمعظمه، يفضل البقاء على “قديمه”، مطبّقا المثل القائل: “شرّ تعرفه ولا خير تجهله”. والشعب يردِّدُ باقتناع كبير: كلهم يطمحون إلى التمتع برواتب النواب الخيالية، وحصانتهم، ومخصّصاتهم، وتعويضاتهم لهم ولعيالهم مدى الحياة وبعد الممات، عدا عن التمتّع بفرص الصفقات الثمينة المتاحة في الحكم، وب”مَكرُمات” آلهة المال السخية، في الخارج. لا أحد يصدّق بأنهم كلهم يترشحون بهذه الكثرة وهذا الحماس، ويتنافسون بشراسة على النجاح في الإنتخابات، فقط من أجل خدمة الشعب.

أنتم “عظام”، يا زعماء لبنان، القديمي النعمة وحديثيها، لأنكم قد نجحتم بإقناع معظم الشعب اللبنانيّ، ولكن، في الحقيقة، دون أن تقنعوا، أنتم بالذات، أنفسَكم، بأنه شعب “عظيم”، أبيّ، حرّ، مستقلّ، سيّد، وبأنه يملك تاريخا قديما، عريقا في القِدَم، عظيما، مليئا بالأمجاد. صدّقَ الشعب كذبتكم، وأنتم، كما يبدو، أحيانا، وكأنكم صدّقتم كذبتكم أيضا. وكأنّ كلّ مآسي الشعب اللبنانيّ عبر تاريخه الحزين، قد زالت، في سكرة الإستماع إليكم. وأما المآسي الحاضرة الماثلة في الذاكرة ولا تغيب عنها، والتي تتكرر كل يوم، فأنتم تحاولون، يا زعماء لبنان “العظام”، أن توهموا الشعب بأنكم تعملون ليلا نهارا من أجل التخلّص منها، وعلى عدم السماح بتكرارها في المستقبل، وتتعجبون، ببراءة ملائكية، من أين وكيف أتت، وهي، بكل بساطة، من صنع أيديكم الكسولة ونتيجة تخاذلكم، وغبائكم، وكبريائكم وأنانيتكم، وكيديتكم، وخيانتكم للشعب.

يا زعماء لبنان “العظام”، العِتاق والجُدُد، بالوراثة وب”الإستحقاق”، أنتم بالفعل “عظماء”، لأنكم نجحتم، بتفوّق باهر، في إقناع أنفسكم وإقناع كل مجموعة طائفية أو مذهبية تابعة لكم، بأنكم حماتها وملجأها حين يدبّ الخلاف (وكأن الخلاف ينبغي أن يحصل دائما) بين أبناء الطوائف، أي بينكم أنتم وحدكم الزعماء، وبأنكم سوف تدافعون، حتى بالسلاح، وبواسطة سواعد ودماء أبناء الطائفة، عن حقوقهم، أي أطماعكم أنتم وحدكم، إن تجرّأت وحاولت هدرها والتفريط بها طائفة أخرى، أي زعيم هذه الطائفة. وتكدّسون المال في خزناتكم، وتجمعون الرجال من حولكم، وتخبئون السلاح في المغاور والكهوف وفي أقبية ودهاليز قصوركم وقلاعكم، من أجل حماية عروشكم فقط، لا من أجل محاربة رؤوس الإرهابيين وأذنابهم، اعداء الإنسانية والشعب اللبنانيّ الحقيقيين، المعروف جيدا مِنَ الجميع مَن يكونون، وأين يقبعون، وكيف وأين يتغلغلون، وماذا يخطّطون.

