موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

إني آتٍ إليك يا دمشقُ

 

 

بقلم جورج نادر

اقتربتُ من موظّفة الاستقبال في الفندق، الّذي حجزت فيه مسبقاً عبر إحدى المواقع الالكترونيّة المتخصّصة في هذا الشّأن، وأبرزتُ لها رقم الحجز مع الفاتورة. وفعلاً أكّدت لي صحّة الحجز لكنّها طالبتني، بلغتها الانكليزيّة الّتي تنطقها بلكنةٍ متكسّرة تشي بأصولها الأوروبيّة الشرقيّة، أن أدفع مبلغ الضّريبة المضافة على مبلغ الحجز. ولمّا أبرزتُ لها الفاتورة مجدّداً لأؤكّد لها أنّ مبلغ الضّريبة محتسبٌ أصلاً ضمن قيمة الدّفع الأوّلي، بادرتني فوراً بالقول أنّ اللّغة المستعملة في كتابة الفاتورة هي العربيّة، بالتّالي لا قيمة لها، فلا بدّ أن تكون مكتوبةً باللّغة الانكليزيّة أو الفرنسيّة أو حتّى الألمانيّة أو الإسبانيّة لكي تكتسب قيمتها. لم أجد مناصاً من إيداع مبلغ تأمينٍ يفوق قيمة الضّريبة بانتظار التّواصل مع الموقع الّذي أجرى لي الحجز لكي يصحّح هذا (الخطأ الفادح!) ويزوّدني بفاتورةٍ جديدةٍ مكتوبةٍ بلغةٍ معتبرةٍ.
أثار كآبتي ذلك التّفصيل، رغم ضآلته، وأعاد فتح جروحٍ قوميّةٍ كنت أحسب أنّها التأمت منذ زمنٍ بعيد، وإن كان التئاماً مصحوباً بندباتٍ كبيرة. هذه البلاد محتلّةٌ لا تمتلك من مقوّمات السّيادة سوى تفرّدها غير المتنازع عليه بإطلاق أسماء عربيّة على الشّوارع وعلى المواليد.
لماذا نجد لزاماً علينا، إن أزمعنا السّفر إلى بلادٍ تتحدّث لغةً أجنبيّةً، أن نأخذ دروساً لتعلّم النّطق بلغة أهل تلك البلاد قبل سفرنا، ولا يجد أهل تلك البلاد عينها لزاماً عليهم أن يتعلّموا لغتنا قبل السّفر إلى بلداننا؟ بل ما يحدث في الواقع هو أبعد بما لا يقاس من ذلك، فنحن أيضاً نجد لزاماً علينا أن نتعلّم لغة هؤلاء لكي نحدّثهم بها وهم في بلداننا!
هل يعقل أن يجد مواطنٌ عربيّ نفسه تائهاً لا معين له، لكونه لا يجيد التحدّث بلغةٍ أخرى غير لغته الأمّ، وهو أصلاً في مدينةٍ يُقال عنها بأنّها عربيّة؟!
أنا شخصيّاً من أكثر مشجّعي الإلمام بأكبر قدرٍ ممكنٍ من اللّغات المختلفة، سواءٌ الحديثة أو المندثرة، بل وسبق لي أن أوضحت في مقالة “الذّكاء” أنّ اختبارات الذّكاء تصمّم بجزءٍ كبيرٍ منها اعتماداً على الذّكاء اللّغوي، لكن أيّ فخرٍ هذا للأمم أن يتقن أبناؤها لغةً أجنبيّةً أو أكثر وهم لا يعرفون شيئاً عن لغتهم الأمّ؟!
لست أبالغ مطلقاً. سبق لي وأن عشت وتجوّلت في بلدانٍ عربيّةٍ خليجيّةٍ عديدةٍ، بينها موطن القرآن، الّذي هو أهمّ مرجع للّغة العربيّة، وأستطيع أن أقسم بكلّ ضميرٍ مطمئنّ أنّ نسبة من يجيدون اللّغة العربيّة السّليمة، نطقاً وقراءةً وكتابةً، لا تتجاوز 1% من عموم السكّان على أفضل تقدير، دون أن أستثني من بينهم هؤلاء الّذين تخرّجوا من معاهد وكليّات الأدب العربيّ ويعملون في تدريس مناهجه في المدارس.
