كشف باحثون عن تقدم جديد في مجال الإلكترونيات العصبية المرنة، وهي فئة مبتكرة من الأجهزة القابلة للتمدد والانحناء تحاكي طريقة عمل الدماغ البشري، مما قد يساهم في تطوير تقنيات أكثر توافقا مع جسم الإنسان مقارنة بالإلكترونيات التقليدية المعتمدة على السيليكون.
ووفقا لمراجعة علمية نُشرت في مجلة International Journal of Extreme Manufacturing، يعمل العلماء على استبدال مكونات الذكاء الاصطناعي الصلبة بأجهزة إلكترونية مرنة تحاكي آليات التعلم العصبي ، الأمر الذي قد يفتح آفاقا جديدة أمام التطبيقات الطبية والأجهزة القابلة للارتداء والأنظمة الذكية المدمجة مع الجسم البشري.
تحديات الإلكترونيات التقليدية داخل جسم الإنسان
رغم أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة أصبحت قادرة على التفوق على البشر في العديد من المهام، مثل التعرف على الصور وتحليل البيانات الطبية، فإنها لا تزال تواجه صعوبة كبيرة عند العمل داخل البيئة الحيوية لجسم الإنسان.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن أنسجة الجسم البشري تتميز بالمرونة والنعومة والحركة المستمرة، بينما تعتمد معظم الأجهزة الإلكترونية الحالية على رقائق سيليكون صلبة وغير قابلة للتمدد. ويؤدي هذا الاختلاف إلى صعوبات كبيرة عند محاولة دمج هذه الأجهزة مع الأعضاء أو العضلات أو الجلد لفترات طويلة.
كما أن الأجهزة المثبتة على أعضاء متحركة، مثل القلب والرئتين والمفاصل، قد تتسبب في تهيج الأنسجة أو فقدان الاتصال بها بمرور الوقت، ما يزيد من احتمالات تعطلها أو فشلها.
توجه جديد يجعل الإلكترونيات أكثر شبها بالجسم
بدلا من إجبار الجسم على التكيف مع الأجهزة الإلكترونية، يتجه الباحثون نحو إعادة تصميم هذه الأجهزة بحيث تتصرف بطريقة أقرب إلى طبيعة الجسم البشري.
وتجمع الإلكترونيات العصبية المرنة بين وظائف الاستشعار والتخزين والمعالجة داخل مواد قادرة على التمدد والانحناء والتكيف مع الأنسجة الحية. ولا يقتصر استلهام هذه التقنية من الدماغ على طريقة معالجة المعلومات فقط، بل يشمل أيضًا طريقة تفاعلها الفيزيائي مع البيئة المحيطة.
مواد جديدة تحاكي الإشارات العصبية
على عكس الدوائر الإلكترونية التقليدية التي تعتمد بشكل كامل على حركة الإلكترونات داخل مسارات معدنية، تستخدم هذه الأنظمة مواد مرنة مثل البوليمرات القابلة للانحناء والمواد الهلامية الأيونية.
وتسمح هذه المواد بنقل الإلكترونات والأيونات معا عبر آلية تُعرف باسم "التوصيل العضوي المختلط للأيونات والإلكترونات"، وهي آلية تشبه إلى حد كبير الإشارات الكهروكيميائية التي يستخدمها الجهاز العصبي البشري.
كما تستطيع المواد النشطة امتصاص الأيونات وإطلاقها باستمرار من البيئة المحيطة، ما يؤدي إلى تغير حالتها الكهربائية الداخلية بصورة متواصلة.
أجهزة تتعلم بطريقة مشابهة للدماغ
أدى هذا التطور إلى تمكين ترانزستور مرن واحد من محاكاة ما يُعرف باللدونة التشابكية العصبية، وهي العملية البيولوجية التي تسمح للخلايا العصبية بتقوية أو إضعاف الاتصالات بينها مع مرور الوقت.
وبذلك تصبح المكونات الإلكترونية نفسها قادرة على إظهار سلوكيات تشبه آليات التعلم الموجودة في الدماغ البشري، ما يمثل خطوة مهمة نحو تطوير أجهزة ذكاء اصطناعي أكثر كفاءة وتكيفا.
مرونة عالية واستهلاك منخفض للطاقة
شهدت تقنيات المواد المتقدمة تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة، حيث تمكن الباحثون من تصنيع مكونات إلكترونية يمكنها التمدد حتى 140% من طولها الأصلي، وهي نسبة تتجاوز مرونة الجلد البشري الطبيعي.
وتتيح هذه الخاصية استخدام الأجهزة في المناطق الأكثر حركة في الجسم دون التأثير على أدائها.
كما تعمل هذه الأجهزة بجهد كهربائي منخفض للغاية يقل عن 0.5 فولت، مستفيدة من عمليات كهروكيميائية فعالة بدلا من الاعتماد على تيارات كهربائية كبيرة.
وتمكن هذه الكفاءة العالية الأجهزة من تنفيذ مهام معقدة، مثل تصنيف اضطرابات نظم القلب، مع تقليل إنتاج الحرارة والإجهاد الكهربائي، وهما عاملان أساسيان عند تصميم أجهزة تبقى على تماس مباشر ومستمر مع الأنسجة الحية.
تطبيقات واعدة في الأجهزة القابلة للارتداء
قد تسهم هذه التكنولوجيا في إحداث تحول كبير في صناعة الأجهزة القابلة للارتداء.
فبدلا من تثبيت مستشعرات صلبة فوق مواد مرنة، يمكن للمهندسين تصنيع شبكات حوسبة مرنة متكاملة تجمع بين الاستشعار والتخزين والمعالجة داخل مادة واحدة قابلة للتمدد.
وقد يؤدي ذلك إلى تطوير جلد إلكتروني متقدم وأطراف روبوتية مرنة قادرة على تفسير اللمس والحركة محليا دون الحاجة إلى إرسال البيانات باستمرار إلى حاسوب خارجي لمعالجتها.
عقبات تقنية ما زالت قائمة
على الرغم من التقدم الملحوظ، لا تزال هناك تحديات تقنية كبيرة يجب تجاوزها قبل اعتماد هذه الأجهزة في التطبيقات السريرية والطبية.
وتتمثل إحدى أبرز المشكلات الحالية في الاحتفاظ بالبيانات، إذ تفقد العديد من أجهزة الذاكرة المرنة المعلومات المخزنة بسرعة بعد انتهاء الإشارة الكهربائية، ما يحد من قدرتها على تخزين البيانات لفترات طويلة.
حلول مقترحة لتعزيز الاستقرار طويل الأمد
لمواجهة هذه التحديات، يركز الباحثون على تطوير ما يُعرف ببنية "الجزر والجسور"، وهي تصميمات تعتمد على وضع مكونات الذاكرة الدائمة فوق جزر صغيرة صلبة محمية من الضغوط الميكانيكية، مع ربطها بواسطة وصلات مرنة للغاية قابلة للتمدد.
ويعتقد العلماء أن الجمع بين هذه البنى الهندسية والمواد المستقرة كيميائيًا وغير السامة قد يوفر مسارا عمليا نحو تطوير أجهزة عصبية مرنة قادرة على العمل لفترات طويلة داخل جسم الإنسان.
ويشير الباحثون إلى أن هذه التقنيات قد تمثل مستقبل التفاعل المباشر بين الإنسان والآلة، مع إمكانات واسعة في مجالات الرعاية الصحية والأطراف الصناعية الذكية والجلود الإلكترونية والأجهزة القابلة للارتداء المتقدمة.