أنتم “عظام” لأنكم قد استحقّيتم، عن جدارة، تقدير واحترام وثقة حكومات الخارج. لماذا؟ لقد سهّلتم، دورِيّا، منذ “إتفاق الطائف” حتى اليوم (كما سهّل أسلافكم من قبلكم، بعد الإستقلال، مرورا بسنة 1958، و1990-1975) عملية احتلال هذه الحكومات لإرادة الشعب اللبنانيّ وأرضه وكرامته، لقاء مبالغ طائلة من المال تذهب إلى جيوبكم وخزناتكم. وتبرز هذه النزعة فيكم بكل قوتها، بنوع خاص، في مسرحيات كرّكم وفرّكم المفتعلة في كل استحقاق للإنتخابات النيابية، وفي كل استحقاق لانتخاب رئاسات المجلس والحكومة والجمهورية، وكل استحقاق لتأليف حكومة. ولا تستحون أن تدْعوا دول الخارج لتتدخل في شؤون الوطن. وكأن المسألة في غاية البساطة. إنّ تَدَخُّل الدول في شؤون الوطن، قد جعلتم منه تقليدا مقدَّسا، وغير مزعج أو مؤذٍ لكم يا زعماء الطوائف، كما هي الحال مع الشعب. وأنتم دائما تنتظرون حلول كلمة السر و”الروح القدس” على رؤوسكم من الخارج والحسم النهائيّ في “الربع الساعة الأخير”، كالمعتاد. أنتم، إذًا، “عِظامٌ” جدا، كونكم على اتصال بعظماء الكون وفي كَنَفِ حمايتهم، وترفعون رؤوسكم عاليا على الدوام، ولا تستحون أو تخافون من شيء. إن رأيَ الشعب اللبنانيّ لا يعني شيئا لكم، ولا يعني لكم شيئا وجودُ هذا الشعب.

إن الذي يعني لكم كل شيء، يا “عظماء” لبنان، هو ما تقوله حكومات الخارج لكم، منذ فرض “اتفاق الطائف” فرضا عليكم (في 22 تشرين الأول، 1989)، حتى الساعة، وأنتم، بالثقة القوية التي منحكم إياها “إتفاق الطائف” هذا، وبدعم طوفان أمواله المتدفق باستمرار على جيوبكم، تنفِّذون وصايا وتعليمات وأوامر طابخي هذا الإتفاق بحذافيرها. وهذا ما لا تكفّ عن قوله لكم هذه الحكومات، بالأمس واليوم، بالهمس والعلن، وأنتم كلكم آذانٌ صاغية:

-أجِّلوا الإنتخابات النيابية، قدر ما تستطيعون، وأجلوا انتخاب رئيس للمجلس النيابي وللحكومة وللجمهورية، وأجلوا تأليف الحكومة. مدِّدوا ولايتكم باستمرار، أجِّلوا الإتفاق على أي قانون إنتخابيّ جديد يضعف نفوذكم ونفوذنا، حافظوا على الوضع الحاليّ، ماطلوا، عرقلوا، إتهموا، شوِّشوا، اختلقوا الأعذار، تظاهروا بأنكم جدّيّون وأنكم تتحرّكون وتنطقون وتَسعَون وتسافرون إلى الخارج وتعودون إلى لبنان، وتفكّرون وتتأملون بعمق، من أجل “المصلحة الوطنية العليا”، وتظاهروا بأنكم تتحاورون مع سائر القوى حول كل شيء (من النفايات حتى الدستور والقوانين)، لإيجاد الحلول المناسبة، وبأسرع وقت ممكن، لأن الوضع لا يتحمّل المزيد من التأجيل والتسويف والمماطلة. أجل، تظاهروا باهتمامكم البالغ بكل شيء، خدِّروا الشعب السموح وصاحب الذاكرة القصيرة والمروَّض، خدِّروه بالوعود الكاذبة… إلى حين تنضج “الطبخة”، “طبختنا” نحن، إقليميا ودوليا، فنقول لكم، في حينه، ماذا تفعلون.

-لا تفكّروا أبدا بأن تقاوموا من تسمّونه، ظلما وبهتانا، ب”العدوّ الإسرائيليّ”. لا بل هيّئوا أنفسكم لتطبيع العلاقات مع هذا الجار المسالم، والمتفوّق حضاريا، فذلك خير لكم.

