موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

خـسارة القطـب الأمريـكي سينعــكس سلبـاً علـى القـطب الغـربي, أمـا الخـاسر الأكبـر فهـي الدولـة الصهـيونية ومحميـات الخـليج

محمد محسن: كاتب وسياسي عربي سوري

 

خـسارة القطـب الأمريـكي سينعــكس سلبـاً علـى القـطب الغـربي.
أمـا الخـاسر الأكبـر فهـي الدولـة الصهـيونية ومحميـات الخـليج

لكـــل حـــرب ردات فعـــــل إيجــابية أو سلبـية توازي حجـمها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلنا ونعود فنؤكد أن الحرب على سورية كانت حرباً عالمية بكل المقاييس، قادتها أمريكا أقوى دولة في العالم بصفتها قائدة للقطب العالمي الأوحد بكل أعضائه وتابعيه، ولم تبقَ دولة من دول هذا القطب المتوحش إلا وساهمت في هذه الحرب المجنونة بمقدار، لذلك جاءت بهذه الصيغة الشاملة ، حيث لم تُترك أداة قتالية إلا واستخدمت، من السكين، والدبابة، حتى الصاروخ، وصولاً إلى الطائرة، وأضافوا لكل هذه الأسلحة السلاح الجديد والأفعل، والذي قوامه مئات الآلاف من المتوحشين الارهابيين، مزودين بفقه اسلامي عتيق يدعو فقط للقتل، ثم القتل، ولا شيء غير القتل، على أن تكون أجورهم في الأرض أموالاً طائلة بالدولار والدينار، مع ممارسة جهاد النكاح، أما في السماء فأجورهم مجزية جداً ، سبعون حورية فاتنة من الحور العين، ولكل حورية سبعون وصيفة، كلها تحت فخذي المقاتل الوحش متى أراد واشتهى، وإن لم يكتف فهناك الغلمان المخلدون .
.
هذا الطوفان والطغيان الوحشي، العسكري، والمالي، والإعلامي، هاجم وطننا ونزل على شعبنا وعلى أرضنا كالصاعقة ؟؟، فهل هناك مفكر أو رسام في العالم بقادر على الاحاطة بحجم هذه الهجمة التدميرية وحجم القوى المشتركة فيها ؟؟، وبالمفهوم المقابل هل هناك مفكر أو رسام في العالم بقادر على الاحاطة بمدى صمود الشعب العربي السوري وجيشه البطل ؟؟، هذه المعادلة لم تكن متوازية ولا متوازنة من حيث الحجم والقوة والعدد والعدة، ولكن الصمود المذهل لشعبنا وجيشنا عدل المعادلة ووازن بين جدائيها .
.
ولقد انقسم العالم في تقييم هذه الحرب، والمدة التي ستستغرقها، والنتائج التي ستحققها، إلى ثلاثة أقسام: منهم من كان يعتقد أن سورية لن تصمد أكثر من اسبوع أو اسبوعين، وكان على رأس هؤلاء أمريكا وحلفائها، أما عملاء الداخل الجرابيع والطابور الخامس فكانوا أكثر ثقة بتحقيق هذا الاحتمال، وكذلك المتشائمون البكاؤون، قياساً على حجم الحشد والدول المشاركة فيه من جهة، وعلى سرعة الانتصارات في العراق، وليبيا، وتونس، ومصر، وما سبقها في البلقان وغيرها .
.
أما البعض الذي خرج من تحت ضغط الحقد بكل أشكاله الشخصية والطائفية، وأصبح انساناً يملأ حبُ الوطن قلبه وعقله، وتغمره روح التحدي والمواجهة دفاعاً عن كرامة الوطن، والاستعداد للتضحية والصمود والفداء، هذا البعض شكل الجذوة التي أوقدت نار المواجهة وزرعت بذور الأمل، والتي بدأت تتسع بعد تحقيقها الكثير من الانتصارات، هذا الصمود وتلك الانتصارات وبنفس المقدار الذي اغتالت فيه الاستخفاف وفقدان الأمل لدى معسكر العدوان ، زرعت بنفس المقدار الأمل عند الأصدقاء والحلفاء، كما خلقت الدافع والمبرر والأرضية التي شجعتهم للانخراط في الحرب .
