موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

هل تنجح الثورة السلمية بإسقاط دولة المزارع؟

 موسى حسين عباس جنوب لبنان

نظرة في تاريخ لبنان تجعل نجاح الثورة السلمية التي تُسقط دولة المِزارع امر لن يتحقق واليكم تبذة سريعة وموجزة:

1-منذ نشأت التجمعات السكانية في المساحة الجغرافية وفِي مناطق منفصلة سياسيا” ومتواصلة انسانياً بحكم الامر الواقع والتي اطلقوا عليها تسمية “لبنان” ، منذ ذلك التاريخ الموغل في القدم لم يعرف لبنان كياناً سياسياً موحداً بشكل فعلي ليطلق عليه تسمية “دولة” فتعددت الدويلات من الجنوب الى الشمال : دولة صور ودولة صيدا ودولة جبيل او جبل لبنان ودولة طرابلس اما البقاع ففي الغالب كان يتبع لمن يحكم دمشق والجنوب او ما اصطلح على تسميته فيما بعد جبل عامل فكان يخضع لمن يحكم شمال فلسطين . تلك المناطق أقامت دويلاتها المستقلة في حكمها عن جيرانها ، والتاريخ يحدثنا عن الحروب التي كانت تنشأ بينها إما بسبب محاولات كل دويلة منهم التوسع جغرافياً على حساب جيرانها وإما بسب الصراع على النفوذ التجاري . ومن ثم تعرضت تلك الدويلات لغزوات الإمبراطوريات الكبيرة كالفرس والرومان والحثيبن والفراعنة كما دارت الحروب على ارضيها بين تلك الإمبراطوريات وانقسمت فيما بينها بين مؤيدة لذلك المحتل او لنقيضه ، ولا ننكر ان بعض تلك الكيانات كان لها نفوذ تجاري واسع وصل الى شمال وجنوب البحر المتوسط ولكن الصراعات والمؤامرات الداخلية بين الحكام في كل كيان سرعان ما كان يقلب الصورة من مشرقة الى مأساوية كما حدث في مملكة صور بين” أليسا وشقيقها بيغماليون” والذي ادى الى فرار أليسا المعروفة بذكائها ومن ثم إقامتها لدولة في شمال أفريقيا دمرها الرومان فيما بعد وسبوا أهلها بعد حروب طاحنة كان بطلها “هنيبعل القرطاجي” ولا يمكننا ان ننكر انه كانت هناك محاولة لثورات لكنها انتهت أيضاً بمآسي ك”ثورة علاقة” ضد الرومان الذي صك نقوداً خاصة بإمارته كتب عليها:”عزٌ بعد فاقة الأمير علاقة “

2-واذا اختصرنا احداث التاريخ لنصل الى مرحلة الفتح العربي وبعد ان اصبح لبنان خاضعاً لحكم الأمراء العرب المعينين من قبل الخلفاء على ولاية دمشق واستمر هذا الوضع الى حين تشرذم وتفتت الدولة العربية الكبرى وبروز الإمارات المتعددة المتحاربة فيما بينها وبالتالي توزع اللبنانيون في ولائهم بين المتصارعين على النفوذ ، ولما سقطت الإمارات العربية المتناحرة في أيدي الأتراك وأصبح لبنان تابعا لهم قسموه الى ولايات وإمارات أقطعوها للزعماء الموالين لهم فتتالت الحروب والصراعات الداخلية بسبب محاولة التوسع ومد السيطرة بين زعماء تلك الإقطاعات والتي وصلت الى حد تدمير مناطق باكملها كما حدث عند تدمير الأمير فخر الدين ل: “عكار” ونقل حجارة بيوته الى دير القمر في جبل لبنان ولاحقا تمرد فخر الدين امير جبل لبنان على السلطنة العثمانية او هكذا اتهموه لانه سعى لإقامة علاقات مع ” توسكانا ” في إيطاليا وكانت النتيجة إعدامه وكذلك عندما اشتد نفوذ الأمير بشير الشهابي نفوه خارج الجبل وبقي منفياً حتى وفاته . اما ثورة عاميتي”لحفد 1821 وكسروان 1858 ” ضد الإقطاع والأمراء فشلتا لعدم تجاوب ومساندة باقي المناطق لهما والسبب الولاءات الموزعة بين السياسيين المتنفذين في ذلك التاريخ .

