موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

كيف يندم المرء على أنه جُبِلَ على الحب، على الذوبان في ذات مَن يحب؟

 

زهرة الظاهري

 

 

ضجيج بداخلي، وهذا الهدوء المستراب من حولي يبعثر الحيز المُتبقي من المسافة العالِقة بين وجهي الحقيقة المُتقلّبة في كل آن. لا صخب هنا، وحده الصمت يُطبق على المكان غير أن الضجيج بداخلي.

 
 

يحدث أن أصنع لي طقوساً لوحدتي. أنا وأنا، لا ثالث لنا. نستمتع بصمت المكان ونسترقّ السمع لجعجعة الصوت الصادرة من داخلي. لا أعرف ما إذا كنت أُشاكس الزمن أمْ هو مَن يشاغبني. أليس كل صباح هو إعلان يوم جديد؟ ما لي أرى الصبح خالياً من الحياة؟

أزيل الغطاء عني. أتمطى. أداعب خصلات شعري. أجلس على حافة السرير. أتأمل وجهي في المرآة المقابلة. أركّز على عيني، بعيني تكمُن كل أسراري الداخلية التي أُداريها عنهم وحتى عني. أشيح بالنظر عني خوف أن أستنهض ألَمي فأبدأ بالبكاء. لا أريد أن أبكي الآن. مازال وقت البكاء لم يحن بعد.

أنتفض واقفة. أرتدي ثيابي المُلقاة على حافّةِ السرير على عَجَل. أُعجَّل بفتح النافذة وأتنفّس بعمقٍ وأنا أتأمَّل الكون المُتحرّك على مَهْل. في الخارج يُخيِّم الهدوء. الفوران فقط في داخلي. متى تهدأ هذه الروح وتستكين؟

أسأل نفسي على عَجَل أيضاً، ولا أنتظر جواباً.

أذهب لإعداد فنجان من القهوة أشربه على مَهْلٍ على إيقاع صوت فيروز  “يا جبل البعيد خلفك حبايبنا”. أتحسّس وجعاً بداخلي. أتذوّقه في مرارة القهوة. أُضيف سكراً للفنجان. بعدها أتأكّد أن في القهوة كمية زائدة من السكر وأن المرارة تنبع من الإحساس بالوحشة ومن تفاعلي مع كلمات الأغنية التي تُحاكي شعوري بألمٍ دفين بداخلي أتهرَّب منه.

لم أنجح في هذه اللحظة في حبْسِ دموعي، للبكاء وقت محدَّد، حين تأزف ساعته فلا شيء يحول دونه. لم أشأ أن ألملم دموعي. انتهزت فرصة كوني لوحدي وبكيت طويلاً حتى شعرت بطعم الملوحة في فمي. تنهّدت. يبدو أني استرحت قليلاً. شيئان لا بدّ منهما لتستقيم الحياة: أن أبكي أو أن أكتب.

لم يحن بعد وقت الكتابة أمام كل هذه الأشياء اليومية التي تنتظرني. حان وقت البكاء فقط. تبعثرني الوحدة الآسنة. تخنقني الجدران. تجتاحني رغبة عارِمة للتنفّس وسط هذا الاختناق. أتسلّل خارجاً. أمشي في الطريق الطويل أترشف طعم الخيبة. ما زال الطريق يتحسّس أثر مطر عابر. المكان الشاغر في قلب الطريق ما زال عاقداً العزم على أن يُحيك خطة التمويه والمواربة. لا أخطاء هنا. لم يعد الطريق موعوداً بالتدنيس والمواعيد الآثمة.  كل الوشاة انتحروا على أبواب التوبة وساروا نحو طريق القيامة.

طُرُق هنا مُتشعبّة المسالك غير أن الطريق الوحيد لكل الأمكنة مرسوم على هشاشة ذاكرة متصدّعة وغُبن حقيقة عارية وركاكة فكرة مُتقلّبة النوايا.

