موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

ما أسهل خداعك يا شعب لبنان

إيلي أنطون شويري

لماذا يسهلٌ جدا خداعك أيها الشعب اللبناني؟ لماذا يخدعك زعماؤك الذين أنت اخترتهم ليمثلوك في الحكم، أو بالأحرى هم اختاروا أنفسهم وأقنعوك لتختارهم، وتنصِّبهم زعماء عليك، وخداما لمصالحك؟ فرضوا أنفسهم عليك بقوة إغراء المال، والقرابة العائلية والطائفية والمذهبية، وبقدرتهم الهائلة على الإيحاء لك بأنهم يحبونك ويحترمونك ويحمونك ولا يريدون لك إلا الخير، ولا يهمّهم إلا أن يكونوا دائما طوع أمرك. وأنت، أيها الشعب، قد اقتنعت، في لحظة أبدية من سكرة غرور ووهم، بأنهم ملائكة قد أُنزِلوا من السماء لخدمتك وحراستك.

لماذا سهل إستغباؤك وخداعك أيها الشعب، وأكثر من مرة واحدة، من قبل الأشخاص أنفسهم؟

لماذا لا تتعلم من أخطائك المتكررة؟ لماذا لا تبدأ أن تتعلّم؟ لماذا لا تخطو خطوتك الأولى على مسافة الألف ميل؟ لماذا لا تغضب؟ لماذا لا تثور؟

لماذا ترفض رفضا عنيدا تغيير نفسك ومحيطك الإنساني، وحياتك التعيسة، بسبب إصرارك الغريب على تقبّل خداع الساسة لك، أو على عدم الإعتراف بأنه خداع، وعلى تفويت فرصة التحرّر من نير الخداع والغدر في صندوق الٌإقتراع أو في الشارع، وعلى الوقوع من جديد في فخّ إعادة انتخابهم في كل دورة إنتخابية رغم أنهم قد فشلوا فشلا ذريعا في مجال خدمتك وصون كرامتك وتحقيق ازدهارك؟

أنت شعب تعتبر نفسك ذكيا وقديرا وناجحا. ولكنك ذكيّ وقدير وناجح فقط خارج وطنك لبنان. لماذا لا تستعمل مواهبك لتغيير وضعك الإجتماعي والسياسي والثقافي والتربوي والإقتصادي في وطنك الأصلي، لبنان، هنا، في الداخل؟ كيف ترضى أيها الشعب الذكيّ بأن تُستغفَل وتُستغبى وتُستغَلّ وتُخدَع، من جيل إلى جيل، من زعمائك الأبديَين ومن زعماء جُدُد من الطينة عينها؟ كيف ترضى بالفشل الدائم، وبالفقر الدائم، وبالذلّ الدائم، وبالهجرة الدائمة لك ولشركاء الوطن؟ وكيف تقبل بأن تكتفي فقط بانتقاد الأوضاع والساسة، وبالشفقة على الناس المغلوبين على أمرهم، وبالقرف من كل شيء، ومأساةُ الشعب المُعدَم، المخدوع، المعذب، مستمرّة، والساسة المخادعون مستمرون بإدارة لعبة الإستعلاء الطبقي والإستغلال السياسي الخبيثة عينها، لزيادة ثرواتهم وعزهم ومجدهم هم وحدهم؟

أما اليوم، وقد تحوّل لبنان بأسره إلى أرض تدرّ نفايات سامة، لا لبنا وعسلا، بسبب ساسة لا يهمّهم من ركوب موجة السياسة إلا تكديس الأمجاد والثروات والممتلكات في كل القارات، وإجراء استثمارات وصفقات وتجرات (بيعُ الوطن وشعب الوطن من ضمنها ومن أهمها)، بإسم مراكزهم وحصانتهم وقوة “حيثيتهم” الشعبية المستوحاة منك، وتكثير السفرات إلى محجات الخارج المالية والسياسية، والبعد عنك، أيها الشعب المخدوع، وأنت من انتخبتهم نوابا عنك في الندوة النيابية ليحكموا باسمك، فتحكّموا بك وظلموك وأذلّوك وأهملوك، وليخدموك، فاستعبدوك ونتفوا ريشك وسلخوا جلدك وأراقوا دماءك ونثروا لحمك على قارعة الطريق، ورموك فريسة لذئاب النهش من كل حدب وصوب، وتنكّروا لتراثك الحضاري والفكري والروحي، ولتضحياتك الغالية في مواجهة شرّ الطامعين وشُذّاذ الآفاق،

