الرأي

السلطة الفلسطينية شريك أساسي في إركاع الشعب الفلسطيني

تامر سلامة

26 تشرين الأول 2020

في الوقت الذي تهرول فيه العديد من دول الشرق بالهرولة نحو تحقيق اتفاقيات سلام و تطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي ، تزامنا مع التراجع العالمي المشهود للدفاع عن القضية الفلسطينية و اعتبارها قضية مركزية عالمية كما كان عليه الأمر في فترة السبعينيات و الثمانينيات عندما كانت فصائل منظمة التحرير تجبر العالم أجمع على الاستماع لصوت القضية الفلسطينية .

و في ظل تكالب العالم أجمع على خنق الشعب الفلسطيني و تجريده من حقوقه المشروعة المتمثلة في حق العودة و تقرير المصير و بناء الدولة من البحر إلى النهر ، لا تنفك السلطة الفلسطينية في رام الله بقيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في ابتداع طرق و أساليب الاستهداف المعنوي و المادي للموظفين الفلسطينيين التابعين للسلطة ، و خاصة أولئك الذين يعيشون في قطاع غزة باعتبارهم من الفئة "المغضوب عليها" من قبل القيادة الفلسطينية الفتحاوية في السلطة منذ أن تم الاستيلاء على حكم القطاع من قبل خصمها السياسي حركة حماس ، و التي لم تكن بادرة رحمة أو أخف جورا على أبناء السلطة و حركة فتح في قطاع غزة أيضا .

حيث ضاع موظفي السلطة الفلسطينية بين إجراءات السلطة العقابية لحركة حماس ، و التي لم تمس حماس أو أي من عناصرها بسوء ، بل استهدفت بشكل مباشر قوت أبناء الموظفين و حياتهم حتى أصبح موظف السلطة أشد فقرا من أن يستطيع أن يكمل الشهر ، خاصة مع حصول الموظفين منذ أكثر من عام على ما يقل من أنصاف الرواتب بنسب تتراوح ما بين 40-60 % ، بالإضافة إلى وجود الكثير من الموظفين الذين تم قطع رواتبهم بشكل تعسفي اعتمادا على تقارير كيدية قدمها بعض الخارجين عن العرف الوطني و الديني بحجج واهية أهمها الانتماء للتيار الديمقراطي الإصلاحي لحركة فتح أو الاختلاف سياسيا مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس .

بالإضافة إلى ذلك ، أوغلت السلطة الفلسطينية في تعزيز سياسة الفصل العنصري و التمييز الديموغرافي بين أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة و الضفة الغربية المحتلة ، حيث ظهر الأمر جليا في نسب صرف الرواتب و العلاوات و غيرها من الأمور المرتبطة برواتب السلطة ، بالإضافة إلى مشروع صندوق "وقفة عز" ، الذي أطلقته السلطة قبل أشهر بهدف مساعدة العمال و المتضررين من الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تسبب بها تفشي جائحة فيروس كورونا التاجي المستجد في فلسطين ، و الذي كان نصيب الأسد منه أبناء حركة فتح التابعين للرئيس عباس في الضفة الغربية و قطاع غزة ، دون الأخذ بأدنى معايير المهنية و الشفافية في تحقيق أهدافه .

حيث يبدو أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد تناسى أن السلطة الوطنية الفلسطينية هي تمثيل للحقوق الفلسطينية المؤسساتية كحكومة مؤقتة حتى إقامة الدولة الفلسطينية الكاملة بحسب ما أقرته اتفاقية أوسلو التي أنشأت السلطة بناءا عليها ، و أنها لا تتبع لحركة فتح بشكل كامل و حصري ، و أن الرواتب التي تقدمها لموظفيها في قطاع غزة هي حقوق مشروعة و مكتسبة و ليست منة أو مكرمة رئاسية ليتم وهبها و منحها لمن يشاء و بالنسب التي ترتئيها حكومة رام الله مناسبة .

فقد اعتاد موظفي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة على سماع خطاب رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتيه في الأسبوع الأخير من كل شهر ، حيث يطل عليهم عبر فضائية فلسطين في كل مرة ليطلق تصريحات مستفزة لمشاعرهم ، مثل : " إننا في الربع ساعة الأخيرة من الأزمة " ، أو " بدكم وطن أكثر ولا مصاري أكثر " ، و قد انتقل العديد من موظفي السلطة إلى وسائل التواصل الاجتماعي للاحتجاج على الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشون بها و للاعتراض على هذه التصريحات التي لا تراعي أوضاعهم المأساوية ، فهم غارقون بفساد السلطة و تمييزها العنصري ضدهم من جهة ، و سطوة حركة حماس و ضرائبها الباهظة من جهة ، و الحصار الصهيوني الغاشم من جهة أخرى .