لن يكون المسير سهلاً. ستكون لكل طريق حكاية ولكل حكاية نوبتها من الاستياء. أُعَجِّل بخطاي المارة على وهن الحقائق الخاطئة ولا أتّكل إلى ظلّي الفار من روزنامة خطاياي. يشاغبني طيفك الذي لايفارقني. أستحضره وألقي عليه بعبء عتابي الذي لا يليق بغرورك: “ما أحوال الأيام الآن وأنا في الركن المنسي لحياتك؟ هل يجيئك الصباح بأكثر طلاقة وتشرق الشمس من الوجهة المواتية لمزاجك؟ وما طعم القهوة بفنجانك، أتراها ازدادت حلاوتها دونما سكر؟

والشوارع الميتة في حضوري المستراب أظنها تهيّأت للحياة وطاب بها المقام. والضجيج الذي كنت تحبه هروباً من كلام بلا معنى أظّنه ما عاد يستهويك بعد أن حلّ عليك صمتي فأصبحت تستسيغ كل لغات العالم الخالية من لغوي. والليل صانع الهموم ومقلّب المواجع، ألم يعد يأتيك  بأكثر استكانة بعد أن هجَرك طيفي فصرت تنعم بنومٍ خالٍ من الكوابيس؟

عمت صباحاً وعمت مساء وطابت أيامك ولياليك. لك نصيبك من الحياة ولي نصيبي من ذكراك. لا تخش عليّ. لم أمت. ما زلت على قيد نصف الحياة ونصف الألم ونصف الزمن المُنتصف إلى جزءين. جزء يلهو بجسدي الميت وجزء يسمو بروحي الخارِقة للكون. لن يكون الانشقاق هيّناً عليَّ. سيحدث وأن ينشطر رأسي إلى نصفين وتتشظّى كينونتي ويغيب عقلي إلى حين. سأعاني كثيراً من الشيزوفرانيا. أحياناً أجلد ذاتي وأحياناً أشفق عليها.

أعود منكسرة إلى ذاتي. أحوط نفسي بذراعي المُنكسرين. أبكي. لن أبكي. سألجم صوتي وأحبس دمعي. لا شيء يستحق أن تمطر عيني لأجله.

بكل قواي الخفيّة سأتلقفني مجدداً من غياهب الحزن الجاثم على صدري. أعود مجدّداً. أقف بقامة مُنتصبة، بثقة مُتجدّدة بنفسي التي ما زالت منكسرة.

لن أتّكل على الحظ ولا على الأصدقاء ولا على الزمن الكفيل بمُداواة الجراح. وحدي أنا كنت المسؤولة عما حصل لي. لا أحد أجبرني على المُضيّ في طريق كنت أعلم منذ البدء أنه يسير  صوب الهاوية. لم يكن حَمْقاً ولاغباء ما بي. كان شيئا شبيهاً بتنويم مغناطيسي. كنت أراني على قاب قوس من الهلاك وكنت أرنو إلى الموت مُبتسمة. لم يكن ضعفاً. كانت قوّة خارقة في داخلي مستمدّة من صدقي المُفرط ومن قِيَم الإنسان بداخلي.

هل ندمت؟ أسأل نفسي. لا أنتظر أن أفكّر بالأمر، أجيب تلقائياً: لا. كيف يندم المرء على أنه جُبِلَ على الحب، على الوفاء، على الإيثار، على الذوبان في ذات مَن يحب؟ وماذا جنيت من كل ذلك؟ أسأل نفسي مُجدّداً.

أُفكِّر هذه المرة، لم يأت الجواب تلقائياً. أغمض عيني. تتشكّل كل الأحداث برأسي. تتجمّع كلها بلحظةٍ واحدة. لحظات السعادة القصوى ولحظات الحزن المر، ولأن لحظة السعادة أقصر من أن يكون لها عُمر فلم يعد لها أثر في ذاكرتي أمام الكمّ الهائل من أحزاني المُتراكِمة.

ماذا جنيت من كل هذا؟ يعاودني السؤال مرة أخرى. لا شيء إطلاقاً سوى ضربات متتالية قصمت ظهري. نعم، لكنها لم تشلّ حركتي وها أنذا مازلت على قيد الوجود مرفوعة الرأس لأني لم أكن يوماً خائنة لمبادئي.

 

 

ضجيج بداخلي، وهذا الهدوء المستراب من حولي يبعثر الحيز المُتبقي من المسافة العالِقة بين وجهي الحقيقة المُتقلّبة في كل آن. لا صخب هنا، وحده الصمت يُطبق على المكان غير أن الضجيج بداخلي.

