موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

الخطوط الحمراء في لبنان

إيلي أنطون شويري

-ثمة كلمات وتعابير سياسية لبنانية بامتياز، مستعملة بكثرة، فقط في لبنان. إن التعبير الأكثر استعمالا، في كل الأوقات، هو تعبير “الخط الأحمر”. وحين ينهمك الساسة في البحث عن رئيس جمهورية (كما حصل في الماضي غير البعيد)، أو عن تأليف حكومة (كما يتكرّر اليوم ما حصل من قبل)، يكثر على لسانهم ولسان الإعلاميين استعمال تعابير مثل: كلمة السرّ، والخارج، وقطبة مخفية، وكيدية، وسقف المطالب، وحوار، وجولات أفق، وأحجام وأوزان وحيثيات شعبية، وحصص وزارية سيادية ووازنة وخدماتية، وتعطيل وتأجيل تأليف الحكومة، أو انتخاب رئيس للجمهورية، وفراغ سياسي…

هذا غيض من فيض من مفردات اللغة السياسية التي يخترعها ويلوكها الساسة والإعلام كل يوم. إنها لغة يكرّرونها على مسامع الشعب، كجعجعة رحى الطاحونة التي تصرع الرؤوس، ولا أحد يرى طحينا أو يتذوّق خبزا. وأما الشعب، فهو ينقسم بين من يسمع ويتسلّى ويغض النظر، وبين ساكت ومؤيد لفرط تعلقه بزعيمه وثقته العمياء بعبقريته، وبين من يسخر من كل الساسة ويلوم نفسه كيف انتخب أو أعاد انتخاب ممثلين فاشلين عنه، ويُنزِل عليهم سيولا من اللعنات والشتائم. والحياة تستمرّ بشكل طبيعيّ (أي غير طبيعيّ) كما تعوّده الشعب.

إن حال الشعب اللبناني ذاهبة، كل يوم، من أسوأ إلى أسوأ، من كل النواحي، وفي كل المجالات والحقول والميادين، رغم كل التطمينات المخدِّرة التي يطلقها، من وقت إلى آخر، المسؤولون الغارقون وحدهم، على الدوام، في بحر “نيرفانا” السعادة:

الإقتصاد، الهجرة، غلاء المعيشة، البطالة، الفقر، دفع الضرائب المرتفعة، دين الدولة العام، الشعب المديون، الطلاق، تفكك العائلة، النفايات والتلوث ونتائجهما السيئة والمميتة على صحة المواطنين، أمراض السرطان، تهريب وصناعة وتعاطي المخدِّرات، فلتان وانحطاط الأخلاق، انعدام التربية المدنية الوطنية، ضحايا حوادث السير، موت الفقراء على أبواب المستشفيات، السرقات، التعدّي الجنسي، الإنتحار، الصدامات العنيفة بين المواطنين في الأماكن العامة واستعمال السلاح، تحدّي الجيش اللبناني والإعتداء عليه من قبل بعض شذاذ الآفاق، كسر القوانين على أنواعها من قوانين سير وبناء واستملاكات بحرية وبرّية، خطر الإرهاب الدائم… باختصار، وببساطة، الإنسان في لبنان لا يحصل على حقوقه (أو بعضها) من حكومات تصريف، أو بالأحرى، عرقلة الأعمال، المتعاقبة، كما تنصّ عليها “شرعة حقوق الإنسان”، التي ساهم في وضعها إنسان من لبنان، إسمه شارل مالك، والتي، كما، يبدو، لا يعرف عنها شيئا ساسة لبنان وحلفاؤهم بالروح والدمّ والمال، أو لا يهمّهم أبدا أمرُ معرفتها وأمرُ تطبيقها بحذافيرها.

