موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

خَصلات الذرى… بقلم عبد الحميد بن هني

أحمد ابن البادية، اخ يتوسط شقيقتيه الكبرى فاطمة زوجة ابن العم  عيسى والصغرى العزباء وردية، يتامىالاب، الذي أورثهم  قطعة ارض ليقتاتوا منها ومصدر الدخل الوحيد للأسرة، لكن احمد لم يرضى يوما عن حياته كفلاح بسيط، فلكانت بارت الأرض لولى عيسىو حرصه الشديد على الحرث والزرع و أمور الماشيةبحكم تجاور قطعتي الارض باعتبارها ارث العائلة الكبرى كما التزام القرابة و المصاهرة يحتمان عليه لعب دور الشقيق الأكبر في حياة أحمد. فلطالما أحثه على الاهتمام بأرضه و شحذ همّته في حين كان أحمد يبادره في جل الأحيان بتذمره الدائم و المخيب مما لا يترك سبيلا لعيسى غير الزجر و الارغام، فكل مرة يصحبه الى المدينة  لأجل اقتناء الاسمدة وبيع المحاصيل كانت تنتهي بشبه عراك بينهما ، جراء شغف احمد ببهرجة المدينة فكل من الزحام ،المقاهي و المحلات …..تغيَب عقله تاركا عيسى وحده يباشر معاملات البيع والشراء.وفي اخر خرجة زادت حدة الجدل بينهما ولم يعد احمد يرضخ في النهاية ككل مرة ،بل بادر الصراخ في وجه عيسى قائلا : ما دخلك في حياتي اتركني اعش كما يحلو لي انت لست وصي علي. وقد اضمر في قلبه قرار الرحيل وترك البادية. وفعلا بعد عودته جمع اغراضه وثمن المحصول كاملا لم يترك لأخته وامه شيء وغادر في عتمة الليل كما لو كان يقول: انا ذاهب بلا رجعة. والغريب في الامر كانت وجهته العاصمة لأول مرة كهروب من اي التزام. و فعلا وصل مع الساعات الاولى للنهار . الذي استهله بالمشي بلا عنوان في ذهول تام لم يفق منه الا في وقت الذي شارفت ساعات النهار على الانقضاء ليخلد في النوم بإحدى الفنادق الكبرى وظل على هذا الحال لأيام لكن سرعان ما نفذ ماله واضطر الى ايجاد مصدر رزق لكن لم يرغب احد في تشغيله فهو لا يحسن غير امور الارض فيجد نفسه مرغم على العمل في ورشات البناء كمساعد بناء وسط صيحات الصخرية والاستهزاء لأنه لم يعتد على مثل هذا الشغل الشاق والمرهق فكل تنهيدة اعياء يتذكر عيسى وكيف كان يقاسمه تعب الارض ….لم يطل الامر بأحمد ليزيد الامر سوء بعد تورم يديه جراء الاسمنت فيتذكر ليونة الطين في قريته ،ويبدا في التفكير بالعودة لكن خجله   من خيبته وقف عائق امامه لم يقوي على العودة ومواجهة اسرته...وليكون الامر اسوء يفقد احمد تركيزه جراء التعب الجسدي والارهاق النفسي فيسقط و يؤذي كاحله فيعجز عن العمل ويطرد لينتهي به الوضع مجرد متشرد بإحدى ساحات العاصمة يرتجي ثمن التذكرة ليعود الى القرية فقد ضاق ذرعا من جوعه وتعبه و…احمد وهو جالس على كرسي الحديقة البارد يتفاجأ ببوق سيارة فخمة ليرفع راسه متبعا مصدر الصوت فيلمح فتاة تلوح بيدها تطلب اقترابه نحوها ليخطو مهرولا صوبها  ليقف مفتون بجمالها مجنون بخصلات شعرها الذهبية كما لو كانت خصلات الذرى الحريرية ..كانت سهام، لم يدرك وقتها انها ستقلب حياته راس على عقب . اخذ احمد وقت ليستوعب  صوتها الخافت والناعم وهي تقول : انا فتات كنت مغتربة وضيعت عنوان احدى صديقات الطفولة بعدما غيرت اسرتها محل اقامتهم وانت تبدو ابن بلد فهل تعرف اين يقطن آل المخدوع. كان ذلك لقب صديقتها المزعومة ليرد  عليها احمد بحكايته البائسة ويعتذر عن جهله بالعنوان ،فتبدي له سهام رغبتها بمساعدتها بقيمة التذكرة وتفتح حقيبتها وتصرخ: لقد حملت الحقيبة الفارغة لكن لا عليك اركب معي سأصحبك معي وامنحك النقود .