يحدث أن أصنع لي طقوساً لوحدتي. أنا وأنا، لا ثالث لنا. نستمتع بصمت المكان ونسترقّ السمع لجعجعة الصوت الصادرة من داخلي. لا أعرف ما إذا كنت أُشاكس الزمن أمْ هو مَن يشاغبني. أليس كل صباح هو إعلان يوم جديد؟ ما لي أرى الصبح خالياً من الحياة؟

أزيل الغطاء عني. أتمطى. أداعب خصلات شعري. أجلس على حافة السرير. أتأمل وجهي في المرآة المقابلة. أركّز على عيني، بعيني تكمُن كل أسراري الداخلية التي أُداريها عنهم وحتى عني. أشيح بالنظر عني خوف أن أستنهض ألَمي فأبدأ بالبكاء. لا أريد أن أبكي الآن. مازال وقت البكاء لم يحن بعد.

أنتفض واقفة. أرتدي ثيابي المُلقاة على حافّةِ السرير على عَجَل. أُعجَّل بفتح النافذة وأتنفّس بعمقٍ وأنا أتأمَّل الكون المُتحرّك على مَهْل. في الخارج يُخيِّم الهدوء. الفوران فقط في داخلي. متى تهدأ هذه الروح وتستكين؟

أسأل نفسي على عَجَل أيضاً، ولا أنتظر جواباً.

أذهب لإعداد فنجان من القهوة أشربه على مَهْلٍ على إيقاع صوت فيروز  “يا جبل البعيد خلفك حبايبنا”. أتحسّس وجعاً بداخلي. أتذوّقه في مرارة القهوة. أُضيف سكراً للفنجان. بعدها أتأكّد أن في القهوة كمية زائدة من السكر وأن المرارة تنبع من الإحساس بالوحشة ومن تفاعلي مع كلمات الأغنية التي تُحاكي شعوري بألمٍ دفين بداخلي أتهرَّب منه.

لم أنجح في هذه اللحظة في حبْسِ دموعي، للبكاء وقت محدَّد، حين تأزف ساعته فلا شيء يحول دونه. لم أشأ أن ألملم دموعي. انتهزت فرصة كوني لوحدي وبكيت طويلاً حتى شعرت بطعم الملوحة في فمي. تنهّدت. يبدو أني استرحت قليلاً. شيئان لا بدّ منهما لتستقيم الحياة: أن أبكي أو أن أكتب.

لم يحن بعد وقت الكتابة أمام كل هذه الأشياء اليومية التي تنتظرني. حان وقت البكاء فقط. تبعثرني الوحدة الآسنة. تخنقني الجدران. تجتاحني رغبة عارِمة للتنفّس وسط هذا الاختناق. أتسلّل خارجاً. أمشي في الطريق الطويل أترشف طعم الخيبة. ما زال الطريق يتحسّس أثر مطر عابر. المكان الشاغر في قلب الطريق ما زال عاقداً العزم على أن يُحيك خطة التمويه والمواربة. لا أخطاء هنا. لم يعد الطريق موعوداً بالتدنيس والمواعيد الآثمة.  كل الوشاة انتحروا على أبواب التوبة وساروا نحو طريق القيامة.

طُرُق هنا مُتشعبّة المسالك غير أن الطريق الوحيد لكل الأمكنة مرسوم على هشاشة ذاكرة متصدّعة وغُبن حقيقة عارية وركاكة فكرة مُتقلّبة النوايا.

لن يكون المسير سهلاً. ستكون لكل طريق حكاية ولكل حكاية نوبتها من الاستياء. أُعَجِّل بخطاي المارة على وهن الحقائق الخاطئة ولا أتّكل إلى ظلّي الفار من روزنامة خطاياي. يشاغبني طيفك الذي لايفارقني. أستحضره وألقي عليه بعبء عتابي الذي لا يليق بغرورك: “ما أحوال الأيام الآن وأنا في الركن المنسي لحياتك؟ هل يجيئك الصباح بأكثر طلاقة وتشرق الشمس من الوجهة المواتية لمزاجك؟ وما طعم القهوة بفنجانك، أتراها ازدادت حلاوتها دونما سكر؟