ولكي أزيدكم من الشّعر (الرّديء) بيتاً، أقول: إنّ أصعب مهمّةٍ تواجههني في عملي هي عندما يُطلب منّي إصدار تقريرٍ طبيٍّ باللّغة العربيّة. لا تكمن الصّعوبة بالنّسبة لي في كتابته، فأنا أزعم أنّني أجيد العربيّة بشكلٍ ممتاز، إنّما تكمن في كيفيّة انتقاء كلماتٍ مفهومةٍ من قبل الجهة المعنيّة (أو القاضي، بحال كان التّقرير مطلوباً كمستند في قضيّة) . هي معاناةٌ كبرى. وقلّما تفهم تلك الجهة المعنيّة التّقرير من المرّة الأولى، بل تعيده إليّ لشرحه مراراً وتكراراً، وعبثاً أحاول أن أفسّر لهم أنّ المدلول الطبّي لكلمة “سحجة”، على سبيل المثال، يختلف عنه في كلمة “جرح” ولا يمكنني أن أستعيض عن الكلمة الأولى بالكلمة الثّانية فقط لكون القاضي لم يفهم معنى تلك الكلمة. بل إنّني أشعر بالخجل من نفسي عندما أجدني مضطّراً لكتابة مصطلح “ماء أبيض” لأنّ القاضي لم يفهم معنى مصطلح “ساد”، وعبثاً أحاول أن أشرح بأنّ هذه التّسمية قد انقرضت منذ مئتيّ عامٍ على الأقلّ وبات الأطبّاء يعلمون بأنّه ليس بماء وليس بأبيض، بل مجرّد كثافةٍ أو إعتامٍ في عدسة العين الّتي يفترض بها أن تكون شفّافةً.
ما هذه الحال؟
لست أعتقد بأنّها أزمة هويّة أو أزمة وجود. في الواقع، لست أعتقد في المقام الأوّل بأنّها ما تزال في مرحلة الأزمة. هي أكثر من ذلك بكثير. هي قُمّة (هكذا يلفظها سهواً بعض الزّعماء العرب، ويقصدون بها “قِمّة”، والقُمّة من القمامة أي الزّبالة) أو مستنقعٌ آسن.
وكيلا أبدو مغرقاً في اليأس من هذا الوضع، سأورد مثالاً يبرز الوجه النّقيض: قبل بضعة أشهر قرأتُ خبراً صغيراً عن كون إحدى مقدّمات البرامج الإخباريّة (أو نشرة الأخبار، لم أعد أذكر بدقّة) في التّلفزيون العربيّ السّوري قد ارتكبت خطأً لغويّاً فادحاً أثناء تلاوتها للأخبار، فعوقبت على ذلك بالتّشهير عبر نشر اسمها في لوحة الإعلانات مرفقاً بإنذارٍ بعقوبةٍ مشدّدة إن تكرّر الأمر. يومها اعتبر البعض الكثير هذا الأمر مثيراً للسّخرية أو مبالغاً به كثيراً، لكنّني أنظر إليه كبشرى خير بأنّ في هذه الأمّة ما يزال هنالك من هم حريصون على التمسّك بمكوّنٍ من أهمّ مكوّنات الأمم، ألا وهو المكوّن اللّغوي.
أعود للسّياق الّذي بدأته، بعد أن استرسلت في الحديث أكثر ممّا كنت مخطّطاً لذلك.
هي المرّة السّادسة أو السّابعة الّتي أزور فيها مدينة دبيّ.
تعزّزت قناعتي، الّتي كانت قد بدأت بالتكوّن منذ زيارتيّ الأوليّتين لها، أنّ دبيّ لا تصلح كمكانٍ للإقامة الدّائمة، ولا حتّى للسّياحة طويلة الأمد. هي مدينةٌ جذّابةٌ، بل ومبهرةٌ، للوهلة الأولى والّتي قد تدوم بضعة أيّامٍ حتّى أسبوعٍ كحدٍّ أقصى، ومن ثمّ يزول ذلك الوجه المبهر ويظهر رويداً رويداً الوجه الآخر، الوجه البشع والقاسي حدّ الوحشيّة.
