موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

فقه الحبّ والانسان ،،،،،،،،،،،،، 1 لعبدالعزيز بدر القطان

 تبدو أشائر فقه الحبّ في الثقافة القرآنيّة من خلال المخزون الوجدانيّ المكنون في لفظتي “المودّة والرحمة” . قال تعالى : “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّةً ورحمةً إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكّرون” الروم / 21 نلاحظ أنَّ المودّة التي هي المحبّة والوئام جاءت قرينة الرحمة التي هي الرقّة والشفقة والخير والنعمة . وهذا يعني وجود طاقة شعوريّة إيجابيّة متكاملة . كما نلاحظ أنَّ الإحساس بالمودّة هو شعور بالانسجام العاطفي يبدأ من المجتمع الزوجي ، ويتكاثر بتكاثره ليغدو شعوراً منسجماً على المستوى الاجتماعيّ العام . ولو تصّفحنا معجم المعاني الجامع على الشابكة ( ) لرأينا ثراء الحالة الوجدانيّة الإيجابيّة في المحتوى المعنوي للمودّة ؛ فالمِوَدّ : الكثير الحبّ . وكثرة الحبّ للآخر فيها رقيّ انفعالي منفتح على مداخل الخير ؛ ولذلك قال ابن سيده : الودّ : الحبّ يكون في جميع مداخل الخير . ووَدَّ الشيءَ : وُدّاً ، ووِدّاً ، ووَدّاً ، و وَدادةً ، ووِداداً ، و وَداداً ، ومَوَدّة ، ومَوْدِدَةً : أحبّه . والودود من أسماء الله الحسنى ، تسمّى به جلّ جلاله من محبّته الثابتة لعباده ، فهو المحبّ لعباده كما قال ابن الأنباري . وهذه الفاعليّة في الحبّ التي انطلقت من الخالق باتّجاه المخلوق ، تقابلها حسب ابن الأثير صيغة فعول بمعنى مفعول ، فهو المودود المحبوب في قلوب أوليائه . وهكذا فالمجمل المعنوي للمودّة ينحو منحًى إيجابيّاً مطلقاً ؛ وبالتالي فشخصيّة الإنسان الودود شخصيّة إيجابيّة لأنّها تتّجه إلى الآخر اتّجاهاً إيجابيّاً مفعماً بالطاقة الخلّاقة بالحبّ . وصاحب الشخصيّة الإيجابيّة ينطلق من التوازن الذاتي إلى التفاعل الغيري الصحيح؛ وذلك لأنّه يبني قناعته على الرضى والسكينة النفسيّة مهما كانت قسوة الظروف المحيطة به ؛ فتتولّد لديه النظرة المتفائلة المتّسمة بالإشراق والنور ، كما تتمكّن لديه الثقة . والحكمة هي عنوان الشخصيّة الإيجابيّة التي تجعل صاحبها يتعامل مع الأحداث والظروف برويّة وهدوء . وبما أنَّ الإنسان الودود يكتنز طاقة عظيمة من الشعور الإيجابي تجاه الآخر ، فهو شخص ميّالٌ إلى التسامح النابع من الحبّ ، وهو أحد مداخل الخير فيه . ومن مداخل الخير في الحبّ ، احترام الآخر وعدم تهميشه أو تجاهل حضوره الإنسانيّ ؛ ما يفسح المجال للمشاركة الإيجابيّة الجماعيّة . ولعلّ السعي الحثيث إلى تطوير الذات لدى الإنسان الإيجابيّ ، يخلق لديه حالة من الطموح إلى التطوير المجتمعيّ ؛ وعندما تصبح الإيجابيّة سمة الأشخاص في مجتمعٍ ما ، يتمكّن هذا المجتمع من الارتقاء وتحقيق النهضة الشاملة . وتتجلّى الغيريّة في السلوك الإيجابيّ القائم على الحبّ والودّ من خلال المبادرة إلى مساعدة الآخر ، ونجدته في المواقف الصعبة . إنَّ الإنسان مستخلف من قِبَل خالقه لعمران الأرض بالحقّ والخير والجمال ؛ ولذلك عليه قراءة القيم الإلهيّة البانية ، والتفكّر فيها ، والتخلّق بالمعاني المنبثقة عنها لتحقيق العمران المنشود . ويعدّ استثمار الوقت بالشكل الصحيح من أبرز سمات الإنسان الإيجابيّ الذي يضع الحلول للمشكلات والعقبات بغية تخطّيها بدلاً من صرف الوقت في الشكوى السلبيّة. وتتحلّى الشخصيّة الإيجابيّة بالوضوح في تحديد الهدف القائم على المعرفة الدقيقة بعيداً عن التشويش والفوضى في الرؤية . وبما أنَّ الإنسان الإيجابي يتفاعل مع أشخاص متنوّعين في الإدراك ، وظروف متفاوتة الصعوبة ، وأحداث متعدّدة الاتّجاهات ، فيعدّ الصبر عنوان شخصيّته . “والصبر ضياء” وفق الحكمة النبويّة . ولعلّه من أبرز مداخل الخير في الحبّ ؛ وذلك لأنَّ طاقة الصبر فيها شدّة نفسيّة تنطوي على وهجٍ في الداخل النفسيّ يحمل في مكنونه إشعاع الحكمة الهادية . هذه الحلية القيميّة للشخص الإيجابي لا يمكن أن تتحقّق إلّا على قاعدة الإيمان الراسخ بذي الجمال والجلال . الإيمان المبني على الحبّ صعوداً إلى مراقي الإحسان الأسنى . في شهود الإحسان يتفكّر المرء في خلق الذات الداخليّة (الباطن)، والآفاق الخارجيّة(الظاهر) ؛ فيتلقّى أعظم دروس الوعي بالحبّ لـ “الأنا والآخر”،،،،، تبارك الإحسان في قلوب المحسنين مرائي الحضرة الحسنى ، وتبارك الحبّ من حضرة الودود الأعظم

عبدالعزيز بدر القطان