موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

أيها الوطن الحزين

 إيلي أنطون شويري

 

_كم تغزّل بجمالك الشعراء والحكماء، منذ القديم حتى اليوم. كم من الناس سَحَرْتَ وجذبتَ إليك في الماضي البعيد، لسكناك، هربا من الإضطهاد وجفاف الصحاري، وكنتَ لهم أفضل ملجأ أمان وسلام.

كم دَرَّتْ أرضُك الخصيبة، المِعطاءُ، لَبَنا وعَسَلا، وكم فاحتْ أشجار غابات أرزك الخالد وشربينك وسروِك وسنديانك وصنوبرك وأزهارك، بخورا ولُبانا وأريجا.

وسماؤك السخية، كم درّتْ غيومها وبروقها ورعودها أمطارا غزيرة وثلوجا نقيّة، بيضاء، وكلّلتْ قممَ جبالك العالية، الشامخة، بتاجها الأبيض في كل الفصول، وكم مَلَأتْ قعرَ وديانك السحيقة بأنهارٍ لا ينقطع هديرها، وكم فجّرَتْ ينابيعَك الباردة، الصافية، العذبة.

وشمسُك الباسمة، المشتعلة حبًّا وفرحًا على الدوام، كم أطلّتْ، دون تأخير وتردّد، على نعيمك، في كلّ الفصول، تُدفِىء حناياك، وتؤنس قلبك، وتنير وجهك، وتداعبُ، مع نسائم ورياح وديانك وجبالك، مياهَ أنهارك الفرِحَة، وشَعْرَ غاباتك الكثيف، المسدول على أكتاف أشجارها، والمصبوغ صبغة سحرية بألوان أشعة أنوار شمسك، وسنابلَ قمحك الذهبية، وهي تتمايل برقّة ودلال، مع كل استيقاظ وهبوب لروح الصيف الدافئة.

وكم شدَتْ طيورُك شدوَها الساحر بلا انقطاع، وكم ملأَت وديانَك وسهولَك وجبالَك وغاباتِك حياةً وبهجةً وسلاماً.

وكم ملَأَ فلاحوكَ بأناشيد الحصاد والقطاف، وبصلوات الشكران، في ذروة نضوج الصيف، أجواءَك الصافية فرَحا وابتهاجا بعطاءات أرضك وسمائك.

أيها الوطن الجميل،

كان ذلك في الماضي البعيد، ما قبل التاريخ البشريّ. كان ذلك قبل أن تقلّ، حتى الإنقراض، وحوشُ البرّية، وقبل أن تتكاثر الوحوش البشرية، وتتكاثر الغزوات الهمجيّة، وقبل أن يتكاثر ويستقوي ويستفحل ويتجبّر نسلُ قايين.

ماذا دهاك اليوم حتى أُصِبتَ بالوجوم والصّمت؟ لماذا وجهك مُدَمّى، وعينك دامعة، وجسدك مُمَزَّق، وثيابك رثّة، وروحك حزينة حتى الموت؟

أجل، أيها الوطن الجميل،

أرزُك قُطِعَ، ليبنيَ من خشبه الملوكُ التافهون أمجادَ مساكنهم ومساكن آلهتهم الميتة، وليتدفّأ بناره الغزاة، ولينحته أبناؤك منحوتات شتّى للبيع.

لذلك أنت حزين.

جبالك تعرّتْ من أشجارها، وأصبحت جرداء، لا تجذب البروق والرعود والأمطار الغزيرة، ولا رِقعَ الثلوج البيضاء الكبيرة، الكثيفة، الوديعة، الصامتة، الرائعة، وأصبَحَتْ بلا أعشاش للطيور الصّادحة، إذْ قَضَمَ أشجارَها وأزهارها وترابها وصخورها بعضُ أبنائك القساة القلوب من التجار والزعماء الجشعين الطمّاعين، قضموها قضما بشعا شوّه جسدها وروحها، وأسكتَ طيورَها عشاقُ التسلية والترفيه والصيد والقتل وأكل اللحوم.

