موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

“الجيش الأوروبي”: خلاف داخل الاتحاد حول العلاقة مع أميركا

عبير بسام

في العام 2016 إبان حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما، ابتدأ الجنوح الأوروبي نحو إقامة جيش منفصل عن الحلف الأطلسي ـ الناتو، الأمر الذي وقفت ضده كل من أمريكا وبريطانيا. ومنذ ذلك الوقت وبروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، لم تتراجع عن قرار بناء جيشها. وبحسب ما نشر فقد بدء التحضير السري له منذ العام 2015. ويبدو أن لقرار الاتحاد تداعيات على أوروبا، قرِئَت بعض نتائجها وسيقرأ بعضها الآخر لاحقاً لما لهذا القرار من تأثير على العلاقة ما بين دول الاتحاد الأوروبي من جهة وما بين بريطانيا والولايات المتحدة من جهة أخرى.

إحدى أهم نتائج القرار بإنشاء الجيش الأوروبي كان القرار البريطاني بالخروج من الاتحاد. غير أن إدارة أوباما آنذاك لم تكن ترغب بالدفع نحو انفصال بريطانيا عنه، في حين أن ترامب كان يدفع نحو انسحاب المملكة المتحدة حتى قبل انتخابه. ويبدو أن هذا الفصل ما بين المملكة وبين أوروبا له أسباب قوية لدى الولايات المتحدة: الأول، هو عزل قوة بريطانيا العسكرية عن أوروبا، والثاني، فرض حواجز جمركية بين المملكة المتحدة وأوروبا حتى لا تستطيع البضائع الأوروبية منافسة البضائع الأميركية بسبب القيود الجمركية التي ستفرض عليها. والثالث، ليّ ذراع الدول الأوروبية من أجل دفع ديونها المتأخرة لحلف الأطلسي. هذا مع العلم أن الحلف يؤمن الحماية العسكرية لأوروبا منذ العام 1949.
وبناء عليه، ابتدأت المحادثات ما بين بريطانيا ودول الاتحاد من أجل وضع اتفاقية لجدولة خروج بريطانيا من “البريكست”.  غير أن ما يعرقل هذا الخروج هو قرار اسكتلندا بالخروج من المملكة المتحدة والبقاء في الاتحاد الأوروبي، وعدم قبول ايرلندا الشمالية بالعودة إلى فرض الإجراءات الجمركية بينها وبين جمهورية ايرلندا. مع أن بريطانيا تدعي أن أحد أسباب القرار بالانسحاب هو السيطرة على عدد المهاجرين المتدفقين إليها عبر أوروبا، وخفض عديدهم إلى 100 ألف سنوياً واستقبال المهاجرين ذوي المهارات والكفاءات حصرياً.

هذا وارتبطت التصريحات التي أطلقها ترامب في اجتماع قمة الناتو في العام 2018 بمطالبة الدول الأوروبية بزيادة ميزانية الحلف. وقد رأت الدول الأوروبية في تصريحات ترامب تهديداً بالخروج من الحلف الأطلسي. غير أن اتخاذ القرار البريطاني بالخروج من الاتحاد سبق ذلك بعامين، بحسب مقال لباتريك تاكر في العام 2016 على موقع (defense one)، وبناء على تصريحات أطلقها رجال أمن ومخابرات بريطانيون، والذين اعتبروا أن الرغبة الأوروبية تندرج في إطار محاولات بروكسل للسيطرة على الجيش الريطاني وتأتي تعبيراً عن “الغطرسة الأوروبية”، كما أن تشكيل جيش كهذا سيحرم بريطانيا من استقلالية قرارها السيادي لصالح الاتحاد الأوروبي. وهذا ما صرح به اللورد تشارلز غوفري (2016)، أحد قادة الأمن القومي السابقين. كما أشار العضو السابق في لجنة المخابرات البريطانية رتشارد كامب، في العام نفسه، إلى أن إنشاء جيش أوروبي يعبر عن رغبة بروكسل ـ بوصفها مركز الاتحاد الأوروبي ـ من أجل وضع جيوش أوروبا تحت إمرتها مما سيحرم بريطانيا من حقها في الدفاع عن نفسها. كما أشار البعض إلى أن الجيش الأوروبي “سيضعضع العلاقة الإستراتيجية مع أميركا”، وبحسب الغارديان، فقد حذر وزير الدفاع البريطاني السابق ليام فوكس من نوايا أوروبا الدفاعية معتبراً أنها “أوهام خطيرة”، لأنها تهدد بقطع العلاقات ما بين بريطانيا والولايات المتحدة التي وصفها بأنها “اقرب وأقوى حليف لنا [أي لبريطانيا]”.

إن القضية المتعلقة بالجيش الأوروبي كانت سبب الأزمة الرئيسية ما بين بريطانيا وباقي أفراد الاتحاد الأوروبي. فأوروبا من ناحية ترى أن هناك حاجة ماسة لبناء جيشها، في وقت تطالب به أمريكا بدفع المتأخرات الأوروبية في تمويل الحلف الأطلسي. وترى أوروبا أن القرار السياسي والحاسم في تحريك الناتو من أجل حماية أمنها ومصالحها مرتبط بالقرارات والمصالح الأميركية المتوافقة مع المصلحة البريطانية.