أما اليوم، وقد خنقتك وأمرضتك رائحة النفايات وأعمتك الظلمة، أيها الشعب المسكين، السيء الحظ، بعد أن صبرتَ كثيرا وطويلا الصبرَ الكريمَ على روائح نفايات أخلاق من انتخبتهم، وكنت دائما تستر عوراتهم لأسباب “عاطفية”، وكنت، دون أن تدري، شريكا لهم في صنع بؤسك، وفي تراكم الظلمة في سماء الوطن، والنفايات في أرض الوطن بأسره بين مكبّات ومحارق عشوائية،

أفلا تعتقد أن الوقت قد حان أخيرا لتنتفض وتغضب وتصرخ صرخة واحدة، مدوّية: كفى؟! هل تصرخها في وجه من خلق لك التعاسة والذلّ والمرض والموت؟

هل كنت بحاجة إلى مشكلة النفايات والكهرباء وغيرها لتستفيق من نومك العميق؟ ولكن هل تراها تدوم استفاقتك، أم أنك سوف تخدرك وعودُهم الساحرة من جديد، وتعود إلى ظلمة كهف جهلك ونومك المؤنسة؟ عملا بالحكمة القائلة: “ربّ ضارّة نافعة”، عليك أيها الشعب المستفيق من نومك، ألا تعود إليه. أكمل نزع ورقة التين الأخيرة عن عورة الساسة المخادعين، وافضحهم، وعرّهم، واجعلهم يخجلون منك ومن أنفسهم، ولا تفوّت هذه الفرصة الثمينة لتبدأ عملية التحرّر التاريخية من مخالب أصفادهم.

أنت، اليوم، أيها الشعب الذكيّ، المخدوع، تتسمّم من رائحة مزابل النفايات، وهي تلاحقك، ليلا نهارا، مع هموم المعيشة القاتلة، وتتغلغل في بيوتك المعتمة وفي دمك، وأنت تتذاكى على شركاء الوطن، وتتهكّم على الوضع، وتتهم الدولة الحاكمة (السعيدة وحدها في وطن البؤس والحزن)، وترفع صوتك، ولكن ليس ضدّ من تنتخبهم، وأنت وحدك في النهاية تسمع صراخ صوتك، وتتّكل، لحلّ المشكلة، على الساسة الذين هم بدورهم يتذاكون عليك وعلى بعضهم البعض، ويرمون التّهم على بعضهم البعض، ويخادعون، ويكثرون، بلا أية فائدة، من التصريحات والكلام حول اهتمامهم بصحة المواطن وأمنه واستقراره، إلى آخر المعزوفة السمجة، السخيفة، المملّة، وهم يجدون حلولا لمشكلة النفايات والكهرباء وغيرها، ولا يتفقون على أي حلّ. وأنت أيها الشعب تسمع همسا، وتتحدّث علنا عن صفقات تجري في الدهاليز المعتمة بين الساسة النافذين والخبراء بكيفية أكل الكتف وتقاسم الجبنة، حول تلزيم مشروع التخلص من النفايات، أو تأمين الكهرباء. ويُسرّب بعض الإعلام أخبارا ومعلومات تؤيّد حدسك أنت أيها الشعب.

