موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

لقد آن أوان الثورة و الوعي

إيلي أنطون شويري

يا أبناء الشعب اللبناني، إننا ندعوكم اليوم، بإلحاح شديد، الى المزيد من الوعي واليقظة. لا تؤجلوا، كالمعتاد، ولا تفوتوا هذه الفرصة الثمينة.

دعوتنا هذه هي بدافع الحبّ لشعب لبنان بكل أعماره وفئاته وطوائفه. إنه نداءُ حبٍّ نابعٍ من القلب والعقل، وموجّهٌ الى قلوبكم وعقولكم يا أبناء لبنان. أصغوا الى هذا النداء الحارّ، ثم احكموا انتم بأنفسكم على صدق نبرته وصدق الرسالة التي يحملها.

أجل، إلى الوعي واليقظة ندعوكم، لأن الأخطار المُحْدِقة بوطننا لبنان، والمتغلغلة في ربوعه، مخيفة جدا، وهي تتكاثر كل يوم، وأنتم تعرفونها جيدا. إنها أخطار تهدّدنا جميعا في صميم كياننا، وفي وجودنا بالذات، وليست مجرّد غيمة صيف عابرة، مؤقتة، وهي أخطار لا تهمّ أبدا ساسة شؤون الوطن، لأنها لا تطالهم، وهي، في سكرة شعورهم بالعظمة، غائبة تماما عن إدراكهم ووعيهم واهتمامهم.

ولنتذكر جميعا أن أكبر الأخطار علينا هو نحن أنفسنا:

جهلنا وكبرياؤنا وتشرذمنا وتبعيتنا العمياء لزعماء عشقهم الوحيد عظمتهم وسعادتهم وتكديس ثرواتهم، ولا يريدون تحقيق وحدة الشعب اللبناني، ومِنْعَتَهُ، وكرامته، وازدهاره، ويَتَّبِعون ويُطبِّقون، في السرّ والعلن، وبباطنية خبيثة ولغة ناعمة، ووقاحة لا مثيل لها، خطّة “فَرّقْ تَسُدْ”، بالإنسجام التام مع أصدقائهم وحلفائهم من الطينة عينها، أي أثرياء ورجال أعمال واستثمارات وتجارة وأصحاب مصارف في الداخل، العاملين في الخفية ضدّ مصلحة الشعب اللبناني، ومع حكومات الخارج المعروفة بأطماعها واحتقارها للمبادىء الأخلاقية والروحية، وبازدواجيتها المريضة بين شرّ مُخبَّأ وخير مُعلَن تجاه شعب الوطن اللبناني، وتجاه الشعوب المستضعفة.

إن وعيك القوي، أيها الشعب، لجدّية هذه الأخطار، يؤدّي حتما الى يقظة كبيرة توحّد جميع أبنائك كتلة واحدة ضدّ قوى الشرّ، من اجل إنقاذ الوطن من الهلاك. فلنطبّق، كلنا معا، وبسرعة، في هذه الآونة العصيبة التي نعيشها، المثل القائل: في الإتحاد القوّة. إتحدوا، يا أبناء لبنان، تتقوّوا. شاركوا الآخرين هذا الشعور وهذا الوعي، ولتنتقل العدوى بسرعة كالنار في الهشيم.

إننا ندعوكم، إذًا، يا أبناء الشعب اللبناني، الى الوحدة في الشعور بكل الأخطار، ووعيها وعيا كاملا، وفي الشعور العميق، القويّ، بمحبة لبنان، الوطن الواحد والنهائي للجميع، وبنسيان كل الخلافات والعصبيات السخيفة، العبثيّة، التي ورثناها جميعا من الأجيال السالفة، منذ الإستقلال حتى اليوم، والتي دَأَبَ على تغذيتها وإذكاء نارها باستمرار، الساسة المتعاقبون على حكم الشعب اللبناني والتحكّم به بإسم العائلة والدين، لكي نستطيع أن نسترجع معا هويتنا الحقيقية الضائعة، وشخصيتنا الوطنية المسلوبة، وسيادتنا المُمْتَهَنَة، وحريتنا المكبّلة، واستقلالنا المرهون لأبالسة الكبرياء والمال والطمع والقوة والشرّ.

أنت يا شعب لبنان، بشيبك وشبانك وأطفالك، أنت الغد المشرق من أعماق ذاتك. أنت تستطيع صنع المعجزات إنْ توحَّدَ أبناؤك على حبّ الوطن وحبّ بعضهم البعض.

أجل، أبناؤك يمكنهم، من مواقعهم المختلفة، وكل يوم، صنعُ المعجزة:

في الحقول والمزارع والمعامل والمتاجر والشركات، وفي الجامعات والمدارس والمنتديات، وفي البيوت وعلى الطرقات وفي المحلات العامة. فَلْيَدَعْ أبناؤك البشرى، بشرى فرح المحبة والوحدة والقوّة، تمتدّ دون توقف، وتشعل قلوب جميع أبناء الشعب اللبناني.

إنها عدوى الثورة! أجل، إنها معجزة الثورة على الذات أولا، أي الثورة على روح التفرقة والكسل والخمول والخوف والتردّد والعبودية، الثورة على روح الحقد والإحباط وعدم المبالاة والقرف واليأس، وعلى روح الشك بالنفس، وبشركاء الوطن وروح الإستعلاء والتهكّم عليهم والسخرية منهم.