وبحسب التلغراف فإن هناك خوفاً حقيقياً من أن يحتل الجيش الأوروبي مكان الناتو، وأن الأجندة قد أعدت وأطلقت لبنائه منذ العام 2016. وأما الإعلان الذي قام به كل من رئيسة وزراء ألمانيا أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوجوب تشكيل جيش أوروبي من أجل حماية القارة الأوروبية من روسيا والصين والولايات المتحدة في أواخر العام الماضي، فهو ينبئ بجدية الخطوة، التي ترى فيها أوروبا خطوة ضرورية من أجل حمايتها، خصوصاً بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد الانتخابات الأميركية بأن أوروبا لا يمكنها أن تعتمد على أمريكا في الدفاع عنها. دفعت هذه التصريحات ماكرون للإعلان أن ترامب قد تخلى عن اتفاقية نزع السلاح التي وقعت في العام 1980، واعتبر أن الضحية لذلك هو أوروبا وأمنها.

من الواضح أن كلّاً من الأوروبيين والأميركيين يهولون من حجم الخطر الأمني لأن كلّاً منهم لديه أهدافه. فالأوروبيون يريدون جيشاً خاصاً بهم يكون على جهوزية عالية وخصوصاً في حماية الشواطئ التي أدخلت أعداداً هائلة من المهاجرين، وثانياً: إعلان الاستقلال الأمني عن الولايات المتحدة. وأما الولايات المتحدة فهي تفضل بقاء هذا الأمن مناطاً بقواتها والتي يمكن استخدامها كقوة ضغط على أي قرار أوروبي مستقل، وخصوصاً بعدما اتخذ الاتحاد الأوروبي مجموعة من القرارات المتباينة مع القرار الأميركي ومنها: عدم إلغاء الاتفاق النووي مع إيران وبناء خط الغاز الشمالي لاستيراد الغاز من روسيا، القراران اللذان أغضبا إدارة نتنياهو وترامب على حد سواء. ومن جهة ثانية، وبحسب التلغراف، فإن هناك كلاماً عن أن الأوروبيين في صدد قيام اتحاد فيدرالي من أجل إعلان الولايات المتحدة الأوروبية والتي ستكون بحاجة إلى جيش موحد لحماية الدولة الجديدة، وهذا ما صرح به جيفري فان أوردن، عضو مجلس النواب البريطاني عن حزب المحافظين. وهذا ما اعتبره نايجل فاراج، البريطاني، والعضو في البرلمان الأوروبي: “عسكرة امبراطورية الاتحاد الأوروبي”.

وأما النقطة الأخيرة الهامة المرتبطة ببناء الجيش الأوروبي فهي تتعلق بمصلحة ألمانيا، التي يعاني جيشها من ضعف وسوء التجهيزات العسكرية. وهذا ما تحدثت به (Spiegel on line)، ومشيرةً إلى متطلبات جاء بها مايك بنس نائب رئيس الولايات المتحدة، ومنها رفع ألمانيا ميزانيتها بنسبة 2%، إضافة إلى 1.2% التي تصرفها حالياً. كان استهداف ألمانيا مقصوداً لأنها ذات الاقتصاد الأفضل في أوروبا. هذا وألمانيا لا تستطيع تصنيع أسلحة متطورة بموجب الحصار العسكري الذي فرضته الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، والذي يمنع ألمانيا من تطوير قدراتها العسكرية. وبالتالي فعليها شراء أسلحتها من أمريكا، وباقي اوروبا. أي أن ترامب كان يحاول التعامل مع ألمانيا بنفس الطريقة التي يتعامل بها مع العربية السعودية. وزير الخارجية الألماني، سيغال جابرييل، كان منتبهاً لهذا الأمر وقال إن علينا أن ننتبه من الوقوع في “دوامة التسليح”. ولم يكتف بذلك وأضاف محذراً من خطر “الطاعة العمياء” لأمريكا مستفزاً بنس بذلك.  كما تحدث موقع (Fortune) عن سوء العلاقة ما بين ماكرون وترامب، الذي غرد مطالباً بخفض الضريبة على النبيذ الأمريكي في فرنسا، كما طالب فرنسا بدفع متوجباتها للناتو ولوح بتهديداته التي أخذها ماكرون على محمل الجد. ولم تحمل تغريدة ترامب، التي ذكرت أن الخطر الألماني على فرنسا هو أكبر من أي خطر آخر، مشيراً بذلك إلى الخطر من بناء جيش أوروبي معها، إلا قلقاً أميركياً من خطوة الاتحاد الأوروبي القادمة.

الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي بعد إطلاق المقترح بتشكيل جيش خاص به، لم يكن إلا محاولة لمحاصرة القرار الأوروبي من قبل الأميركيين وبالتالي البريطانيين، بهدف إعادة إحكام السيطرة على أوروبا. وعليه يمكن قراءة الخروج الأميركي من سوريا على أنه امتحان للأوروبيين وللفرنسيين من خلال تركهم منفردين في المواجهة بعد احتدام الخلاف فيما بينهم، بسبب المتوجبات المالية التي تدين بها 23 دولة أوروبية للحلف الأطلسي ومنها فرنسا. وإن الإصرار الأوروبي على بناء جيش خاص يمنح أوروبا الثقة بقدرتها على الدفاع عن نفسها يدل على تنامي الشهية الأوروبية من جديد من أجل إطلاق العنان لبناء امبراطوريات استعمارية جديدة لم تستطع الدول الأوروبية الوصول إليها من خلال التحالفات العسكرية، التي انطلقت تحت مسمى الحرب على الإرهاب. وفي كل الأحوال يبدو أن الخلافات الأوروبية الأميركية تتجه اليوم نحو التصعيد.