أدرك أنّ ما أكتبه هنا لا يتعدّى كونه رؤيةً شخصيّةً قد لا تمثّل أحداً سواي، لكنّني لا أودّ أن أبدو متحاملاً، لذلك سأسجّل إعجابي اللّامتناهي بالكثير من المرافق العامّة والبنية التحتيّة الّتي تتفوّق على ما رأيته ربّما في أيّ مكانٍ بالعالم. لكن ليس هذا بيت القصيد.
عندما أعود إلى غرفتي في اللّيل وأتأمّل المدينة من الشّرفة العالية، تكون مشاعري حياديّةً لدرجةٍ مخيفة. أنظر فلا أرى سوى كتلاً اسمنتيّةً صمّاء لا روح بها.
هذا ما يميّز مدناً أخرى كدمشق أو بيروت أو بغداد أو القاهرة، الّتي وإن كانت ربّما لا تقارن على الإطلاق بدبيّ من حيث التطوّر العمرانيّ وجودة المرافق والبنى التحتيّة، إلّا أنّ أيّ عابر سبيلٍ لأيّ شارعٍ من شوارع تلك المدائن لا يسعه إلّا وأن يشعر بكثافة حضور الرّوح في كلّ ما يراه، حتّى في جدران الأزقّة المهجورة، بل وحتّى في القطط والكلاب الشّاردة. قلوب تلك المدائن تحنو على جميع من يمرّ بها.
لم أرَ قططاً ولا كلاباً شاردة في دبيّ. ضاعف هذا الأمر من كآبتي، رغم أنّي لست من محبّي الحيوانات عموماً. إنّ بلاداً لا تسرح فيها القطط والكلاب الشّاردة هي بلادٌ تفتقر للكثير.
دبيّ مدينةٌ بلا روح. مدينةٌ بلا قلب. كلّ ما فيها اسمنتيٌّ أو بلاستيكيّ. حتّى المشاعر فيها/ حيالها بلاستيكيّة.
هي حتّى لا تقارن بمدنٍ كوزموبوليتانيّة أخرى، تشبّه عادةً بها، كنيويورك أو حتّى كازابلانكا.
حتّى الأسواق القديمة في دبيّ هي ليست فعلاً قديمة، بل تمّ تصميمها وفق نماذج قديمة لكي تشبه سوق الحميديّة في دمشق أو خان الخليليّ في القاهرة. لكن شتّان. لا العين تخطئ الفارق ولا الأنف يخطئه ولا حتّى الأذن. الاصطناع جليٌّ ولا مجال لتمويهه. هي نماذج تشبه نماذج الألبسة “الجينزات” الّتي يتمّ تصميمها لتبدو رثّةً أو ممزّقة، بينما في الواقع تُباع بأسعارٍمضاعفة.
كنت أتناقش مع صديقٍ عزيز منذ نحو سنة حول هذا الموضوع بالذّات، وكان السّؤال- موضوع النّقاش يتمحور حول كيفيّة تحمّل مدينة دبيّ إنفاق هذا الكمّ المهول من الأموال لتغيير وجه المدينة خلال مدّةٍ لا تكاد تتجاوز عقدين من الزّمن، رغم افتقارها للثّروات الباطنيّة.
لم يطل النّقاش آنذاك حتّى أطلّ الجواب من تلقاء نفسه، وهو نفس الجواب الّذي أوردتّه في الجزء الأوّل من النصّ.
السّيادة… هذا هو الثّمن الّذي توجّب دفعه…
ولكي أنتهي من هذا الغثّ، وأختم بالمسك كما يليق، أقول:
لا مدينة في هذا الكون تؤجّج مشاعري وترتقي بها إلى ذرىً غير مسبوقة مثل سيّدة المدائن- دمشق…
إنّ موسم الحجّ إلى دمشق قد أزف، فافتحي يا دمشق ذراعيكِ لي بكلّ العشق وكلّ الحبّ…
عاشقكِ المشتاق آتٍ…
طوبى…