.
إذن جاءت نتيجة الحرب على سورية لتؤكد خسارة قطب عالمي، غربي، معتد، متغطرس، ظالم، بكامل دوله ومحمياته، من لايزال يشكك بهذه النتيجة هو عميل، أو حاقد، أو غبي، أو ساذج، ومُطالبٌ أن يجيب : هل ادخرت أمريكا جهداً لم تقدمه في هذه الحرب عبر سنواتها السبعة ؟؟، وما هو حجم الانتصارات التي حققها الجيش العربي السوري مع حلفائه على حساب ذلك القطب الكبير والقوي والمهيمن ؟؟، وقد يتمسك المشككون بالقول : لاتزال ادلب بيد الارهابيين، وشرقي الفرات بيد الانفصاليين الأكراد، الذين يستقوون بأمريكا، ولكن ألم يسحب تصريح ترامب، وبداية انسحاب الجيش الأمريكي والفرنسي، من الأراضي السورية، ـــ والذي بشرت به في مقال يوم الاثنين الماضي ــــ كل الذرائع عند العملاء والمشككين، والتي جاءت بعد ألف معركة ومعركة ظفر بها الجيش وحلفائه ضد العدو المتغطرس، ومن حرر الأكثر أليس بقادر على تحرير الأقل؟؟.
.
جميع تجارب التاريخ تؤكد على أن الدولة التي خسرت حربها، لابد وأن تنعكس هذه الخسارة سلباً على بنية دولتها، فلكل حربٍ عقابيلها وردود فعلها على القوتين المتصارعتين، فكيف سيكون عليه الوضع عندما يكون الخاسر [ القطب العالمي الأوحد، ] الذي تقوده أقوى دولة في العالم ؟؟، ستكون الخسارة كبيرة ومبهظة جداً توازي حجم الدول المعتدية التي اشتبكت في الحرب، وحجم الأماني التي جاءت لتحقيقها، هنا سيكون حجم الانتصار أيضاً كبيراً لقوى المواجهة التي قبلت التحدي، واحتلت جميع المواقع التي خسرها حلف العدوان، وسيكون مردوده الإيجابي يفوق حجم خسارة المعسكر الخاسر، من هنا كان جَلالُ وجمالُ الانتصار .
.
والمهم والذي لم ينل الاهتمام الكافي من غالبية المهتمين، أن انعكاس هزيمة قطب عالمي لا يُقَوَّمُ على ضوء خسارة دولة مها كانت عظمتها ؟؟!! فخسارة قطب عالمي كبير حد الهزيمة، يعني بداية فرجة تاريخية وتغير لا حدود له على جميع الأصعدة، ولا نبالغ إذا قلنا أنه فاتحة عصر جديد، ستتغير فيه التحالفات، والتوازنات الدولية، وسيعطي منعكساته على جميع دول العالم، والمعسكر الخاسر سيتعرض للتفكك، وضمور الثقة في توجهات ومواقف وسياسات الدولة التي تقود القطب الحلف، وبعض الدول ستتعرض لهزات كبيرة وواسعة على صعيدها البنيوي، وقد تغير وجهتها السياسية وحتى الاقتصادية ، أما المحميات من ذلك القطب، ستكون عرضة للتغير أكثر من غيرها، وهذا ينطبق على ممالك الخليج وجميع الرجعيات العربية .
.
أما اسرائيل فلها حسابها الخاص لأنها متفردة بخصائصها، ولأنها الدولة العنصرية الوحيدة التي بقيت تعيش على جسد العصر كدملة، نعم ستكون الخاسر الأعظم من هذه الحرب، ولقد عبر عن ذلك بوضوح ( نتن ياهو) حيث نعى انسحاب أمريكا قائلاً ،هذا سينعكس على جهود اسرائيل سلباً ، ويخدم ايران وسورية وحزب الله، ولكن علينا أن ندرك أن الانسحاب الأمريكي ليس هو بداية السقوط، بل هو نتيجة سلسلة من الخسارات التي تراكمت حتى طفح الكيل، فكان الانسحاب القسري النتيجة الحتمية .