-لا تدعموا المقاومة ضدّ دولة إسرائيل. حاربوها وأضعفوها هي وحلفاؤها، ولا تدَعوا أحدا من مرشَّحي المقاومة يصل إلى الحكم. طالبوا دائما بنزع سلاحها “غير الشرعيّ”، والخضوع للجيش وللدولة اللذَيْن ينبغي، في كل الأحوال، أن يظلَا ضعيفَيْن. ألصِقوا بها تهمة “محور الشرّ” والإرهاب، وتهمة المنظمة غير الشرعية، الخارجة على القانون اللبنانيّ والدوليّ، وتهمة التخطيط لإقامة “دولة الفقيه” في لبنان، التي سوف تسيطر على سائر الطوائف وتحكمها.

-تظاهروا بأنكم تطالبون بتسليح الجيش اللبنانيّ، ولكن لا تسلّحوه. ممنوع عليه أن يملك السلاح المتطوّر. ممنوع عليه أن يزعج دولة إسرائيل، أو أن يشكّل أي تهديد مباشر لها، أو أي خطر على وجودها. طالبوا بإقامة دولة القانون والمؤسسات، ولكن أبقوها ممزقة ضعيفة، وتحت سيطرتكم أنتم، حلفاءنا، وسندعمكم بالمال اللازم لتظلوا مسيطرين. طالبوا بوحدة الشعب اللبنانيّ، ولكن أبقوه مشرذما كما هو. أفقروه، فرّقوه، خوّفوه، إقمعوه إن ثار وتظاهر ضدكم في الشارع، لتسودوا عليه.

-لا تهتموا بفساد أخلاق شبابكم جراء تعاطي المخدِّرات والكحول والجنس، فهذه موجة عالمية عابرة، لا يمكن مقاومتها أو وقفها، ووضع كهذا، إنما هو، في الحقيقة، وضع يناسبكم من ناحية تسهيل إحكامكم السيطرة على الشعب وعدم الخوف من ثورته عليكم، حين يكون مُخدَّرا، ضعيف العقل والإرادة والروح والجسم.

-أقتلوا الفكر الإعلاميّ الحرّ، الصادق، واقتلوا روح المقاومة في لبنان. إدفعوا للإعلاميين ما شاؤوا من المال للإستمرار بمهمة تضليل الشعب، وتزوير الحقيقة المُضِرّة بمصالحنا الحيوية، وبتحقيق مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، وبمشروع “النظام العالميّ الجديد”، لخير كل البشر، وجعل العالم محكوما من حكومة واحدة، مؤلفة من حكماء صهيون “المتنوّرين”.

-صادقوا رجال الدين، واطلبوا بركتهم، وأمدّوهم بالتبرّعات المالية السخيّة، كي يدعموكم في تأييد وتنفيذ سياساتكم، حتى حين تخطئون في نظرهم ونظر الشعب، فالشعب يسمع لهم ويتأثر بتوجيهاتهم.

-وطّنوا كلّ اللاجئين والنازحين في لبنان. سوف تهتمّ الأمم المتحدة بكم وتتكفّل بكل التكاليف. لا بأس، فكلكم قبائل عرب، وتتكلمون لغة واحدة، ويمكنكم أن تتعايشوا معا، أو أن تدخلوا باب الهجرة المفتوح لكم إلى بلدان العالم الحرّ. المهمّ ان لا تزعجوا دولة إسرائيل، جارتكم المحبة للسلام، وأن تحاولوا اكتساب ودّها وصداقتها. المهمّ أن تدَعوها وشأنها، تضمّ شعبا واحدا مؤلَّفا من عنصر أو عِرق واحد، لا خليطا من عدّة شعوب، وتبني نفسها كدولة متفوّقة في كل شيء، تملك اقتصادا قويا، وأسلحة كيمائية ونوويّة، وأسلحة متطورة برا وبحرا وجوا، وتملك جيشا كبيرا قويّا يهمّنا أن يكون ويبقى أقوى من كل جيوش دول المنطقة مجتمعة.

-خذوا ما شئتم من المال، ولكن لا تُنَجِحوا أيَّ مشروع عسكريّ، أو تربويّ ثقافيّ، أو عمرانيّ حيويّ، أو إقتصاديّ، أو سياحيّ، يجعل من لبنان وطنا موحَّدا، قويا، مزدهرا، وواحة سلام وأمان، مقصودا من السواح والمستثمرين، وقادرا على منافسة دولة إسرائيل.

