الرأي

غزة بين سندان سياسة الاستغلال ومطرقة الفقر والاحتلال

تامر سلامة

25 تشرين الأول 2020 20:25

قطاع غزة، البقعة الجغرافية التي وسمت بالفقر والظلام وأجبرت على المعاناة في ظل الحصار الصهيوني المفروض عليها منذ استيلاء حركة حماس على الحكم فيها عام 2006 بالقوة المسلحة، وذلك بعد رفض السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح تسليم زمام الأمور لها على الرغم من فوزها بالانتخابات التشريعية الثانية.

وعلى مر ما يزيد عن قرن ونصف، بقي المواطن الفلسطيني في قطاع غزة يعاني ويلات الفقر وحده في ظل تسارع الحروب والنكسات السياسية التي غالبا ما كانت وليدة اللحظة أو وليدة الأزمات المفتعلة من قبل طرفي الانقسام الفلسطيني، حركتي فتح وحماس، حيث تمادى الطرفين في صراعاتهما العقيمة على السلطة وفرض السيطرة في قطاع غزة والضفة الغربية بالقوة والقمع والتعامل مع الطرف الآخر بلغة التخوين والتكفير والاستبعاد العنصري، في ظل سكوت مريب واعتلال أيديولوجي بين فصائل المعارضة واليسار الفلسطيني التي تحولت إلى نعاج تساق هنا وهناك بحسب هوى المساعدات والتمويل والجهة الحاكمة سواء أكانت في قطاع غزة أم الضفة الغربية.

والجدير بالذكر أنه خلال سنوات الحصار الكبيرة التي أرهقت غزة، بات الشعب الفلسطيني شاهداً على صعود المئات من أصحاب رؤوس الأموال والمليونيرات الذي دائماً ما تباهوا بثرائهم الفاحش في الوقت الذي يعاني فيه أكثر من 70% من الشباب من بطالة خانقة، بينما يعيش ما يزيد عن ذلك في فقر مدقع معتمدين على مساعدات وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، أو فتات المساعدات التي ترسلها الدول المانحة والتي تقتص الفصائل المتنفذة في القرار حصتها لأبنائها وأبناء قادة الصدفة الذين تمكنوا من زمامها لهذا الهدف.

وكان من بين العشرات من المشاريع الاستثمارية الفارهة التي تم افتتاحها في قطاع غزة، بغرار المولات والمطاعم والفنادق، مولدات كهربائية خاصة لتوليد الكهرباء، والتي يراها أصحابها بأنها حل لأزمة الكهرباء الخانقة التي تسببت في توصيل الكهرباء لمدة لا تصل إلى 8 ساعات يومياً بسبب نقص السولار وغيرها من الأسباب التي تتحجج بها العديد من الجهات بين فترة وأخرى.

كما وتجدر الإشارة إلى أن سعر كيلو الكهرباء الرسمي الذي تقدمه شركة الكهرباء الفلسطينية لا يتعدى نصف شيكل (0.14 دولار)، في حين أن سعر كيلو الكهرباء الذي يحصل عليه المستهلك من المولدات التجارية يصل إلى 4 شيكل (1.2 دولار)، أي ما يعادل ثمانية أضعاف سعر الكهرباء الرسمية، حيث قال أصحاب المولدات مراراً أن التكلفة العالية للكهرباء التجارية مرتبطة بمصاريف إنتاج الكهرباء والمصاريف التشغيلية، مضيفين أنها مشاريع استثمارية ومن حقهم أن يضعوا السعر المناسب لمنتجهم.

• المواجهة بين حكومة قطاع غزة وأصحاب مولدات الكهرباء التجارية

في منتصف شهر سبتمبر الماضي، أعلنت الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة (التي تديرها حركة حماس)، عن ضرورة قيام رابطة أصحاب المولدات الكهربائية التجارية بخفض تسعيرة الكهرباء التي يزودون المواطنين بها لتصبح 2.5 شيكل بدلا من 4 شيكل، الأمر الذي دفع إلى تراشق إعلامي عبر الإنترنت بين سلطة الطاقة والرابطة، ثم تبعه قيام الحكومة بفرض قرار يلزمهم بهذه التسعيرة، الأمر الذي دفع أصحاب المولدات للاحتجاج على الأمر وقطع الكهرباء بالكامل على المشركين.

بالإضافة إلى ذلك، قام العديد من الخبراء والمهندسين بنشر دراسات جدوى حول المشروع وتقديمها لسلطة الطاقة لتفنيد تسعيرة الكهرباء، والتي اعتمدت عليها الحكومة في وضع تسعيرة 2.5 شيكل لكيلو الكهرباء، التسعيرة التي تحقق ربحا معقولا لأصحاب المولدات ولا تزيد أعباء المواطن الغزي الذي يكاد يكسف قوت يومه بشق الأنفس.