فالسؤال الذي يجب أن يطرح على جميع المسؤولين الفلسطينيين بداية من الرئيس محمود عباس و رئيس الوزراء اشتيه و مجدلاني و غيرهم ، ما الذي فعلته غزة كي تعامل كإقليم متمرد و عبء زائد على الوطن ، و هل يجوز لمن يملك الملايين في أرصدته البنكية و يتعدى راتبه الشهري عشرة آلاف شيكل ( أكثر من 3 آلاف دولار ) أن يخبر المواطن الفلسطيني الذي يتقاضى راتبا لا يتجاوز 1500 شيكل (450 دولار) أن يصبر و أن يقال له : " بدكم وطن أكتر ولا مصاري أكتر " ؟! .

فإلى متى ستستمر السلطة الفلسطينية بقيادتها في نهج التمييز العنصري الممنهج ضد أبناء قطاع غزة ، و الذي لم يطال جميع فئات الشعب الفلسطيني فحسب ، بل و طال أبناء حركة فتح أيضا ، الأمر الذي يراه العديد من الناس وسيلة دنيئة للتخلص من قطاع غزة و تدمير ما تبقى من شعبية لحركة فتح و السلطة و إذلال الموظف الذي لم يتخلى يوما عن عمله و تقديم الغالي و النفيس خدمة للشعب الفلسطيني و القضية أينما ذهب ، مما يجعل السلطة شريكا لا يمكن إنكاره في تركيع الشعب الفلسطيني و تحويله من شعب مناضل يسعى إلى التخلص من نير الاحتلال إلى شعب يسعى لإيجاد قوت يومه و انتظار مساعدة نقدية أو كابونة من هنا أو هناك .

و على الرغم من الشعارات المرفوعة هنا و هناك سواء أكان ذلك من قبل قيادة السلطة الفلسطينية ام من قبل العديد من فصائل العمل الوطني و الإسلامي في الضفة و قطاع غزة ، و التي تصب جام شعاراتها و تصريحاتها الخجولة نحو مواجهة صفقة القرن و الدوامة التطبيعية المستهدفة للمنطقة أجمع ، فإن هذه الإجراءات العقابية و الخطوات التمييزية الخانقة التي تفرضها السلطة على أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تعكس سياسة تركيعية تنتهجها السلطة لترويض الشارع ضمن سياسة العصا و الجزرة ، و لإجباره على قبول كل يطرح عليه في المرحلة القادمة من تنازلات و مساومات مرهونة بالرضى الأمريكي و الإسرائيلي من جهة ، و بما يصب في مصلحة قادة الإنقسام و رؤوس السلطة الفلسطينية و حكومة غزة ، حيث اتفق الطرفان على عصر المواطن الفلسطيني و جعله عرضة لويلات الجوع و الديون و صب جل تركيزه على الوصول إلى لقمة عيشه دون الاهتمام بالتفكير بالمستقبل و بالقضايا السياسية المفتعلة و المتأثرة بالصراعات و المحاور الإقليمية .

فالآن ، و بعد أن وصلت الأمور إلى قمتها من ناحية التطبيع العلني و المتاجرة التاريخية الأمريكية بما تبقى من فلسطين لصالح الاحتلال الاسرائيلي ضمن ما يسمى بصفقة القرن و خطة الضم الصهيونية ، واهن من يعتقد أن شعبا قد أنهك بالجوع و البطالة و الحرمان على مدى قرن و نصف يمكن أن يواجه مخططات الهيمنة الصهيونية و قوى الاستكبار العالمية الإمبريالية الأمريكية ، فمن يجس نبض الشارع و يتعامل مع المواطن الفلسطيني يشعر بمدى خطورة المرحلة التي وصل إليها ، و خاصة فئة الشباب التي أصبحت ضائعة بين خيارات معدومة متمثلة بالعمل باليومية أو البحث عن سبل الهجرة غير الشرعية ، أليس الأجدر بالسلطة الفلسطينية التي تتلقى دعما دوليا من الاتحاد الأوروبي و من شتى دول العالم أن تحاول إنقاذ ما تبقى من كرامة الشعب الذي أنهكه الاحتلال و الانقسام و الجوع ؟ ، بدلا من اجتلاب الدعم و ضخه في استثمارات قادتها الفاسدين في دول أوروبا و بعض الدول العربية الأخرى ؟

النهضة نيوز

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"