أجل، هذا هو لسان حال الخارج بعد تدمير هذا الخارج بالذات للبنان طيلة 15 عاما، وإجبار الزعماء اللبنانيين على القبول بالقوة وبالإغراءات المادية والمعنوية ب”إتفاق الطائف” الذي كبّلهم جميعا، حتى الذين وافقوا عليه، وهلّلوا له، وأثروا منه، واستقووا به على سائر الفرقاء.

يا زعماء لبنان “العظام”،

أنتم، في الحقيقة، لا تحتاجون إلى أسياد القرار والمال في الخارج ليعلّموكم ماذا تقولون وماذا تفعلون. أنتم تعرفون جيدا ماذا ينبغي لكم قوله وفعله لإرضائهم، واستدرارِ ثقتِهِم بكم، واستمطار شلالات مالِهِم الغزيرة إلى جيوبكم وخزناتكم العميقة، مكافأة لكم على حسن طاعتكم وسلوككم وأدائكم. أنتم دائما سبّاقون في تنفيذ مشيئتهم، لا بل، وفي إعطائهم، دائما، أكثرَ ممّا يريدون. وأنتم، لفرط ما تعوّدتم لهط المال من الخارج من أجل اختلاق الخلافات بين بعضكم البعض في لبنان، وإذا طلب أحيانا منكم هذا الخارج أن تتفقوا على موقف مُعَيَّن موَحّد فيما بينكم، ولو مؤقتا، لانشغاله بقضايا أخرى ومصالحَ أهم بكثير من قضاياكم ومصالحكم، أو ربما أحيانا، نتيجة تعبه وضجره وقرفه منكم، تصبحون ضائعين، تائهين، بلا قرار، رافضين لفكرة التفاهم في الداخل، كون الخلاف سَكَنَ دمكم وعروقكم وعظامكم وروحكم إلى درجة الإدمان المريض عليه، وكون الخارج هذا يدفع لكم أجوركم لتغذية الخلاف فقط، لا التفاهم.

ثمّة بضعة أسئلة، أيها “العظام”، نحبّ أن نطرحها عليكم باسم الشعب اللبنانيّ “العظيم”، وبالنيابة عنه، لأنه لا يجرؤ على طرحها هو نفسه عليكم، خوفا من أن يجرح شعوركم المرهَف، ويخسر زعامتكم الطائفية الضرورية، الغالية، التي لا غنى عنها:

كيف، يا زعماء الطوائف “العظام”، كيف تستطيعون أن تقبلوا بهذا الوضع الشاذّ، وكأنه أمر طبيعيّ جدا؟

كيف يمكنكم أن تُوَفِّقوا بين عظمتكم الذاتية وطاعتكم للخارج وإذلاله لكم؟ وبين إذلالكم للشعب اللبنانيّ بعد أن ينتخبكم كنواب عنه لتمثلوه في الندوة النيابية، وإذلال أنفسكم له حين تستجدون أصوات الناخبين؟ وبين وعودكم له قبل الإنتخابات وخيانتكم له بعدها؟

كيف تستطيعون أن تقتلوا صوت الضمير في داخلكم، وأن تخسروا الشعور بالخجل والحياء؟

إلى متى تدوم خلافاتكم السخيفة، التافهة، المفتعلة، حول “عظمة” أحجامكم وأوزانكم وحيثياتكم الشعبية واستئثاركم بحصص الحكم من خلال تناتش أكبر عدد ممكن من الحقائب الوزارية “المهمة”، وأنتم تهينون وتقتلون كرامة الشعب ومستقبله كل يوم، وإلى متى تؤجلون المشاريع الحيوية والعمرانية المفيدة لازدهار الشعب اللبناني الذي تدعون تمثيله وخدمته؟
متى تتوقفون عن تدمير وطن إسمه لبنان، وشعب إسمه الشعب اللبنانيّ؟
لماذا عليكم أن تطلبوا الإذن والموافقة والرضى من الخارج لانتخاب رئيس للجمهورية، ورئيس للوزراء، ولتأليف الحكومات، ولانتخاب رئيس للمجلس النيابي، ولانتخاب نواب لبنان، ولإنتاج قانون إنتخابيّ جديد مُنصِف لكل أبناء الطوائف، لا لكم أنتم وحدكم ولحكومات الخارج، ولتسليح الجيش، ولمقاومة إرهاب العدوّ الصهيوني ومرتزقته الإرهابيين، ولاستخراج النفط والغاز من بحرنا، ولبناء السدود والإستفادة من مياهنا، وإنتاج الكهرباء، وتنظيف لبنان من النفايات والتلوّث؟