لذلك أنت حزين.

مياه أمطارك وثلوجك لوّثها أبناؤك، لوّثوا ينابيعك وسواقيك وأنهارك وبحيراتك وبحرك،

صارت مياهك موحلة ومليئة بنفايات وأوساخ كل أبنائك، وبالجراثيم المؤذية لصحتهم ولنفوسهم، وبحرك يعيد إلى تربتك ما يجود به عليه أبناؤك، مُحَمِّلا غيومه أمطارا وسخة تغسل وتجرف أوساخ وغبار الهواء والصخور والأشجار وتراب الأرض، والبيوت والطرقات، ويعيد على ظهر أمواجه التعِبَة إلى الشاطىء نفايات لم يستطع هضمها، رماه بها أبناؤك.

لذلك أنت حزين.

صباحاتك، لم تعد الديوك تعلن فجرها وشروق شمسها، وزقزقاتُ بعض العصافير المتبقّية التي لم تغادر ربوعَك، زقزقات قصيرة، مستعجلة، متردّدة، خائفة،غيرُ فَرِحَة وغير مُفرِحَة، سُرعان ما تختفي في مخابىء مجهولة بين الصخور والأشواك، بعيدا عن شرّ أعين الصيادين.

لذلك أنت حزين.

قمرُك في الليل لم يَعُد يتتبّع ولادَتَه ونموَّه أحد، ولم تعد تهفّ له قلوب العشاق، ولم يعد، وهو بدر مكتمل، رمزا لجمال وجه الحبيب، ولم يعد يُنيرُ الطرقاتِ ودروبَ الحقول والغابات المقفِرة.

لذلك أنت حزين.

فصولك فقدَتْ رونقها، وأنفاسها أصبحت متقطّعة، وفقدت ذاكرتها وحيويتها،
ربيعك صار بلا شدو الطيور، وبلا فرح موسم عودتها من بلاد الجليد والصقيع في شمال الأرض، بعد شتاء طويل، وبلا أناشيد الأمطار والينابيع والسواقي والشلالات والأنهار،

صيفك صامت، بطيء، عليل، يغطيه الضباب ويسكنه الجفاف،

خريفك يصفرّ باكرا ويفتقد موسم رحيل الطيور إلى البلاد الدافئة في جنوب الأرض،

شتاؤك انقلب صيفا، وقَصُرَ عمرُه، وقلّ رعدُه وضَعُفَ، وفقد برقُه بريقَه، وخفّت أحمال غيومه من وعود خير وبركات المياه والثلوج.

لذلك أنت حزين.

سَكَنَ التلوّثُ ترابَك وزرعَك وخبزك وهواءَك ومياهَك، إذْ سَكَنَتْ نفوسَ أبنائك روحُ الحقد والغباء والطمع والغشّ والكبرياء، فلوَّثَتْ نواياهم وأفكارَهم وأحلامهم وأخلاقهم، وفرّقتهم ومزّقتهم، ورمتهم على قارعة الطريق في حالة نزاع طويل، وهم، في سكرة عربداتهم، لا يدرون.

لذلك أنت حزين.

سَكَنَت روحُ الشرّ نفوسَ زعماء طوائفك، فصاروا يعبدون المال ويعبدون أنفسهم، ويعشقون العظمة والخيانة والسرقة والكذب والخداع، وصاروا رُعاة فاسدين لأبناء شعبك الضالين، المُبعثَرين، المشتَّتين، لا يهمّهم أمرُ إفقارهم وإذلالهم واحتقارهم وقمعهم بعنف إن هم تجرأوا وتنفسوا واعترضوا في الإعلام و/أو في الشارع، ولا يهمهم تركهم فريسة لذئاب الحكومات الكاسرة، ولا يهمُّهم، بعد إفساد أرضك وسمائك وروحك، أمرُ إفساد أخلاق شبابك، وقتل مستقبلهم على يد تجار الكلمة الكاذبة، مفسدي الحقيقة، وعلى يد تجار المخدِّرات وكل الأشياء الفاحشة وترويجها وتعاطيها.

