موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

أنْ تكون الرواية بحد ذاتها جريمة!!

بقلم: صالح أبو عزة.

 

كان واضحاً منذ البداية تورّط السعودية باغتيال الكاتب الصحفي جمال خاشقجي. جميع الوقائع والدلائل منذ دخول خاشقجي في الثاني من أكتوبر قنصلية بلاده في إسطنبول تُشير أنَّ السعودية أقدمت على ارتكاب جريمتها دونَ أيّ نقص في أيِّ ركنٍ من أركان هذه الجريمة، وما كان الجميع ينتظره حقاً هو أنْ تتبنى المملكة السعودية هذه الجريمة بشكل رسمي، وأنْ تُعطي للجمهور جواباً حول روايتها لعملية مقتله وكيفيتها، وما مصير جثة المغدور؟!

الإرتباك السعودي كانَ واضحاً أيضاً، كان هنالك قرارٌ بتنفيذ عملية الاغتيال، وتحديد مكانه وزمانه، إلا أنّه كان يَنقُص أصحاب القرار وضع سيناريو مقبول ومحبوك ومُعَد سلفاً يتم الترويج له منذ اللحظات الأولى لتنفيذ العملية ونجاحها، وتبنيه والتعاطي معه على كافة المستويات لامتصاص ردات الفعل الإقليمية والدولية، والتخفيف من وطأتها وحدتها. العملية كانت ارتجالية أكثر من كونها مهنية متينة، لم تكن خياراً مدروساً بعناية. لعلّ ما شجّع صاحب القرار السعودي هو استغلال توتر العلاقات التركية الأمريكية ووصولها إلى مستوى فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية على تركيا، وانشغال ترامب والإدارة الأمريكية والكونغرس في ذات الوقت بالانتخابات النصفية، مما يدفع الطرفان إلى محاولة تجاوز الأمر نكايةً بالطرف الآخر، ومحاولة كل طرف منع الطرف الآخر من تحقيق أية مكاسب، مما يجعل السعودية تنجو بفعلتها بأقل الخسائر الممكنة.

استطاعت تركيا أنْ تستفيد من هذه الجريمة، وأحسَنَ أردوغان اغتنام الفرصة التي أتته على طبقٍ من ذهب. تم الإفراج عن القس الأمريكي برانسون في غضون عشرة أيام بقرار صوري من المحكمة التركية، ونزل أردوغان عن الشجرة سريعاً بعدما كان يتبجّح في كل لقاء بأنه لن يتم الإفراج عن إرهابي مشارك بالإنقلاب مهما تصاعدت حدة العقوبات، ودخل في طور التحدي الشخصي لترامب، على الرغم من أنّ الأخير كان يصرّح دائماً أنه على ثقة من أنّ أنقرة سوف تفرج عن القس دون أي شروط!! مضت قضية الإفراج عن برانسون دون أي ضجيج، مع أنها كانت أُس فرض العقوبات الأمريكية على تركيا، ولكنها اللحظة الذهبية والفرصة السانحة ليتنفّس أردوغان الصعداء، وينتقل إلى مرحلة أخرى لبدء عملية تحسين العلاقات مع واشنطن من جديد، ومحاولة إيقاف العقوبات الأمريكية، وإنقاذ الليرة التركية من التدهور المستمر.

تأرجحت مكاسب الإدارة الأمريكية من عملية الاغتيال. استغل الجمهوريون والديموقراطيون الحادثة لإشباع العالم حديثاً عن الديموقراطية وحقوق الإنسان وحماية الصحفيين والعُزّل، وأصبحت مادة دسمة لنواب الكونغرس في التنظير أمام الجمهور الأمريكي أنّ الولايات المتحدة ما زالت ترعى العالم الحر، وأنها حامية المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة، وأنّ كلَّ فريق سوف يعمل في حال فوزه على زيادة رعاية حقوق الإنسان، والحفاظ على هذه الحقوق، وعدم السماح لأي دولة أو كيان أو حزب أو فرد بمخالفتها أو تهديدها وعدم الإلتزام بها. أما ترامب فكان التاجر الحاذق الذي يريد أنْ يجمع التناقضات جميعها بما يعود عليه وبلاده بالمكاسب السياسية والاقتصادية معاً، وخلاصة نظرية ترامب بأنّه قد يعمد إلى فرض عقوبات على السعودية دون المساس بأي مصالح أمريكية مطلقاً!! لنْ تخسر الولايات المتحدة صفقات السلاح الأمريكية، ولن يفقد ستمائة ألف مواطن أمريكي وظيفته، لن ترتفع أسعار النفط، وستبقى الأسواق السعودية متاحة للبضائع الأمريكية. باختصار استطاع ترامب كسب ود الناخب الأمريكي بالحفاظ على وظيفته وماله وجيبه!!

