الديمقراطية وأنظمة الحكم وحقوق الإنسان

الرأي

الديمقراطية وأنظمة الحكم وحقوق الإنسان

عبد العزيز بدر القطان

17 كانون الثاني 2021

قد لا توجد قضية استحوذت على فكر السياسة والفلسفة والثقافة مثل قضية الديمقراطية منذ أكثر من ألفي عام، وقد شكلت هذه الفكرة حلماً رنت إليه الشعوب وبخاصة المضطهدة منها والمغلوبة على أمرها، وقد تعددت التجارب وتنوعت الوسائل لكنها ظلت كلها قاصرة عن تجسيد هذا الحلم واقعياً وبشكله القريب من المطلق.

وإذا كان القرن العشرين قد اعتبر عصر المناداة بالديمقراطية، فذلك لأن مختلف المذاهب الاجتماعية والسياسية التي شهدها هذا القرن وشهد تناحرها إلى حد قرب المجابهة بأسلحة الدمار الشامل رفعت كلها شعار الديمقراطية واعتبر كل منها نفسه أنه الديمقراطي الحق.

واليوم إذا كان هنالك إجماع من قبل المفكرين والمثقفين على ضرورة الديمقراطية كمخرج للمجتمعات البشرية من متاهة الأزمات المعاصرة، فإن السؤال القديم الجديد يبقى حول كيفية الوصول إلى تطبيق الديمقراطية بمفهومها الأساسي الذي يعني حكم الشعب لنفسه دون أن تستأثر طبقة أو جماعة أو فرد بهذا الحكم ومن دون أن يصبح كل أفراد الشعب حكاماً فيصبحوا بحاجة عندئذٍ إلى شعوب يحكمونها!

وإذا كان لفظ الديمقراطية من أكثر الألفاظ غموضاً وإبهاماً في التعريف والتحديد، فقد كان لها جميع أنواع المعاني لدى الناس ولدى مختلف الأحزاب وأنظمة الحكم، وفي الحقيقة إن الديمقراطية السياسية اكتسبت طوال التاريخ معنىً أولياً ينبثق من الاشتقاق اللغوي في الأصل اليوناني، بمعنى سلطة الشعب، اي أنها النظام الذي يجعل السلطة بيد مجموع الشعب أي أفراد الأمة دون اعتبار فوارق الجاه أو الغنى أو غير ذلك.

لكن إذا كان الشعب بمجموع أفراده هو مصدر السلطة والغاية منها، وهو الحاكم والمحكوم فإنه لم يبق مجال لهيئة حاكمة، وإن نظرة إلى الواقع تظهر ما في هذا القول من سطحية مبسطة، لأن التاريخ لم يعرف شعباً تولى الحكم بنفسه، بل كانت هنالك دائماً مرجعية أو نخبة تحكم باسم الدولة، وهذه المرجعية لم تكن كما يقول أحد المفكرين، مرجعية سياسية وأمنية وقضائية وحسب، ناهيك عن المرجعية التاريخية بطبيعة الحال، بل إن المزاج في بعض الحضارات بين الطقوس السياسية والطقوس الدينية لم يكن عشوائياً ولا فولكلورياً، وإنما يعكس مفهوماً خاصاً للدولة.

وتدل الوقائع على اكتساب الديمقراطية السياسية طوال التاريخ لمعنيين رئيسين: فهي من ناحية تعني أساساً نظاماً للحكم يقوم على مبدأ حكم الأغلبية في التعبير عن هذا الصوت هي صاحبة السيادة والحكم النهائي فيما يتصل بالصواب سياسياً، والأقلية دائماً على خطأ ولا حق لها من قبل الأغلبية باستثناء حق الوجود ومحاولة أن تصير الأغلبية، وهذا المفهوم للديمقراطية نما على يد جان جاك روسو الفرنسي وهو في أساسه أيضاً نظرية (جاكسون) الأميركي وأنصاره في الولايات المتحدة ومن رواد استقلالها.

أما المعنى الثاني والأوسع فيرجع أصلاً للرواقيين وصار أكثر دقة بتعاليم جون لوك (1632 – 1704)، وفيه تتطابق الديمقراطية تقريباً مع ما يسمى بالليبرالية التي تقوم فيما تقوم عليه من الاعتقاد بأن كل قوة مصدر للخطر، ومن ثم فإن الحكم العادل هو الحكم المحدود للسلطة، فلا يوثق بالسيادة المطلقة للأغلبية كما لا يوثق بالسلطة المطلقة للحاكم الفرد أو الأرستقراطية، وعلى ذلك يجب إحاطة كل الحكومات بكوابح وقيود لحماية الأقليات والأفراد، ووضع الضمانات للحقوق المدنية والشخصية.

وقد اعتبر لوك هذه الحقوق من العناصر الأصولية في قانون الطبيعة، لكن في جميع الأحوال كانت الديمقراطية من هذا النوع أكثر اهتماماً بالحرية منها بالنظام، وتهتم بسلامة الفرد بقدر اهتمامها على الأقل بخير المجتمع، وبالتالي إن الديمقراطية تشكل إطاراً للعمل وتعطي ضمنه للمواطن والتجمعات البشرية وسائل أمن وأمان تتيح وجود فرصة أفضل للتفاعل بين قوى المجتمع الفاعلة لإنضاج مشروع البناء الوطني. وبهذا تعطي الديمقراطية وحقوق الإنسان فرصة أفضل لإنضاج مثل هذا المشروع.

من هنا يمكن القول، إن الديمقراطية ليست مجرد تصور أو نصوص نظرية، بل هي منهج وأسلوب حياة في مختلف مضامين المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وهي المدخل الصحيح لتحقيق الحياة الإنسانية الكريمة بما تتضمنه من حرية سياسية وعدالة اجتماعية كجناحين متلازمين في ظل احترام حريات الإنسان وحقوقه.

وإذا كان المقصود بالديمقراطية وجود حكومة يرتضيها الشعب، فإن التاريخ مليء بالأمثلة عن وجود حكومات استبدادية ارتضتها الشعوب قديماً وحديثاً.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"