أخبار

التوترات الصينية الأمريكية وانقسام التجارة العالمية إلى كتلتين

9 آب 2022

أثارت زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايوان رداً صينياً حاداً، تمثل في ثلاثة أيام من التدريبات التي تحاكي الهجوم على تايوان والإعلان عن مزيد من المناورات العسكرية التدريبية، بالإضافة إلى الانسحاب من المحادثات الحرجة الجارية مع الولايات المتحدة على صعيد تغير المناخ والصعيد العسكري.

ورأت صحيفة "ذا كونفرزيشن" أن رد الفعل الصيني كان متوقعاً، وتلا تحذير الرئيس الصيني شي جين بينغ في وقت سابق للرئيس الأمريكي جو بايدن من "اللعب بالنار".

وتساءلت الصحيفة هنا عن وضع التجارة بين القوتين الرائدتين في العالم؟

الأعمال التجارية تطغى على الأيديولوجيا

ولفتت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة دعمت في الماضي غير البعيد الصين في مواجهتها لليابان في حرب المحيط الهادئ بين عامي 1941 و1945. وعندما هربت القيادة الصينية إلى تايوان في عام 1949 بعد انتصار أتباع ماو تسي تونغ في الحرب الأهلية الصينية، استمرت واشنطن في الاعتراف بالنظام المنفي كحكومة شرعية للصين، ما منع جمهورية الصين الشعبية من الانضمام إلى الأمم المتحدة.

تغير هذا في عام 1972 بعد زيارة الرئيس الأمريكي نيكسون للصين (في خطوة لعزل السوفييت)، حينها اعترفت الولايات المتحدة بأن جمهورية الصين الشعبية هي الحكومة الصينية الوحيدة وقبلت سياسة "الصين الواحدة". وخفضت علاقاتها مع تايوان لتمسي مجرد علاقات غير رسمية.

أدى هذا إلى بدء التجارة بين الولايات المتحدة والصين، وإنهاء الحظر التجاري الأمريكي المفروض منذ أربعينيات القرن الماضي. وتوطدت العلاقات الاقتصادية في ثمانينيات القرن الماضي في عهد خليفة ماو، دنغ شياو بينغ، ما ساعد الاقتصاد الصيني على النمو بينما تمتعت الولايات المتحدة بأسعار استهلاكية منخفضة وسوق أسهم أقوى.

واستعانت بعض شركات التصنيع الغربية بشركات صينية وبعضها أجرى عملياته بنفسه، واستفادت هذه الشركات من انخفاض تكلفة الإنتاج - ومن عدم الاضطرار إلى امتلاك مصانع أو التعامل مع مشاكل العمل. في المقابل، اكتسب الصينيون قدرة تصنيع هائلة.

ومع ازدياد ثراء الطبقة الوسطى في الصين، أصبحت البلاد سوقاً استهلاكياً رئيسياً مستهدفاً للشركات الأمريكية أمثال شركة آبل وغيرها.

ظهور الصين كقوة عالمية

استحوذت الصين والولايات المتحدة على أكثر من نصف النمو في الناتج المحلي الإجمالي في جميع أنحاء العالم من 1980 إلى 2020. ونما الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بنحو خمسة أضعاف من 4.4 تريليون دولار أمريكي إلى 20.9 تريليون دولار أمريكي وفقاً لقيمة أموال اليوم، في حين نمى الناتج المحلي الإجمالي الصيني من 310 مليار دولار أمريكي إلى 14.7 تريليون دولار أمريكي.

وتعد الصين الآن ثاني أكبر اقتصاد في العالم، على الرغم من أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالة المخابرات المركزية يعدونها الأكبر اقتصادياً عند أخذ القوة الشرائية في الاعتبار. ولا تزال الولايات المتحدة متقدمة في نصيب الفرد من الدخل (69،231 دولاراً أمريكياً مقابل 12،359 دولاراً أمريكياً في عام 2021)، وباتت الصين الآن دولة متقدمة، حيث انتشلت 800 مليون شخص من الفقر في هذه العملية.