3-بعد هزيمة الأتراك في الحرب العالمية الأولى واستعمار الفرنسيين لبنان حدثت بضع ثورات او تمردات عليهم بعضها كان امتدادا لثورات السوريين ك: “ثورة ملحم قاسم “في البقاع والبعض الاخر كان ثورة محلية مناطقية ك: “ثورة ادهم خنجر وصادق حمزة ومحمود بزي في جبل عامل ” واعدم الفرنسيون “أدهم خنجر ” عام1925، وكان اعتقاله من منزل “سلطان باشا الأطرش “ومن ثم إعدامه سبباً مباشراً للثورة السورية الكبرى التي قادها “الأمير سلطان باشا الأطرش ” ضد الفرنسيين ولكنها لم تمتد الى لبنان لان اللبنانيين كعادتهم كانوا منقسمين بين ولائهم للمحتل الفرنسي وبين من يريد الوحدة مع سوريا

4-غادر الفرنسيون لبنان عسكريا بعد ان منحوه دستوراً طائفيا بامتياز سعوا في طيات مواده على تقسيم السلطات والمناصب بين الطوائف والمذاهب مع اجحاف بح بحق البعض الامر الذي اسس لنزاعات أدت لحصول ما تعارف اللبنانيون على تسميته ثورة 1958 الفاشلة لانها لم تحقق اَي مكسب لمصلحة وحدة الشعب اللبناني بل كرست هيمنة ما عرف بطبقة ال4% على رقاب الفقراء من جميع الطبقات. اما الحرب الأهلية 1975-1990 فلا يمكن تسميتها ثورة لانها لم تنطلق بأسبابها على أساس انها ثورة بالرغم مما سبقها من الاحداث الأليمة التي وقعت في مدينة صيدا والتي أدت الى استشهاد “المناضل معروف سعد” الذي كان يقود مظاهرة صيادي الأسماك والفقراء ضد شركة “بروتيين” التي كان يمتلكها الرئيس السابق “كميل شمعون” . وانتهت الحرب الأهلية بتعديل شكلي في بعض مواد الدستور فيما عرف “بدستور الطائف” كرست الطائفية والمذهبية وزادت من حدتهما وعمقت الشرخ بين اللبنانيين مما ادى الى بروز زعماء طوائفيون تحكموا اكثر برقاب طوائفهم وهيمنوا على المؤسسات الرسمية وتوزعوا المكاسب فيما بينهم واذا اختلفوا فعلى تقاسم النفوذ في الوزارات والإدارات واذا حدث واشتد الخلاف يحرض كل زعيم جماعته ضد جماعة الاخر . واذا حاول احد ما او طرف ما ان يحرض عامة الناس على النزول الى الشارع للتظاهر والمطالبة بقيام دولة فعلية وانهاء عهد المزارع دفع الزعماء بأزلامهم للمشاركة وطرح شعارات تهدف لحرف المطالب عن مضمونها وربما تحويلها ضد فئة معينة وهكذا يفشلونها.

5- بناء عليه لا يمكن نجاح ثورة سلمية في لبنان تطيح بدولة المزارع اذا لم تتوفر لها قيادة وطنية وحكيمة بكل معنى الكلمة يثق فيها ويتقبلها غالبية المواطنين وهذا صعب التحقق في المدى المنظور والى أن يأت ذلك الزمن سيستمر لبنان مجموعة مزارع يتحكم فيها ذئاب كاسرة لا رادع لها وهذا ما يهدد باستمرار بانفجار ربما يؤدي الى نشوب حرب أهلية جديدة لا سمح الله.