لذلك أنت حزين.

يتسكّع على طرقاتك، دون هدف، عجزة مستوحشون، مُهمَلون، حزانى، بوجوه عابسة، وثياب رثّة، وخطى وئيدة، يرتجفون لشدة ضعفهم، وهم يعكّزون على عِصِيِّهم العتيقة الضعيفة، ومنهم من يستعطون الرحمة بيد مترددة، مرتجفة، وعين خجولة، خائفة، ويتسكّع معهم على الطرقات، بصمت حزين، غاضب، شباب ضائعون، عاطلون عن العمل، وأطفال مشرَّدون يستعطون الرحمة مع أمهاتهم.

لذلك أنت حزين.

مرضاك يموتون على أبواب مستشفياتك لأنهم لا يملكون المال اللازم للمعالجة في بيوت الصحّة والرحمة، هي للذين يملكون المال فقط، ومنهم من ينازعون وحدهم في بيوتهم بلا دواء أو علاج، لأن القدَرَ القاسي، غير العادل بوجود أناس قساة القلوب، غلاظ العقول، قد حَكَمَ عليهم بأن يكونوا فقراء، مُعدَمين، غير أصحّاء، في زمن يتكاثر فيه أغنياؤك المتكبرون بشكل غريب، ويَقِلُّ فيه، حتى الندرة، ذوو القلوب الرحيمة.

لذلك أنت حزين.

أطفالك الفقراء مُهمَلون ومُستَغَلّون، يعملون أعمالا قاسية في الأسواق والمعامل، بينما أولاد أغنيائك في المدارس والجامعات الخاصة يتنعمون بعناية دائمة فائقة، وبنجاح باهر، متفوِّق، غيرِ مُستَحَقّ، من قِبَلِ معلمين ومعلمات ومدراء ينسحرون انسحارا مقدَّسا لا يُقاوَم، ويسكرون سكرة الغبطة والسرور والفرح والسعادة والشكران، برائحة مال الأهل الأغنياء ولونه وطعمه، ويتحوّلون فجأة، لدى سقوط روح قدس المال على رؤوسهم، إلى خدام لُطَفاء، أوفياء، وُدَعاء، متسامحين، متفهمين، مطيعين، ومحبّين فقط لأبناء آلهة المال.

لذلك أنت حزين.

بعض فقرائك يفتشون، في كُوَم النفايات، عن شيء يأكلونه أو يلبسونه أو يفترشونه أو يتغطون به، وأغنياؤك يتنافسون فيما بينهم، على طلب المجد والشهرة والقوة والسلطة، وعلى شراء الإعلاميين وزعماء الطوائف ورؤساء الدين، للوصول إلى مراكز في الحزب أو في الحكم، ويتنافسون في مجال تبذير المال على بناء معابد لله، والله غير محتاج إلى بيوت يسكنها، وفي إقامة الأعراس والمآدب الأسطورية للطبقات الغنية والنافذة في المجتمع والحاكمة فقط، وفي بناء القصور والقلاع واستخدام الأغراب واستعبادهم، وامتلاك السيارات السوداء المصفحة، والمواكبات الصاخبة المزعجة، بحماية رجال مسلحين متكبرين مثل أسيادهم، وامتلاك الطائرات، واليخوت، والأماكن الترفيهية الخاصة جدا حيث لا يستطيع ولا يُسمَح أن يصل أبناءُ الشعب الفقراء، في مراكز التزلج وعلى الشواطىء، في لبنان ومنتجعات جبال وشواطىء وجزر أوروبا وسائر العالم.

لذلك أنت حزين.