ومن ثمّ، سوف تحصل، لا محالة، معجزة الثورة، ثورتكم يا أبناء الشعب اللبناني، ثورتكم الواحدة، والمقاومة الواحدة، قلبا واحدا وإرادة واحدة، لا الثورة المبعثرة والمقاومة المُجَزَّأة، ضدّ الساسة الذين أوصلوكم إلى حالتكم المأساوية (بوجود حكومة أو بعدم وجود حكومة، إذْ إن الفراغ في الحكم قد أصبح فراغا موجودا في كلتا الحالتين ومصحوبا دائما بالعقم وبإذلال الشعب وإفقاره)، ولم يحسنوا يوما إدارة شؤونكم، ولم يحسِّنوا أبدا أخلاقهم وعقلياتهم وسلوكهم، وضدّ أعداء الوطن المعروفين والكثر، وتحقيق الإنتصار عليهم جميعا.

يا أبناء شعب لبنان الحيّ، إننا ندعوكم الى الثورة! إتحدوا! ثوروا!

إنّ الأوان لم يفُتْ بعد، ولن يفوتَ بوجود شعب واعٍ، طموح، موحّد، قوي، محبّ.

ثوروا ثورة وعي نَضِرَة، متجدّدة، مُحِبّة، متطهّرة من روح الغضب العمياء، ومن روح الحقد، والضغينة، والإنتقام.

إختاروا بوعي لا يخطىء، يوم الإقتراع القادم بعد سنتين، وتبعا لقانون انتخاب جديد لا يجبركم أن تنتخبوا لائحة بكامل أعضائها، ولا يحجّمكم أنتم في الوقت الذي ينفخ فيه الساسة أحجامهم ويتباهون بها، ويعطلون تأليف الحكومة، ولو دام ذلك سنين، كما عطلوها، من قبل، وكما عطلوا إنتخاب رئيس للجمهورية، ويخلقون فراغا في الحكم، لمجرد خلافاتهم حول تناتش أكبر قطعة من “جبنة” الحكم لهم وحدهم لا لكم، بإسم أحجام واوزان شعبية أنتم أعطيتموهم إياها، أجل، إختاروا ساسة صالحين يسوسون حياتكم باحترام وأمانة وإخلاص وصدق وحكمة، ساسة تستعيدون معهم وطنكم المخطوف، وكرامتكم وأموالكم وسعادتكم المسروقة، وتحاسبونهم، فيما بعد، إن هم أخطأوا وجنحوا عن الصراط المستقيم.

فليكن غضبكم، إذًا، على أنفسكم، أولا، لأنكم تخاذلتم كثيرا وطويلا، حتى الآن، في مجال المطالبة بحقوقكم بحسب شرعة حقوق الإنسان، وفي مجال القيام بواجبكم كمواطنين صالحين بمراقبة أداء ممثليكم في الحكم وبمحاسبتهم إن أساؤا الأمانة، ثمّ، فليكن، بعد ذلك، غضبكم على ساستكم الفاسدين، الفاشلين في مجال خدمتكم وتخليصكم، مثلا، من شر النفايات والتلوث والامراض، ومن شر البطالة والفقر وفرض الضرائب دون رحمة ودون عدل، غير الصادقين في تعاملهم معكم، وغير المخلصين لكم، والمتخاصمين، دائما، فيما بينهم، بشراسة، على كل شيء يتعلق بمصلحتكم وخدمتكم انتم، الوطن الحقيقي لا هم، والمتفقين فقط على التجديد لولاية حكمهم وزيادة رواتبهم وثرواتهم.

فليكنْ غضبكم غضبا واحدا، مقدّسا، لا يفترُ ولا يخمدُ، ولتكن ثورتكم ثورة واحدة مباركة لا تني ولا تذبل، من أجل ولادة لبنان جديد، حرٍّ، مستقلٍّ، سيّدٍ، موحّدٍ، قويٍّ، مزدهرٍ، سعيد.

لا تدعوا ثورتكم تشتعل فقط في صناديق الإقتراع، ثم ما تلبث أن تخمد وتنطفىء لدى عودتكم إلى دورة حياة الرَّتابَةِ اليومية. بل، إبدأوا بها اليوم، وأكملوها غدا، وبعد غد. لتكن ثورتكم ثورة وعي دائمة، لا تهدأ ولا تستكين، في الإعلام، وفي الشارع حين يدعوكم، وهو يدعوكم الآن، صوت الضمير والواجب، حتى تحقيق النصر، نصر الحق على الباطل، ونصر التواضع على الكبرياء، ونصر الصدق والإخلاص والأمانة على النفاق والكذب والخداع والخيانة، ونصر التقدم والإزدهار والبحبوحة والفرح على التخلف والذبول والفقر والحزن.

إنه نصركم أنتم وحدكم يا أبناء شعب لبنان المُسْتَحِقّ، يشارككم فيه فقط، إن وُجِدوا، الرعاة الصالحون النادرون، الحكماء، الأوفياء، الأقوياء، الزاهدون بالمال والعظمة، الشرفاء، المتواضعون، الذين يبذلون أنفسهم، بصمت ودون مِنَّة، من أجل خدمتكم وإراحتكم وإسعادكم، وحمايتكم من الوحوش المفترسة.

لا تدعوا فرصة التحرّر من تجرُّع المرارات على الدوام، من يد ساستكم، اجل، لا تدعوا الفرصة تفوتكم، كما فاتت آباءكم وأجدادكم من قبل، فأورثوكم ما تعانون منه، اليوم، من أوضاع شاذة وتعاسة، فهلمّوا، معا، الآن، دون تردّد وتلكّؤ، إلى ميدان الثورة الشريفة، والجهاد الروحي المتواصل، وتذوّق حلاوة ثمار الصبر، لحظة الإنتصار الكبير، الشريف!