موقع النهضة نيوز
الخبر بجانبك.

عملية خانيونس واقتدار المقاومة في الإحتواء والإفشال.

صالح أبو عزة – باحث في الشؤون القانونية والسياسية.

منذ اللحظة الأولى للعملية الأمنية شرق خانيونس، والرواية الفلسطينية والصهيونية على حدٍ سواء تتأرجح ما بين عملية اغتيال لقيادي محدد في المقاومة الفلسطينية، أو عملية اختطاف لمحاولة إدخاله إلى الكيان والتحقيق معه والحصول على معلومات هامة إلا أنها أدت بالنهاية إلى اغتياله. هاتان الفرضيتان كانتا الأقرب إلى التصوّر في حينها، وتحليل ما يحدث هناك، وخاصةً بعد إعلان استشهاد نور الدين بركة القيادي البارز في كتائب القسام.

خلال العملية وفي أوج استمرارها صرّح أفيخاي أدرعي الناطق باسم الجيش الصهيوني بأنّ العملية أمنية في قطاع غزة، وقد استخدم مصطلح “أمنية” ولم يقل “عسكرية” وكرر المصطلح أكثر من مرة، وهذا اللافت في الأمر، ومن المعلوم أنّه يتحرى دائماً استخدام المصطلحات العربية الدقيقة خلال تصريحاته. وبعد انتهاء العملية صرّح بأنّ العملية التي نفذتها وحدة خاصة صهيونية لم تكن تهدف لتنفيذ عملية اغتيال أو اختطاف!! وأعقب ذلك تصريح غادي أيزنكوت رئيس أركان الجيش الصهيوني، أنّ الوحدة الخاصة التي اشتبكت مع مسلحين فلسطينيين نفّذت “عملية ذات أهمية كبيرة لأمن إسرائيل”. كما وصرّحت ميري ريغيف وزيرة الثقافة والرياضة الصهيونية “فقدنا الليلة في غزة محارباً كبيراً، متعدّد المهمات، مات خلال تنفيذ عملية مهمة جنوب غزة، ولقد كانت الليلة قاسية علينا، لأن هذا الضابط أسهم بالكثير في أمن إسرائيل”.

ما يؤكد أنّ العملية كانت على درجة عالية من الأهمية ليس تصريحات القيادة العسكرية والسياسية الصهيونية فحسب، بل مغادرة رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو للعاصمة باريس وعودته على وجه السرعة إلى تل أبيب، وتحفّظه على الإجابة حول تساؤلات مطروحة عن العملية، وتأكيد بعض الجهات بأنّ العملية كانت تحت نظر رئيس الوزراء ووزير الحرب ورئيس الأركان، وخاصةً أنّ الوحدة الخاصة التي نفّذت عمليتها في خانيونس تتبع رئيس الأركان مباشرةً في التسلسل الهيكلي.

جهتان على وجه التحديد تعرفان ما حصل في خانيونس، الجهة المنفّذة للعملية الأمنية، وقيادة المقاومة الفلسطينية التي تبسط نفوذها العسكري والأمني في منطقة العملية. بمعنى أنّ الوحدة الخاصة كان أمامها تعليمات أمنية محددة، ربما ارتبطت بحسب توقّعاتنا بتركيب أدوات تجسس عالية الكفاءة إما لمراقبة قيادات من النوع الثقيل للمقاومة أو لمراقبة نشاط يتعلّق بأسرى الاحتلال المحتجزين لدى كتائب القسام. وقد أخذت العملية هذا الطابع السري على مستوى التنفيذ، وإبقاء السرية قائمة رغم انتهاء العملية لارتباطها بمستقبل نتنياهو من جانب، والذي أراد منها تحقيق عملية فائقة النوعية في حال نجاحها لزيادة رصيده في الشارع الصهيوني. ولارتباطها أيضاً بإحدى أهم الوحدات الخاصة السرية، والتي اتسم تاريخها بالعمل النوعي والنظيف في الساحة الفلسطينية والعربية. وأما بالنسبة لقيادة المقاومة فنحن نُرجّح معرفة ماهية هذه العملية، لأنها الأقدر على معرفة الساحة مناط العملية الأمنية، ماذا يوجد هناك؟ مَن يتردد إليها؟ وطبيعة النشاطات المرتبطة بتلك الجغرافيا؟

بصرف النظر عن ذات العملية التي ستبقى محل حديث الكثير من المحللين والإستراتيجيين والخبراء، إلا أنّ ما يجب أنْ يقف عليه المراقب هو فاعلية المقاومة الفلسطينية في التعامل مع الحدث، والتجاوز اللحظي للعملية، والقدرة على التنسيق تحت ضغط النار.

تمكّنت كتائب القسام من اكتشاف الوحدة الخاصة التي بالغت بالتخفي وأخذ الحيطة والحذر، واستطاعت ضبط السيارة التي يتواجد فيها أفراد الوحدة، وبالرغم من مباغتة الوحدة بإطلاق النار على الشهيد بركة ومَن حوله ومحاولتها الهرب، والتدخل السريع للطيران الحربي الذي أطلق أكثر من 40 صاروخاً، لربما خططت المقاومة بالإرتجال وإلقاء القبض عليهم وأخذهم أسرى. ومنذ بداية الاشتباك تم التنسيق مع باقي فصائل العمل المقاوم في المنطقة، وهبّت على الفور مجموعة لألوية الناصر للمساندة، وكانت سرايا القدس قد أعلنت النفير العام بين صفوفها وانتشرت في كافة نقاطها في قطاع غزة وبادرت بإطلاق الصواريخ على مستوطنات غلاف غزة.

هذا التكامل في العمل الميداني يؤكد اقتدار المقاومة الفلسطينية على العمل الدقيق المشترك، وفاعلية الأذرع العسكرية في الدفاع والمواجهة، وإيصال مجموعة من الرسائل الهامة لقادة الكيان الصهيوني، وخاصةً فيما يتعلق بالعمل الميداني المشترك لكتائب القسام وسرايا القدس، بعد أنْ قامت سرايا القدس الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي الأسبوع الماضي بعملية الرد على جرائم الكيان الصهيوني بحق المدنيين في مسيرات العودة وإطلاقها عشرات الصواريخ والقذائف صوب الأرض المحتلة، ومحاولة الكيان زرع الشقاق بين الجهاد الإسلامي وحركة حماس، بتحميل حماس المسؤولية عن تفرّد الجهاد، والغمز بأهداف الجهاد حول رده المفاجئ، وإيجاد شرخ في العلاقة الأخوية بين الحركتين. أما الرسالة الأولى والأخيرة أنّ التقدّم الصهيوني على الأرض والمعاملة البرية الراجلة بحاجة إلى معجزة لا يمتلك الكيان أدواتها على أعتاب غزة.

  • خاص موقع النهضة نيوز.