لا يتنافس أبدا أغنياؤك الكبار، المقتدرون، فيما بينهم، في مجال خدمة الفقراء والعجزة والأيتام والأرامل والعاطلين عن العمل، من أجل إنعاشهم بالمحبة، وإحيائهم بالفرح والأمل والرجاء، والحفاظ على كرامتهم، بالإستجابة لحاجاتهم النفسية والتربوية والمادية والصحّية، من خلال بناء مدارس وجامعات ومستشفيات ومآوي عجزة ودور أيتام وبيوت للفقراء، ومعامل لتشغيل الشباب المتسكّع، الذليل، على أبواب السفارات طلبا للهجرة والرحمة، أو على أبواب زعماء الطوائف المتكبّرين، لتأدية الخضوع، وتجديد الولاء، ولطلب عمل أو مساعدة مالية.

لذلك أنت حزين.

تجّارك الكبار والصغار، لا يرحمون أبناء شعبك الفقير، ولا يعدلون ولا يرحمون في سوق البيع والشراء والطمع والخداع، ولا يهمّهم أن يروا أن ثمة أياديَ فارغة، وبطونا جائعة، وأجسادا عارية، سقيمة، وعيونا حزينة، هائمة، تحدّق في فراغ الفضاء المظلم والموت.
لذلك أنت حزين.

زعماء طوائفك وحلفاؤهم الأبديون من تجار ورجال أعمال ومصارف ومال ودين وإعلام، غير مستعدين أبدا أن يتخلوا عن عروش نعيم كبريائهم وعظمتهم وأمجادهم ومنابع ثرواتهم، وأن يتفقوا سويّة، رغم أنف حكومات الخارج الشريرة، كما يفرض الواجب الإنسانيّ والأخلاقيّ على ضمائرهم، على حمايتك، وحماية أنفسهم، وحماية أبناء شعبك، ضدّ كل المعتدين والطامعين والحُسّاد والحاقدين والغزاة وزارعي الفتن والشرور والحروب، وأن ينزلوا معا إلى مستوى أبناء شعبك البسطاء ليشاركوهم لقمة عيشهم، ويحملوا همومهم، ويخدموهم.

لذلك أنت حزين.

زعماء طوائفك وحلفاؤهم وأتباعهم الزحّافون، المتكبرون، التافهون، غير مستعدين أبدا أن يتخلوا عن الإستزلام لحكومات الخارج وخيانة أبناء الوطن، لقاء مبالغ كبيرة من المال تحت أسماء مستعارة، كمساعدات ودعم وهبات وتبرعات ومكرُمات وهدايا، وتنفيذ إرادتها السياسية والإقتصادية والعسكرية في لبنان، ولو على حساب كرامة وسعادة ومستقبل أبناء شعبك.

لذلك أنت حزين.

زعماء طوائفك وحلفاؤهم مُخَدَّرون برائحة المال، وبالعظمة والغرور والسلطة والأنانية، وبأوهام أحجامهم وأوزانهم وحيثياتهم الشعبية، وبالتقاسم العنيف، المجنون، لمغانم الحكم، وباستعراضاتهم السخيفة، السمجة، المعيبة (من أجل تسهيل تأليف حكومة لم تتألّف ولن تتألّف إلا ب”كلمة السر” من الخارج)، لكرمهم الفائق وتنازلاتهم عن بعض الحصص أو الحقائب الوزارية السيادية والخدماتية والوازنة التي تدرّ عليهم مالا وقوة وسلطة، محوّلين الشعب (مصدر وسيّد سلطاتهم) إلى ملكية بشرية خاصة لهم، أو بالاحرى إلى مجموعة عبيد يتحكمون، كما يشاؤون، بحياتهم، ويبيعونهم ويشترونهم بسهواة زائدة في سوق النخاسة السياسية، ويفتخرون، في الوقت عينه، بضخامة أحجام تميثلهم لهؤلاء العبيد، أجل، إنهم مخدَّرون تخديرا قويا، مستمرًّا، لا صحوة وشيكة منه، تخديرا قد أعمى بصيرتهم وقتل روح التواضع والرحمة في قلوبهم، وأفسد إراداتهم، فأصبحوا لا يرون إلا أنفسهم ولا يُحِسّون إلا بأنفسهم، ولا يشعرون بوجود سائر أبنائك، ولا يهمّهم واجب خدمتهم والإهتمام بمصيرهم وسعادتهم، وهم مستعدون، كل لحظة، بإسم الطائفة وبحجّة حمايتها من أشباح أعداء وهميّين من طوائف أخرى، أن يضحّوا بأرواح ابنائك، من أجل بقائهم هم وحدهم مع عيالهم، واستمرارهم على عروشهم الذهبية في أحضانك، وقد فعلوا ذلك مرارا عديدة من قبل، دون ندم ودون توبة، ودون أي توبيخ من صوت الضمير، ضمير قد مات، دون قيامة، في نفوسهم.