في هذا الجوّ المقرف الذي طال كثيرا، لجأ، عدة مرات، بعض أبنائك الغاضبين إلى حرقها هنا وهناك بشكل عشوائي، غير مدروس، وغير صحّي، ولجأ بعضهم الآخر إلى التظاهر والإحتجاج على فساد الحكم، فضُرَبوا بأعقاب بنادق دولتهم (لا دولة العدوّ) بقسوة وشراسة. واستمرّ الوضع على حاله المأساويّ، ولا أحد راض وسعيد إلا الساسة، محبو التربّع على عروش العظمة، والسكارى الدائمون بالجاه والمال والأحلام الوردية. وكأنهم، في جوّ النفايات الخانق، وجوّ الشعب الفقير المعتم، قد فقدوا ذاكرتهم، وفقدوا حاسّة الشمّ والسمع والبصر والتذوّق والذوق السليم، ولكنهم احتفظوا بحاسّة النطق والثرثرة، وبروحية الكذب والخداع والكيديّة وحب المال، وحسب.

وهل نسيتَ، أيها الشعب الذكيّ المخدوع، مشكلة الديون المتفاقمة، ومشكلة البطالة، والفقر، وغلاء المعيشة، والمياه، وعجقة السير الخانقة كل يوم، والجريمة، والإنتحار، والسرقات، والهجرة، والطبابة، والتلوّث الأخلاقي والبيئي والغذائي، وانعدام الوحدة الوطنية، وحركات الإرهاب والتكفير التي ما تزال تهدِّدُ وجودك بالذات، أنت المنقسم على ذاتك دائما واللاهث، أبدا، وعبثا، وراء زعمائك؟ أم أن زعماءك أنسوك كل هذه المشكلات، وألهوك بمشكلة أزمات الحكم المتكررة وأعداء الداخل الوهميين؟ إن كل المشاكل ليست بنت ساعتها، كما يحاولون إيهامك، بل هي مشاكل خَطَّط لها سلفا، ووقّتها، بدقة مدروسة، بعض الساسة المعروفي النوايا والأهداف، ومن ذوي “الحيثيات الشعبية الوازنة”، الخبراء بفنون الخداع والإبتزاز والصفقات والإنبطاع على أعتاب حكام الخارج، لجلب المال من منابعه الصافية، والذين يُصَفّون البعوضة ويحلبون الجمل، ببرودة أعصاب نادرة وببراءة مدهشة.

حسنا، أيها الشعب الذكيّ، المخدوع.

لديك، دائما، فرصة ذهبية، (وأنت دائما تفوّتها) في صندوق الإقتراع، لردّ اعتبارك، ولتذكير نفسك وتذكير الساسة الذين خدعوك وغدروا بك، بكل المشاكل التي حاكوها لك بأنامل أيديهم السحرية، طيلة سنين حكمهم الطويلة، لأنك سمحت لهم بأن يستغبوك ويخدعوك.

أجل، لديك، دائما، فرصة ذهبية، في صندوق الإقتراع، لِتُذكِّر نفسك ولتذكّرهم بأنك مصدر السلطات، وبأنك تملك حق استرجاع سلطتك من سارقيها، وهم السارقون، وبأنهم خانوا الأمانة وخانوك واستعدوك، واستكبروا وزاغوا، وضلوا السبيل، وتمادوا في غيّهم، وأنّ الأوان قد آنَ لكي تحاسبهم، أنت الشعب مصدر سلطاتهم، على أفعالهم الشنيعة، وتضع حدّا نهائيا لشرورهم المستفحلة، ولمهزلة كذبهم وخداعهم وغرورهم.

حذار ثم حذار أن تعيد، باسم الدين والطائفة والعائلة والعرق والتبعية “التاريخية”، انتخاب من كان سبب تعاستك وفقدان كرامتك وازدهارك.

فهل تفعل؟

أجل ذكّرهم اليوم، لا بصوت خافت، خائف، ولا بكلام لطيف مهذّب لم يعد ينفع، ولا بالشتائم التي لا تنفع أيضا، وهذا ليس من شيمك أيها الشعب الأبيّ، بل ذكّرهم بالثورة البيضاء العارمة، حين يحين الوقت، بالتظاهر المسالم دون توقف ودون هوادة، بتظاهر يجمع كل أبنائك المظلومين، ذكّرهم بأنك موجود وأنك تملك كرامة، وأنهم هم الذين يحاولون دائما سحقها.