وأشارت الصحيفة إلى أن النمو الاقتصادي الصيني الأسرع وحقيقة أن الولايات المتحدة تشتري من منافستها أكثر مما تشتريه منافستها منها بكثير زاد من قلق الولايات المتحدة. وأدى هذا إلى التراجع الكبير في التصنيع المحلي الأمريكي الذي ساعد دونالد ترامب في الفوز بالرئاسة الأمريكية.

وبالمثل، امتد التنافس إلى مجالات أخرى، حيث سعت الصين إلى لعب دور قيادي على المسرح العالمي. وكلتا الدولتين قوتان نوويتان، على الرغم من أن الجيش الصيني لديه 350 رأساً نووياً فقط مقابل 5500 بحوزة الولايات المتحدة.

كما تمتلك الصين أسطولاً بحرياً أكبر، يضم نحو 360 سفينة قتالية مقارنةً بـ 297 سفينة أمريكية، على الرغم من أن السفن الصين أصغر حجماً - ثلاث حاملات طائرات فقط مقارنة بـ 11 حاملات طائرات أمريكية، على سبيل المثال. ويتنافس البلدان أيضاً في الفضاء لإنزال رواد فضاء على القمر وإنشاء أول قاعدة قمرية.

كل هذا يهدد الهيمنة الأمريكية، في حين أن الرئيس شي كان صريحاً على الصعيدين المحلي والدولي أكثر من أي زعيم صيني منذ ماو. وأصبحت الولايات المتحدة تدريجياً أكثر عدائية، بدءاً من محور أوباما تجاه الدول الآسيوية الأخرى في عام 2016، ثم شكاوى ترامب العلنية والعقوبات التي فرضها على أعمال الصين التجارية "غير العادلة".

فرض ترامب رسوماً جمركية إضافية على السلع المستوردة من الصين في عام 2018 وقيّد وصول الصين إلى تقنيات تصنيع أشباه الموصلات المختلفة في عام 2020، بينما رد الصينيون بإجراءات مضادة في تلك الأثناء.

وعندما تولى الرئيس بايدن منصبه في عام 2021، بدأ في تسليط الضوء على الشكاوى القديمة حول قضايا "حقوق الإنسان في شينجيانغ والتهديد الذي تتعرض له تايوان" (بينما كان لا يزال يؤيد سياسة الصين الواحدة). كما فرض عقوبات على بعض الشركات الصينية بطريقة لم نشهدها منذ الحظر التجاري في حقبة ماو.

كما حظر بايدن البضائع من منطقة شينجيانغ الصينية بذريعة العمل القسري في عام 2022، ما أثر في شراء العديد من الشركات الغربية للسلع. وبحسب ما ورد نقلت الصين العمال إلى أجزاء أخرى من البلاد لتمكين الشركات الغربية من الاستمرار في الشراء.

عودة القطبية الثنائية

وقالت الصحيفة إن جائحة كوفيد -19 زادت الشرخ بين البلدين، إذ بدأت إدارة بايدن بالدعوة لتقليل الاعتماد على منافستها. وتعمل الشركات الأمريكية على إعادة هيكلة سلاسل التوريد الخاصة بها. وفي حزيران (يونيو) المنصرم، نقلت شركة آبل بعض خطوط إنتاج آي باد iPad من الصين إلى فيتنام.

وتظهر في الوقت الحالي كتلتان عالميتان، حيث دعت وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين في نيسان (أبريل) الماضي إلى "دعم الأصدقاء"، وتقسيم البلدان إلى أصدقاء أو أعداء. وأعلنت إدارة بايدن في اجتماع مجموعة السبع في حزيران (يونيو) الماضي عن "شراكة جديدة للبنية التحتية العالمية والاستثمار". وبهدف تعبئة 600 مليار دولار أمريكي من الاستثمارات على مدى خمس سنوات، يعد هذا عرضاً مغرياً في نظر العديد من البلدان النامية التي تتودد إليها الصين بالفعل في إطار مبادرة الحزام والطريق المماثلة.