لذلك أنت حزين.

أما أبناء شعبك، خاصة الشباب، القرِفون واليائسون من أهل السياسة والتجارة والدين والمال والأعمال والإعلاميين المتكبرين الجشعين الأنانيّين، ومن الوضع السيّء (إستبداد، بطالة، مرض، فقر، غلاء معيشة، جرائم، إنتحار، هجرة…) الذي أوصلوهم إليه، فهم، أيضا، بدورهم، وقد تُرِكوا لوحدهم ولمصيرهم المجهول، دون قانون يُنظّم حياتهم، ودون دولة مؤسسات وقانون عادلة ورصينة وجدّيّة تحميهم وتعطيهم أبسط حقوقهم الإنسانية، يتنازعون البقاء فيما بينهم، ويتناتشون الرزق واللقمة بعنف وأنانية، وينفّسون عن حرماناتهم وكربتهم وقهرهم بالتظاهر في الشارع ضدّ الحكم الظالم حيث يُقمَعون، وبالغضب على بعضهم البعض في التعامل اليوميّ وفي كل مكان، في جوّ يفتقر إلى الإحترام المُتَبَادَل والمحبة والرحمة والمسرّة.

لذلك أنت حزين.

أعيادك وأعراسك لا بهجة فيها ولا فرح، قد أصبحَت تقليدا باليا وممارسة ميتة لطقوس وشعائر وثنيّة لا روح فيها، وأصبحَت مناسبات لحبّ الظهور، والتبختر، والغطرسة، والتباهي، والتنافس التافه، العبثيّ، على كل شيء، من خلال التفنّن في الألبسة والألوان والعطور والأطعمة والمشروبات الروحية والموسيقى، ومن خلال تبذير الأموال، ومن خلال الإستنجاد بالإعلاميين لتخليد ذكرى الإحتفالات والمحتفلين، ومن خلال إطلاق النار والأسهم النارية بسخاء وعشوائيا في الفضاء، وإشعال المفرقعات قرب البيوت، وملء الأجواء لمدة طويلة لا تُطاق، بالضجيج المدوّي، الصاعق، المزعج، وكم تحوّلت هذه المناسبات، بسبب التصرّفات والممارسات الشاذة الغبيّة، إلى مآتم.

لذلك أنت حزين.

أيها الوطن الحزين الدامع،

أبناؤك من شعب وقادة يعبدون أصناما اتخذوا منها آلهة لهم، ونسوا عبادة الإله الحقيقيّ الحيّ الذي خلقك وطنا جميلا رائعا من أجلهم، والذي خلقهم على صورته ومثاله عقلا وقلبا وإرادة، لكي يحملوا رسالة الروح والنور إلى العالم.

وأنت تؤلمك وتُحزنك كل هذه المشاهد، حين ترى أبناءَك ينهشون، وبإصرار غريب، بعضهم بعضا، في حضنك، ويشوّهون جمال صورة الله فيهم، وينهشونك أنت أيضا، ويشوّهون جمالك، وحين ترى غرباء متوحشين من كل حدب وصوب ينهشون أبناءك وينهشونك، ويحاولون إفناء وطن الرسالة ورُسُلِه.