كان لا بد للملك سلمان أنْ يتدخل في الوقت المناسب بعدما أخفق ابنه المدلل ومستشاريه والديوان الملكي من تجاوز آثار الجريمة، والتي تزيد حدتها يوماً بعد يوم، وتمتد أصابع الإتهام إلى ولي عهده بشكل مباشر، وأنّ الثمن المطلوب عرش ابنه ورأسه!! لم يستطع ابن سلمان أنْ يضع الثمن المناسب لإنقاذ نفسه أولاً وأخيراً، وفي كل يوم يخرج نائب أمريكي جديد للحديث عن تهوّره وجنونه وعدم صلاحيته للمُلْك ووراثة العرش، وفي كل يوم تزداد التسريبات التركية في الفضاءات الإعلامية، مما جعل من كل رواية سعودية جديدة تبدو أسخف من سابقتها!! اتصل الملك سلمان بأردوغان ووضع بين يديه ثمناً مناسباً، وقبلها كان بومبيو يستمع للملك وابنه بضرورة وقوف واشنطن معها وسيكون هنالك رواية تُطرح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه!!

بعد منتصف الليل وكعادة الأوامر الملكية التي تعوّدنا عليها منذ ثلاثة سنوات أن يتم الإعلان عنها بأوقات متأخرة ليلاً، تخرج الرواية الرسمية السعودية للعلن أنّ خاشقجي تشاجر مع مجموعة من الذين استجوبوه في القنصلية، تطوّر الأمر إلى الإشتباك بالأيدي، وكانت النتيجة وفاته!! قبل أيام كان ضاحي خلفان مدير شرطة دبي السابق يضع هذا السيناريو في تغريدة على حسابه في تويتر، ظنّ البعض أنها إحدى تخريفاته كالعادة، إلا أنّ المفاجأة كانت أنّ هذه التغريدة هي صميم ما تبنته الرواية السعودية!! الرواية كانت مقتضبة دون أية تفاصيل، مَن قام بالتشاجر معه؟ أين كان القنصل السعودي محمد العتيبي وقت المشاجرة؟ ما دور الخمسة عشر سعودي الذين تواجدوا في القنصلية أثناء تواجد خاشقجي وما سبب تواجدهم أصلاً؟ ما دور سعود القحطاني وأحمد العسيري حتى يتم إقالتهما من منصبهما؟ أين جثة المغدور وكيف تم التخلّص منها؟

جميع هذه الأسئلة تضعنا أمام رواية مهزوزة منذ تبنيها، رواية تشكّل جريمة بحد ذاتها؛ ساذجة لا تراعي أية مشاعر وتَمس الذائقة الإنسانية، وتسْتخف بعقول البشر ولا تحترمهم!! رواية سيئة الصيت والتأليف لا يُرجى منها التوصُّل إلى أية حقيقة ما دام أنها مدفوعة الثمن مُسبقاً!! كِباش الفداء جاهزة، مناصب عليا تطير، وأخرى لزوم الحبكة، دون أي مساس بمحمد بن سلمان صاحب القرار ومُعطي أمر التنفيذ والاغتيال؛ فلا عاقل يمكن إقناعه أنّ أحداً من مستشاريه أو أحد أصحاب النفوذ القريبة منه بإمكانه اتخاذ قرار حول خاشقجي دون إذنٍ منه!! باعتقادي أنّ هذه الرواية رغم كل عيوبها، رغم ضعفها وقلة حيلتها، رغم سخافتها وتفاهتها وسذاجتها، سوف تمضي في سبيلها بعد دفع الثمن كاملاً دون نقصان، وستخبو جميع الأصوات المطالبة بمحاسبة السعودية بعد أنْ يجف الدمُ قليلاً، فالسعودية استطاعت دفع أثمان كل جريمة ارتكبتها منذ تأسيسها، وستدفع ثمن هذه الجريمة التي لن تكون الأخيرة!!

“نُشر هذا المقال في موقع النهضة نيوز اللبناني بتاريخ 20 / 10 / 2018م”