فهل تفعل؟

لوِّح، حين يحين الوقت، بقبضاتك القوية المتماسكة في الهواء، أسمعهم هدير صراخ حنجرتك: لقد انتهى عهد الخداع! وأسمعهم هدير وقع أقدامك في الشارع، وأنشد أناشيد الوطن المنسيّة، بنبرة قوية صادقة، وذكّرهم بوجوب احترام تاريخك النضاليّ المأساويّ الطويل، واحترام شهدائك الأبرار، وبوجوب تقديس ذكراهم، وعدم احتقار ونسيان تضحياتهم.

فهل تفعل؟

عطّل، حين يحين الوقت، حياتهم السياسية كما عطّلوا هم حياتك، وكما عطّلوا عمل مؤسّسات دولتك، ونهبوا خزينتك، وسرقوا تعبك، واحتقروا عرق جبينك، وزادوا الضرائب على كاهلك المرهق، ومدّدوا ولايتهم، ورفعوا أجورهم، وداسوا على كرامتك، دون أن يرفّ لهم جفن أو يندى لهم جبين، ولا حسيب ولا رقيب، ولا من يحزنون.

فهل تفعل؟

ذكّرهم بأنك أنت، الشعب، أنت وحدك المَلِكُ، وصاحب المُلك، وبأنك أنت وحدك مصدر السلطات، وبأن صوتك أنت وحدك هو من صوت الله، واجعلهم ينزلون عن عروش كبريائهم، ويتواضعون.

فهل تفعل؟

أيها الشعب اللبناني الأبيّ، الثائر، حان الوقت لتقف وقفة عظيمة واحدة لتمزّق أقنعة الزعماء الفاسدين المخادعين، المنافقين، المتكبرين، وتنفيها إلى مزابل نفايات التاريخ، وتحرقها حتى تصير رمادا، واحرقهم حتى في ذاكرتك ليصيروا هباء منثورا، تنفضه ذاكرتك نفضا عنيفا عنها، وتنبذه نبذا أبديّا، فتتطهّر وتتحرّر حتى من ذكراهم، وترتاح.

فعل تفعل؟

أجل، أيها الشعب الأبيّ الثائر، أعلن، حين يحين الوقت، عصيانك على سجانيك وجلاديك، مزّق وارمِ واحرُق الأقنعة ولابسيها، ومسرح مهازل الزعماء التافهين. إفعل ذلك بقوة الحقّ والخير، وبقوة الإرادة الصلبة الصالحة وحب الحياة، وبقوة التضامن والوحدة والمحبة بين جميع أبنائك، وبقوة الإيمان بنفسك وبكرامتك، وبقيمة وطنك لبنان، وطن الحضارة العريقة والرسالة السامية.

فهل تفعل؟

هل تفعل كل ذلك يا شعب لبنان التعيس وأنت تدّعي السعادة، المقهور والمهزوم وأنت تدعي الغلبة والإنتصار؟

هل تبدأ قريبا جدا، بتفجير كل غضبك وثورتك، بوعي وصمتٍ وهدوءٍ، بابتسامة وفرح ومحبة، في صندوق الإقتراع، وبحسب قانون إنتخابي ينال رضاك وقبولك أولا وأخيرا، لا يكون فخّا لك، يكبّل حريتك في الإختيار، إذْ يفرض عليك تعقيدات لوائح بكامل مرشحيها وتحالفاتها المالية والطائفية العجيبة الغريبة والمؤقتة، مع خدعة وبدعة “صوت تفضيليّ” واحد و”حاصل إنتخابي” هجين، كما حصل في الإنتخابات الأخيرة؟

أجل، لعلها تكون بداية ثورة بيضاء رائعة، مباركة من السماء، تفاجىء الساسة الفاسدين، الماكرين، وتجعلهم يصرخون من الوجع.

إن أنت فعلتها، تستحق، حينئذ، لقب “شعب لبنان العظيم”. إنها فرصتك الوحيدة، والأخيرة، يا شعب لبنان المعذّب، قبلَ أن تلفظَ، إنْ لم تفعلْ، أنفاسَكَ الأخيرَة، وانت نائم في بيتك، أو تصرخ وتلهث، عبثا، في الشوارع.