أجل، أنت أردت أن يعيش أبناؤك معا بمحبة ورحمة وسلام، وأن يكونوا حاملي رسالة روحية إلى العالم، ولكنهم أرادوا أمورا أخرى، وتلهَّوا بقشور الخلافات الأنانية التافهة، وبشمّ روائح المال الكريهة، المسكِرة لهم، على مزابل السياسة، وبالخيانة، والكبرياء، والتصارع العنيف، المجنون، من أجل البقاء، وابتعدوا عن هدفك النبيل، وشوّهوا معنى إسمك الجميل وروحك الطيبة.

أيها الوطن الحزين الدامع،

ثمة أصوات تراتيل، هل تسمعها؟ أصوات صلوات متواصلة، تُصَعِّدها، مع سحاب بخور مقدّس من جمر أعماقها، قلوبٌ مؤمنة في رحاب سمائها النقيّة، وفي رحاب ثُنَيَّات سمائك المكفهرّة، تُصَعِّدُها من حنايا صوامع عزلتها المؤنسة بحضور الروح، روح الخير والحق والجمال، إنها صلوات تتحدّى ضجيج العالم المتوحش وعجيجه، وروائحه النتنة، وأنفاسه السامة، ووجوهه البشعة الشريرة، وتشقّ طريقها صوب سماء النور، وتقرع، بإسمك أنت، أيها الوطن الجميل، بابها بقوة.

أيها الوطن الحزين الدامع، يا وطن الروح،

أجل، إنها قلّة قليلة مؤمنة، صادقة، تقيّة، نقيّة القلب، مسكينة بالروح، رحيمة، مسالمة، وديعة، متواضعة، ساهرة لا تنام، تتناوب بإصرار عظيم وصبر نادر، على تصعيد الصلاة والبخور إلى قلب السماء النابض، القلِق، السّاهر، طلبا للخلاص، وعلى حمل شعلة لا تنطفىء، شعلة الإيمان القويّ بالخير، والأمل والرجاء الصالح، والفرح بغلبة الخير الأخيرة، والتي تستمدّ قوة نارها ونورها من قلب السماء الحيّ المتوقّد.

لذلك، لا تخَفْ يا وطن الجمال والروح على أبنائك، وانزع عنك وجه الكآبة، وامسح دموعك، وابتسم وافرح، لأن أبناءك الضالين سوف يستيقظون من سكرتهم قريبا جدا وبلحظة واحدة، وسوف يثورون على أنفسهم وينتصرون عليها، وعلى كل التجارب، وسوف يربحون أنفسهم، دون أسف على خسارة العالم الشرير.

أيها الوطن الحزين الجميل، يا وطن الروح،

إن الروح يعمل دائما، وطُرُقُهُ خفيّة. وسوف يبقى محبّوك ومحبّو الروح المخلصون، الصادقون، ساهرين، يُصَعِّدون آهات الصلوات والبخور نحو مَسكِن الروح، ينتظرونه لحظة ينفخ فيهم، فجأة، بروحه المحيِيَة، وهم على أُهْبَة الإستعداد الكامل لاستقبال نفحات أمواج نوره في قلوبهم، بحسب توقيته هو، ذلك التوقيت الذي لا يخطىء أبدا، ولاستقبال نفحات ألسنة ناره على رؤوسهم، ليبدأ فيك إلى ما لا نهاية، بعد صبرك الجميل الطويل، ومَناحاتِك الكثيرة المُعْيِيَة، أيها الوطن العظيم بتحمل آلام درب جلجلتك، وبصمودك وصبرك العجيبَن، العرسُ المُنتَظَرُ من زمان بعيد، والمحفورُ حفرا في ذاكرة القلب الإلهيّ، عرسُ الفرح والمحبة والسلام.