إلى متى تدوم سطوة الخارج عليكم؟

إلى متى تخدعون هذا الخارج بحِيَلِكم وخبثكم، وتستجرونه، أنتم بالذات، إلى التدخل في شؤون الوطن، لتجنوا المال والقوة والعظمة على طبق من فضة، وتعطوه، دون تعب، ودون خجل، ما يريده، وما يريده، بكل بساطة، هو أن تخونوا الشعب اللبنانيّ كل يوم، وتدفعوه إلى الإستسلام لمشيئة أعدائه، وتقتلوا إرادته وكرامته وعنفوانه وطموحه وأحلامه ووجوده ووحدته ورسالته وازدهاره وسعادته، وأنتم وحدكم سعداء بما تملكون من متاع الدنيا، ولا عذاب من أي وخز ضمير يؤرّقكم وينبّهكم، ولا من يحزنون؟

إلى متى تخدعون الشعب اللبنانيّ وتؤذونه؟ وإلى متى تخدعون أنفسكم بالدرجة الأولى؟

هل خدّر المال حواسّكم وعقولكم وقلوبكم وإراداتكم وضمائركم إلى الأبد؟ هل صرتم، في سكرة عظمتكم الأبدية، لا تعرفون ماذا تفعلون؟ أنين الشعب، ألا تسمعونه؟ ألا تشعرون بروح الواجب والإحترام والمحبّة والتواضع والأمانة والإخلاص والصدق تجاه من ائتمنكم على مصيره، من أجل قيادته بحكمة، وخدمته بغَيرَة رسوليّة ومحبة، وإسعاده؟

ثمّ ماذا بعد كل الخيانات العُظمى للشعب وإتعاسه، وتكديس المال، والعيش بأوهام العظمة والمجد والكبرياء والأنانية؟ هل من حدود تقفون عندها؟ هل من لحظة شبع، واكتفاء، وصحوة مفاجئة تعتريكم وتهزّكم هزّا عنيفا وتوقظكم من خَدَرِ خِدركُم؟ هل من أمل بالتفاتة خاصة منكم إلى الشعب المرميّ على قارعة الطريق، وقد عرّاه اللصوص (اللصوص هو أنتم) وسرقوه، وضربوه، وتركوه بين حيّ وميت، هل من أمل من إلتفاتة السامريّ الصالح إليه، لاستفقاده وتضميد جراحاته وأنتم من أثخنتموه بها؟

يا زعماء لبنان “العظام”،

لا، أنتم لا تدرون ماذا تفعلون. ومسألة صحوتكم وهدايتكم من عتمات ضلالكم وشرّكم مسألة عويصة جدا. شرّكم يتزايد كل يوم. وتبدون سعداء في أوحال ونَتَنِ مستنقعات سياساتكم، وكأنكم في نعيم. لا يبدو أنكم تحسبون أي حساب للموت وللمقابر وظلمتها الرهيبة، ولدودها ينخر عظامكم النتنة، ولعناكبها تسكن جماجمكم الفارغة، ولِما بعد ذلك من حكم إلهيّ أكيد بشيء إسمه “ثواب”، وبشيء آخر إسمه “عقاب”. أنتم تعيشون، دون خوف من أيّ شيء، وكأن لا نهاية لحياتكم على الأرض، ولأمجاد عروش عظمتكم واستبدادكم، مع أنكم تعرفون جيدا من أمثولات التاريخ الذي تستشهدون به وتحاولون التشبه برجالاته العظام، وتستميتون في سبيل دخوله من أبوابه العريضة، وتشاهدون بأمّ العين كل يوم، نهايات أفراد وزعماء وممالك. أنتم مصرّون على أن تعبدوا إله المال بخشوع رهيب، وبإيمان رائع قلّ نظيره، وبفرح دائم تُحسَدونَ عليه، وأنتم، في الحقيقة، لا تعبدون إلا ذواتكم المحدودة، وأنتم بذلك سُعَداء ومكتفون. أمركم محيّر جدا. ومُحَيّر جدا أيضا أمر الشعب الذي تظلمونه والذي يرفض (لأسباب عجيبة، غريبة، محيِّرة) استبدالكم بقادة جدد أفضل منكم، من خلال الإنتخابات.