والشوارع الميتة في حضوري المستراب أظنها تهيّأت للحياة وطاب بها المقام. والضجيج الذي كنت تحبه هروباً من كلام بلا معنى أظّنه ما عاد يستهويك بعد أن حلّ عليك صمتي فأصبحت تستسيغ كل لغات العالم الخالية من لغوي. والليل صانع الهموم ومقلّب المواجع، ألم يعد يأتيك  بأكثر استكانة بعد أن هجَرك طيفي فصرت تنعم بنومٍ خالٍ من الكوابيس؟

عمت صباحاً وعمت مساء وطابت أيامك ولياليك. لك نصيبك من الحياة ولي نصيبي من ذكراك. لا تخش عليّ. لم أمت. ما زلت على قيد نصف الحياة ونصف الألم ونصف الزمن المُنتصف إلى جزءين. جزء يلهو بجسدي الميت وجزء يسمو بروحي الخارِقة للكون. لن يكون الانشقاق هيّناً عليَّ. سيحدث وأن ينشطر رأسي إلى نصفين وتتشظّى كينونتي ويغيب عقلي إلى حين. سأعاني كثيراً من الشيزوفرانيا. أحياناً أجلد ذاتي وأحياناً أشفق عليها.

أعود منكسرة إلى ذاتي. أحوط نفسي بذراعي المُنكسرين. أبكي. لن أبكي. سألجم صوتي وأحبس دمعي. لا شيء يستحق أن تمطر عيني لأجله.

بكل قواي الخفيّة سأتلقفني مجدداً من غياهب الحزن الجاثم على صدري. أعود مجدّداً. أقف بقامة مُنتصبة، بثقة مُتجدّدة بنفسي التي ما زالت منكسرة.

لن أتّكل على الحظ ولا على الأصدقاء ولا على الزمن الكفيل بمُداواة الجراح. وحدي أنا كنت المسؤولة عما حصل لي. لا أحد أجبرني على المُضيّ في طريق كنت أعلم منذ البدء أنه يسير  صوب الهاوية. لم يكن حَمْقاً ولاغباء ما بي. كان شيئا شبيهاً بتنويم مغناطيسي. كنت أراني على قاب قوس من الهلاك وكنت أرنو إلى الموت مُبتسمة. لم يكن ضعفاً. كانت قوّة خارقة في داخلي مستمدّة من صدقي المُفرط ومن قِيَم الإنسان بداخلي.

هل ندمت؟ أسأل نفسي. لا أنتظر أن أفكّر بالأمر، أجيب تلقائياً: لا. كيف يندم المرء على أنه جُبِلَ على الحب، على الوفاء، على الإيثار، على الذوبان في ذات مَن يحب؟ وماذا جنيت من كل ذلك؟ أسأل نفسي مُجدّداً.

أُفكِّر هذه المرة، لم يأت الجواب تلقائياً. أغمض عيني. تتشكّل كل الأحداث برأسي. تتجمّع كلها بلحظةٍ واحدة. لحظات السعادة القصوى ولحظات الحزن المر، ولأن لحظة السعادة أقصر من أن يكون لها عُمر فلم يعد لها أثر في ذاكرتي أمام الكمّ الهائل من أحزاني المُتراكِمة.

ماذا جنيت من كل هذا؟ يعاودني السؤال مرة أخرى. لا شيء إطلاقاً سوى ضربات متتالية قصمت ظهري. نعم، لكنها لم تشلّ حركتي وها أنذا مازلت على قيد الوجود مرفوعة الرأس لأني لم أكن يوماً خائنة لمبادئي.

المصدر:  الميادين نت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النهضة موقع عربي إخباري ثقافي إقتصادي, يهتم بقضايا الإنسان العادلة وينتصر لها بأي أرض وميدان كانت, ننشد النهضة لشعوبنا بعدما استوطنت أمية الحرف والفكر فيها وتم إستلاب وعيها, النهضة هي منبر لكل فكر حر يسعى للتنوير ولنشر المعرفة المنشودة لإستعادة الوعي الجمعيِ العربيِ المسلوب.

Copyright © 2018 Alnahda News

Powered BY

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com