قبل أيام، استضافت الصين قمة البريكس السنوية، التي تضم البرازيل وروسيا والهند وجنوب إفريقيا. ورحبت بقادة من 13 دولة أخرى هي: الجزائر، والأرجنتين، ومصر، وإندونيسيا، وإيران، وكازاخستان، والسنغال، وأوزبكستان، وكمبوديا، وإثيوبيا، وفيجي، وماليزيا، وتايلاند. وحث شي القمة على بناء "مجتمع أمني عالمي" قائم على التعاون متعدد الأطراف. وتقدمت إيران والأرجنتين منذ ذلك الحين بطلبات للانضمام إلى الكتلة.

ولفتت الصحيفة إلى أننا نرى أمامنا ما ستعنيه القطبية الثنائية للمكونات والسلع الحيوية. ففي مجال رقائق النانو، تقود الولايات المتحدة اتفاقية "رقائق 4" مع اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية المحتملة لتطوير تقنيات الجيل التالي وقدرات التصنيع. فيما تستثمر الصين 1.4 تريليون دولار أمريكي بين عامي 2020 و2025 في محاولة للاعتماد على الذات في هذه التكنولوجيا.

وهناك مشكلة أخرى كبيرة تتمثل بالكوبالت، وهو مادة ضرورية لصنع بطاريات الليثيوم للسيارات الكهربائية. وبغية تأمين الإمدادات من جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تنتج 70٪ من الاحتياطيات العالمية، نجحت الصين في اجتياز السياسة الكونغولية، والضغط على السياسيين الأقوياء في مناطق التعدين. وبحلول عام 2020، كانت الشركات الصينية تمتلك، أو تمتلك حصة في 15 منجماً من أصل 19 منجماً لإنتاج الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

ومع تخزين الصين لإمدادات الكوبالت، تبحث الولايات المتحدة عن بدائل، إذ تعمل جنرال موتورز على تطوير خلية بطارية أولتيوم Ultium التي تحتاج إلى كوبالت أقل بنسبة 70٪ من البطاريات الموجودة اليوم، بينما يعمل مختبر أوك ريدج الوطني على تطوير بطارية لا تحتاج إلى هذا المعدن على الإطلاق.

تقسيم سلاسل التوريد

ورأت الصحيفة أنه مع تحول العلاقات بين الولايات المتحدة والصين من بناء الجسور في عام 1972 إلى بناء الجدران في عام 2022، ستضطر الدول الأخرى إلى اختيار أحد الجانبين وسيتعين على الشركات التخطيط لسلاسل التوريد وفقاً لذلك. والذين يسعون إلى ممارسة التجارة في كلتا الكتلتين سوف يحتاجون إلى "إنشاء أقسام" مختلفة وإدارة عمليات موازية.

وستظل الشركات الأمريكية التي ترغب في خدمة المستهلكين الصينيين بحاجة إلى التصنيع في الصين أو دول أخرى داخل تلك الكتلة، بينما ستحتاج الشركات الصينية إلى فعل الشيء نفسه في الاتجاه المعاكس. ومن المثير للاهتمام أن الشركات الصينية تشتري الأراضي الزراعية والشركات الزراعية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى.

وبالتأكيد سوف يستغرق إيجاد توازن بعض الوقت، فقد استغرق الأمر سنوات حتى توصل الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة إلى التعايش من دون الدخول في صراع عسكري مباشر. كتبت هيلاري كلينتون في عام 2011 عندما كانت وزيرة للخارجية: "لا يوجد كُتيّب يحدد طبيعة العلاقة الأمريكية الصينية المتطورة"، ولا يزال هذا هو الحال اليوم.

على أي حال، من المرجح أن تزدهر في هذه البيئة الشركات التي تخطط لعالم مقسم بسلاسل توريد موزعة بين الكتلتين. ومن المحتمل ألا يؤدي الخلاف الأخير حول تايوان إلى صراع عسكري مباشر، بل أن يعزز الاتجاه الذي كان يكتسب زخماً منذ عقد أو أكثر.

The Conversation