إن شهية الكلام (البليغ والهشّ) شهية قوية جدا، ودائمة، في ساسة لبنان وإعلامييه. إنها، في مطلق الأحوال، شهيّة لا تبني وطنا، بل تهدّمه. فكيف إذا كان هذا الوطن عرضة دائمة لشهية الدول المتوحّشة وإرهابيّيها، الطامعة بابتلاعه ومحوه عن الخارطة؟ أما شهيّتُهُم على العمل، معا، من أجل توحيد الشعب وتقوية الجيش، وإنجاز المشاريع الحيوية والعمرانية لخير الشعب وازدهاره، فهي شهيّة ضعيفة جدا، لا بل ميتة. وهم، مع شهية الكلام، يملكون شهية المال وامتلاك القصور والقلاع والأزلام والسلاح، وشهية العظمة الشخصية، وشهية أن يعترف بهذه العظمة سائر “عظماء” السياسة والمال والدين، ويهابونها. وكل زعيم “عظيم” هو، بنظره ونظر أتباعه، “خط أحمر” يقف عنده كل متطاول وقح. وبهذا المعنى، حتى الإنتقاد البنّاء، الموضوعي، المُحِق، لآلهة العظمة، يُعتَبَر تطاولا وتجنّيا وتحدّيا، ويستحق العقاب، على يد الزعيم وأتباعه، أو على يد الدولة وقضائها إن كان الزعيم أحد أركانها. وتمتدّ الخطوط الحمراء من “عظمة” شخص الزعيم في لبنان إلى “عظمة” المراكز (أو الدويلات) الحكومية والحزبية والطائفية والمذهبية والعائلية، وسائر الحاشية والأتباع مِمّن يّسَمَّوْنَ ب”فاعليات البلد”.

ثمّة مركز واحد فقط، في لبنان، لا تنطبق عليه “شريعة” الخطّ الأحمر السائدة. الجميع يتطاولون عليه ويستهينون به، ولا من يدافع عنه ويدفع عنه الأذى. هذا المركز هو مصدر كل سلطات الحكم السياسي والعسكري، والقضاء والأحزاب والطوائف. هل عرفناه؟ إنه الشعب اللبناني عينه الذي يستميت في سبيل الدفاع عن الخطوط الحمراء المحيطة بزعمائه، مروّضيه ومدجّنيه ومضطهديه وجلاديه، بإرادته هو.

تبقى القلّة القليلة التي تريد وتقرّر أن تعترض وتنتفض وتثور، والتي تحاول، عبثا، أن تقنع الأكثرية الصامتة، المُروَّضة، الخائفة من التحرّر من سطوة الزعيم والعائلة والطائفة، ومن قطع حبل الوفاء المريض، المذلّ، للأصنام، بأن تنضمّ إليها، في صرخة واحدة ضدّ الظلم، وفي وقفة واحدة في تظاهرات الشارع، أو في الإضراب العام، أو في العصيان المدني. هذه القلة القليلة المعترضة تتلقى، وحدها، وأكثرية الشعب تتفرّج ببرودة أعصاب، ضربات الحكم الذي يسعى دائما، وينجح في مسعاه، بأن يُفشِّلَ ويجهض، بالوعود الكاذبة والكيدية، وخاصة باستعمال العنف، أيّ تحرّك شعبيّ ولو كان سلميا. على كل حال، النتيجة هي دائما واحدة:

-لا الشعب يحصل على حقوقه، مهما وكيفما وأنّى اعترض، ولا الساسة (الطامعين بتأييد أبناء طوائفهم الدائم لهم) يعملون من أجل إعطائه حقوقه.

-الشعب في حالة دائمة من الحزن والقلق والقهر. والساسة، بالمقابل، في حالة دائمة من هدوء البال والأمان، وراحة الضمير، والرضى على الذات، والسعادة الدنيوية الأبدية. إنهم محاطون، على الدوام، بهالة باهرة من “الخطوط الحمراء”.

أجل، إنها دائرة مفرغة تبدو أبدية، يدور فيها الشعب اللبناني حتى الدوخان والوجع، ويدور فيها الساسة حتى السكر والإنتشاء والعربدة والبطر، دون أن يشعروا بأي دوار وأي إنزعاج.

كيف الخلاص من هذه الدوامة؟

إنْ سألنا أنفسنا هذا السؤال، يمكننا، نظريا، أن نجيب عليه بسهولة: لا خلاص إلا بالتربية والتوعية. هذا شيء معروف من الجميع، ومنذ أقدم العصور وبدايات وعي الإنسان. غير أن الخلاص لن يحصل بسرعة البرق. ثمة شيءٌ آخر معلوم، وهو أن محاولة تربية شخص واحد (منذ الصغر حتى عمر الشباب) عملية صعبة جدا، فكيف بتربية الآلاف أو الملايين؟ كم من المُربّين والمفكرين والروحانيين مرّوا على البشرية منذ زمن بعيد، وقد اقتصر تأثيرهم، فقط، على أناس قليلين؟ ثمّ إن البشر يتكاثرون بسرعة فائقة، ومع هذا التكاثر، تصعب، أكثر فأكثر، عملية التربية والتوعية البطيئة جدا. ولنتذكر، هنا، أمرا معروفا في طبع معظم الناس، بالوراثة ومنذ الولادة، وهو عناد الإنسان وأنانيته وكبرياؤه، ورفضه الطبيعيّ للإصغاء إلى صوت الحكمة، وإلى تغيير نفسه نحو الأفضل، إلا إذا شارف على الموت.