ركب احمد السيارة وهو منبهر، لم يستدعي الامر وقت لأي تفكير منه فهو لا يملك اي بديل عن جوعه وحالته المزرية .جلس أحمد بطريقة غريبة جنب الفتاة التي قالت له :استرخي لما تجلس هكذا فيجبها وقد احمرت وجنتاه خجلا اخشى ان اوسخ المقعد ،لترد :لا عليك وتبتسم . تعالت سنفونية الجوع من بطن احمد التي اشتاقت  الطعام ….كانت سهام تقطن فيلا فخمة بالضاحية، سرعان ما وصلا اليها  وطلبت من احمد الترجل من السيارة بعبارات ساحرة ومن بين كلامها : اذا كنت ترغب في الاستحمام وبعض الطعام فلا تحرج ،تحتوي الفيلا على ملحق مخصصة للحارس وهو غير متواجد يمكنك الدخول اليها والانتظار ريثما احضر لك ملابس نظيفة، لحسن حظك مقاس ابي يناسبك .دخلت البنت الفيلا لتعد بملابس شبه جديدة  وطعام لذيذ .وتركت احمد ليستحم ويشبع … وبعد ان تهيأ للرحيل  وبحوزته اخيرا ثمن التذكرة ،توقفه سهام مخاطبة : نحن نحتاج لحارس فان كنت ترغب في العرض سأقترحك على ابي لكن انتظر عودته في ملحق الفيلا فهو مسافر وسوف يعود بعد ثلاثة ايام وهو شخص كريم سيعطيك اجر جيد . قبل احمد علي الفور فهذا بمثابة حل لكل مشاكله وبات في الملحق يتقلب في فراشه وهو يلعن في عيسى ويقوللنفسه: كنت محقا في تركي القرية اللعينة . هذا ما جئت من اجله ، يبدو ان الفتاة اعجبت بي…..ليهلع بعد سماعه صيحات سهام الى باب الفيلا ويناديها :ما خطبك فتجيبه وهي تبكي : غدا انا مدعوة لحفلة عيد ميلاد واردت صبغ شعري لهذه المناسبة لكن اللون لم يعجبني لم يستوعب احمد تفاهة الامر لكن علل لنفسه : بناة العاصمة غير بناة القرية .ورجع ليخلد للنوم و التمني .وفي الصباح افاق وقد حضرت له سهام الفطور و احضرت معها طقم ملابس فاخر قالت انه لأبيها جائه هدية ولم يعجبه، البسه عوض تكديسه في الخزانة بينما ذهبت تجهز نفسها للخروج والغريب في الامر ارتدائها شعر مستعار مجعد ونظارات تخفي جل وجها وعرضت عليه ان يسحبها لاقتناء هدية لحفلة المساء. فوافق المسكين وابدي عن فضوله بخصوص الشعر المستعار لتجبه ان لون شعرها الجديد لم يرق لها ولا تملك الوقت لتغيره . وقالت بما تنصحني كهدية ليجيب الغبي اذا كان انسان عزيز عليك اقتني له شيء ثمين فتبدي اعجابها بالفكرة وتقصد محل المجوهرات الراقية ،وتختار طقم ثمين وتطلب من البائع تغليفه بشكل جميل وبعد وضعها له في الحقيبة تخرج دفتر الشيكات لكن البائع رفض الشيك : نحن لا نتعامل بها سيدتي .لتجبه لا عليك سأحضر النقود من السيارة وصحبت حقيبتها كما لو انها لم تبالي ليعترض: سيدتي اتركي الطقم واحضري النقود فتجيب منفعلة : تحسبني لصة وزوجي واقف امامك (تقصد احمد و هو يرتدي الطقم المرموق) لم تعره انتباهك، خذ الطقم لم اعد ارغب فيه وقالت هيا حبيبي احمد لنغادر المكان .فيبادر البائع الذي لم يرغب في تضييع صفقة البيع خصوصا ان السيدة قبلت الشراء ولم تفاصل في الثمن قائلا : اسف سيدتي اعتذر لفضاضتي واذا لازم زوجك المحل فبإمكانك احضار النقود والعودة .عاش الدور احمد وقال : اذهبي عزيزتي انا هنا…..لكن سهام غادرة ولم تعد بل من عاد هم افراد الشرطة ليسوقوا احمد لتحقيق ويتبدى ان الفيلا مؤجرة بهوية مزورة والواح ترقيم السيارة كذلك .ويساق المسكين الى القاضي ليصغي لمنطوق حكم السجن ويستمع لأقصى درس في حياته من القاضي :ابني انت  لا تخلوا من شبهة الشريك في الجريمة لكن لو صدقت روايتك انت سخطت على حياتك البسيطة لم تدرك قيمة ما تملك ولم تحرص على من احبك يا ابني كل لما يٌسر له ، لو رضيت بحالك ما كان هذا حالك.