في نهاية المطاف، هل نقطع الأمل من هدايتكم وهداية الشعب إلى نور الصراط المستقيم؟

هل ينبغي، كي تهتدوا، وإرضاءًا لغروركم وكبريائكم وعظمتكم، أن ينزل الله وكلّ ملائكته وأنبيائه من السماوات على الأرض، للتوسّل إليكم ولإقناعكم بإصلاح نفوسكم قبل فوات الأوان؟

وهل ينبغي أن يعود كل الأموات إلى الأرض ليغروكم أو ليخيفوكم بما شاهدوا وعايَنوا وعانَوا في العالم الآخر، وليقنعوكم بوجوب الإسراع بعملية الهداية؟

ماذا عن شياطين الجحيم؟ لا يبدو أن لكم أية مشكلة معهم. هم معكم، وفي داخلكم، كل حين. هم وحدهم تقضي مصلحتهم الشخصية أن تبقوا كما أنتم. هذا هو الشيء الوحيد الذي يروق لكم. فأنتم تعيشون على الدوام بوحي من مصالحكم الشخصية الأنانية المتكبرة، التي تقضي بإسعاد أنفسكم فقط، وتقضي، بلا رحمة، بخلق التعاسة للآخرين، تماما كأقاربكم وأسيادكم وأولياء نعمتكم في “نعيم” الأرض، وفي “نعيم” الجحيم الأبديّ الذي ينتظر قدومكم بفارغ الصبر، ويستعدّ لاستقبالكم بلهفة كبيرة، بعد نهاية “نعيم” الأرض المؤقت.

كم هو حظّكم عظيم، يا زعماء لبنان “العظام”، لأنكم تنتقلون من “نعيم” إلى “نعيم”. ليتكم تعودون، بعد مغادرتكم ل”نعيم” الأرض، لتخبرونا عن عظمتكم ومجدكم وسعادتكم في “نعيمكم” الجديد في العالم الآخر المجهول، لعلنا، نحن أبناء الشعب المساكين الجهلة، نتنوّر منكم، ونهتدي ونسلك مسلككم، ونلحق بخطاكم على الدرب المؤدية إلى “نعيمكم” الأبديّ، بإدارة أبالسة نار الجحيم السعداء.

يا زعماء لبنان “العظام”،

الشعب سوف يأخذ وحده مبادرة إصلاح نفسه. أما أمر إصلاحكم، فالشعب لا أمل له بذلك. سوف يبني الشعب الصالح له ولأبنائه نعيمَه بدونكم، ولكنْ، لا على أشلائكم ودمائكم وجماجمكم. سوف يزيحكم ويخلعكم بصمت، وخشوع، وبكل لطف ومحبة، عن عروشكم، ويريحكم من مسؤولياتكم، بعدم التصويت لكم في صندوق الإقتراع.

سوف ينتصر الشعب على نفسه وعليكم، بطيبته وتواضعه وصدقه ومحبته. سوف تنتصر رسالته السماوية على رسالة أبالسة الجحيم التي حملتموها وبشّرتم بها. وسوف يبني نعيمَه الحقيقيّ هنا، على الأرض، في لبنان، ويستحقّ نعيمه الحقيقيّ الأبديّ، هناك، في دنيا الحق والصدق، والسلام والجمال، والفرح والسعادة، بإشراف ورعاية وإدارة ملائكة السماء وإله المحبة، بعيدا عن “نعيمكم” أنتم، في الظلمة البرّانيّة، في أعماق الجحيم، حيث الندم وعذاب الضمير، وصريف الأسنان والبكاء والعويل.