هذه حكمة الخالق والخلق. لا نستفيد شيئا من مناقشتها أو رفضها. نقبل بها، بكل تواضع، ونحاول أن نفهمها، قدر الإمكان، ونعمل، بما أوتينا من قوة ومواهب، للتكيّف معها.

إذًا، في هذا الجوّ الصعب في لبنان (وفي كل العالم)، يمكن لكل إنسان محظوظ أو موهوب، قد نجح بتحقيق شيء من الوعي ومعرفة الذات والمحبة، أن يساهم مساهمة متواضعة، فعّالة، في البيت والمدرسة والجامعة وأماكن العمل والإعلام، في سبيل خلق الوعي (وعي الحقوق والواجبات والجرأة على المطالبة بها بإلحاح) في نفوس شركائه في الوطن، وفي سبيل مساعدتهم على تخطي عقدة الجهل والخوف والتبعية، والتحرّر من قيود سجن الساسة (الرافضين رفضا باتا لتغيير أنفسهم وسلوكهم)، من أجل بناء حياة كريمة ومستقبل أفضل لجميع أبناء الوطن. إنها عملية وعي وتحرّر طويلة الأمد، تبدأ بالإختيار الحرّ والحكيم، في صندوق الإقتراع، لممثليهم في الحكم، تواكبها عملية مراقبة دقيقة ودائمة لأدائهم في مجال خدمة الشعب، وعملية مكافأتهم أو محاسبتهم في الإقتراع القادم، كل أربع سنوات، بانتخابهم من جديد إن كانوا صالحين أوفياء، أو بانتخاب مرشحين آخرين أفضل، إن كانوا غير أهل لتجديد الثقة بهم.

إنها مسألة وقت. ومهما استعجلنا الأمر، ستبقى كذلك. الصدام في الشارع مع الحكم المتجبّر، الظالم، لإجباره على تغيير سياسته الخاطئة تجاه الشعب (كما هي الحال في الدول الديمقراطية المتطورة)، لا يجدي نفعا في لبنان حيث الديمقراطية زائفة، تلبس قناعا جميلا على وجهها، يخبىء واقعا بشعا، وحيث الطوائف منقسمة على ذاتها ومتناحرة دائما على حصصها في الحكم، وحيث ميزان العدل مفقود والقضاء غير مستقل، وخاضع لمشيئة الساسة. إن ممارستنا للديمقراطية ما زالت متخلّفة. إنها ديمقراطية مزاج وأطماع ومصالح وكبرياء زعماء الطوائف. إنها، في الحقيقة، عدّة ديمقراطيات بعدّة رؤوس (لها أذناب هي أيضا رؤوس)، تمارس فيما بينها سياسة الديكتاتورية، والكيدية، والتسويات، والصفقات والإبتزاز.

ولكنْ، رغم كل شيء، لا بدّ للشعب من أن يتابع، دون يأس ودون حقد ودون غضب، التعبير عن رأيه في الإعلام وفي الشارع، وأن يتابع توعية شركاء الوطن على حقوقهم وواجباتهم، وحثّهم على الإنضمام إلى صرخة الإعتراض السلميّ في الشارع، وإلى المشاركة في الإضراب العام، وفي العصيان، إذا دعت الحاجة، لعلّ الحكّام المتكبرين يسمعون ويتنبهون ويعون، ويبادرون إلى الإستجابة السريعة لمطالب الشعب المحقّة، ولعلّه، في كل جولة جديدة للإنتخابات، في حال لم يؤتِ الصراخ في الإعلام وفي الشارع بثماره المرجوّة، أجل، لعلّه يتنقّى المجلس النيابي من أدرانه، ويزدان الحكم، شيئا فشيئا، بنخب جديدة جيدة، صادقة، متواضعة، من ممثلي الشعب اللبناني، تغلب، عددا وعدّة، الفريق الأنانيّ، المتكبّر، الرافض لخدمة الشعب، وتنزع عنه هالة “الخطوط الحمراء”، وتعمل، معا، هذه النخب الجيدة، كقفير النحل العامل الخالي من الفراش اللعوب، في سبيل تحقيق وحدة الشعب اللبناني المحب والمسالم والمقاوم، وحدة طالما أرادها، عبثا، وتحرّق اشتياقا إليها، وفي سبيل تحقيق ازدهاره وكرامته وعزّه وقوته ومناعته وسعادته.
.