.
لذلك ستكون اسرائيل أمام تغيير جذري عسكرياً، وأمنياً، ونفسياً، حتى أن أكبر سياسييها واستراجييها لا يدركون أبعاده والنتائج المترتبة عليه، وإلى أين سيصل مداه، وكنت قبل سنتين قد ذكرت أكثر من مرة، أن اسرائيل [ ستترجى ] روسيا لإيجاد حل ما مع الدول العربية، أما التأثير الأهم فسيكون في توسعة الهجرة المضادة والمعاكسة إلى دول المنشأ، فالرأسمال جبان وليس له وطن محدد، فوطنه مكان ربحه، هذه قاعدة اقتصادية .
.
أما الحلف الأطلسي فلقد بذر ترامب بذرة تفسخه فور وصوله إلى البيت الأبيض، حيث هاجم سياسة العولمة التي كانت تنتهجها الحكومات الأمريكية السابقة ، وجاهر بإعادة الشركات الأمريكية إلى داخل الحدود الأمريكية، منتهجاً السياسة الحمائيه للمنتجات الأمريكية، كما فرض ضرائب ورسوماً مضاعفة على الواردات الأوروبية، وطالب أوربا أيضاً بالتعويض عن حمايته لها ، كما فعل مع السعودية .
ولما كانت أمريكا قد ساقت أوروبا ودفعتها دفعاً للانخراط في حرب الربيع العربي، كتابع منفذ، ولقد قدمت أوروبا الطاقات المطلوبة منها وفق البرامج الموضوعة لها تسليحاً وتمويلاً، في ليبيا، ومصر، وتونس، حتى حطت الحرب الضروس رحالها في سورية، والتي استمرت مدة تقترب من ثمان سنوات ، وهي المدة التي تفوق المدة التي استغرقتها الحرب العالمية .
.
فكانت النتيجة الخسارة المدوية التي أصابت جميع الدول المشتركة فيها، ولكن هذه الخسارة سجلت باسم أمريكا بصفتها قائدة للقطب العالمي الغربي الذي كان أوحداً ، ولما كانت هذه الخسارة لم تكن عسكرية فقط بل كانت خسارة معنوية أيضاً هزت الثقة بالقدرة الأمريكية التي كانت مسيطرة على الكافة، وبأن أمريكا الدولة الكلية القدرة في العالم لا تهزم، ولكن هذا الوضع الاستثنائي المستجد سيساهم تدريجياً بدفع الدول الأوروبية إلى التملص من التبعية لأمريكا، وبخاصة بعد انهيار البعبع السوفيتي الذي كانت تتخذه أمريكا سبباً لفرض حمايتها، وسيمنحها هذا الواقع الجديد القدرة على التفكير بأن مصلحتها ليست مع أمريكا التي زاحمتها على جميع أسواقها، بل مصلحتها مع الشرق .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لما كانت هذه الحرب على سورية حرب عالمية بكل المقاييس، وكانت الخسارة خسارة قطب عالمي كما أكدنا سابقاً، لذلك ستطال منعكساتها السلبية جميع الدول المشتركة فيها
كل بحسب دوره والأهداف التي جاء لتحقيها.
وهذه الانعكاسات السلبية لن تكون حتى أمريكا ذاتها بمنأى عنها، لأن القطب المشرقي الناشئ سيقف بشكل جاد أمام الكثير من مطامعها وطموحاتها ، وسينازعها في جميع مجالاتها .
أما محميات الخليج والرجعيات العربية فهي أمام امتحان صعب، لن تتجاوزه بدون خسائر .
بذلك تكون سورية الجريحة التي تكالبت عليها كل وحوش الأرض، هي اللولب الذي حرك التاريخ وغير مساره .