ومن ضمن الدراسات التي نشرت وتم رصدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي قدمت لسلطة الطاقة، كانت دراسة جدوى قام بها المهندس الفلسطيني عصام حماد، حيث قال فيها أن إجمالي تكلفة كيلو الكهرباء على أصحاب المولدات لا تتجاوز 1.42 شيكل فقط،

وأوضح حماد في منشور قام بنشره عبر موقع فيسبوك، أنه قد قام بدراسته على افتراض أن المستثمر المولد التجاري سيقوم باستثمار مبلغ قدره 2 مليون شيكل، والتي ستتوزع ما بين تكلفة شراء المولد وتكلفة انشاء المكان وشراء ومد الكوابل والعدادات وخلافه، وأن مدة استثماره ستبلغ 3 سنوات، وأنه سيحقق ربحاً عائداً على الاستثمار بنسبة 20% سنوياً، حيث أنه سيحتاج أن يسترد سنوياً ثلث مبلغ الاستثمار بالإضافة إلى ربح إضافي بنسبة 20٪ ، مما يعني أن مبلغ الاسترداد الإجمالي سيجمل 3مليون و 200 ألف شيكل سنوياً، أي أنه يجب أن يسترد مليون و 66 ألف شيكل كل عام، بحيث يكون نصيب إنتاج كل كيلوواط من الكهرباء هو 49 أغورة، وبإضافة 5 أغورات كمصاريف تشغيلية وصيانة وزيت وفلاتر على كل كيلوواط، يصبح إجمالي تكلفة الكيلوواط الصافي، أي رأس مال إنتاج كيلو الكهرباء، هو 1.42 شيكل.

وعلى إثر هذه الدراسات التي قدمها الخبراء والمهندسين لسلطة الطاقة والحكومة في غزة، أكد رئيس المكتب الإعلامي الحكومي بغزة سلامة معروف، في شهر سبتمبر خلال بيان رسمي صدر عنه أن التسعيرة التي حددتها سلطة الطاقة لأصحاب المولدات التجارية لبيع كهرباء المولدات التجارية بغزة، المتمثلة في مبلغ 2.5 شيكل، ستكون ملزمة لأصحاب المولدات خاصة وأنها وضعت بعد دراسة كافة الابعاد وأن هناك من يعمل فعلا وفق هذه التسعيرة، مشيراً إلى أنه كان يجب أن يتم تنفيذها منذ بداية شهر أكتوبر الجاري.

ولكن بعد إصدار هذا البيان والتصديق على القرار الحكومي، قام أصحاب المولدات بحل رابطة أصحاب المولدات التجارية في قطاع غزة وفك الأسلاك والكوابل من الشوارع وإيقاف مولداتهم عن العمل نهائياً، تاركين المواطنين يعيشون في الظلام الدامس وحرارة الصيف الخانقة، غير آبهين باستمرار أزمة الكهرباء والأزمة الاقتصادية التي تعمقت بشكل صارخ إثر تفشي جائحة فيروس كورونا التاجي المستجد في قطاع غزة ذو البنية التحتية الصحية المتهالكة ، حيث أن الإجراءات الحكومية المتمثلة في الإغلاق العام لمكافحة تفشي الفيروس قد أفقدت فئة كبيرة من الشعب الفلسطيني الذي يعتمد في كسب قوت يومه على العمل اليومي والحر (البسطات و قيادة السيارات و الأسواق) عملهم بشكل مؤقت.

فالشعب الفلسطيني الذي كان يوماً من الأيام أيقونة في النضال العالمي ويحمل قضيته نصب عينيه أينما ذهب، تحول إلى جموع من الأجساد الهزيلة المرهقة التي لا تجد قوت يومها، على الرغم من امتلاء القطاع المحاصر بالجمعيات الخيرية والمساعدات العينية والمالية التي تغدق بها بعض دول الخليج والدول الغربية عليها، والتي غالباً ما يتقاسمها المتنفذين من قادة الفصائل ومدراء المؤسسات الخيرية الصورية وحاشيتهم، دون أدنى اعتبار لصون كرامة الإنسان أو إيصال المساعدات لأصحابها الذين يستحقوها بجدارة.

حيث أن المواطن الغزي قد أصبح لقمة سائغة واقعة بين سندان أصحاب رأس المال والجمعيات الخيرية والفصائل والمؤسسات الصورية، ومطرقة الاحتلال التي لا ترحم، مما تسبب في هجرة آلاف الشباب الغزي إلى تركيا ثم اليونان للوصول إلى أوروبا بطرق التفافية وغير شرعية، معرضين حياتهم لخطر الغرق في البحر أو الاعتقال في السجون المصرية واليونانية أينما ذهبوا كونهم مهاجرين غير شرعيين، وذلك بعد أن فقدوا الأمل في الحصول على أدنى مقومات الحياة البشرية التي خصصت في قطاع غزة المحاصر من الصديق قبل العدو لأبناء الطبقة السياسية المخملية وأصحاب رؤوس الأموال.

والجدير بالذكر أنه مساء يوم أمس الموافق 24 أكتوبر، أي بعد مرور ما يزيد عن شهر عن الأزمة المفتعلة ما بين أصحاب المولدات وسلطة الطاقة التابعة لحكومة قطاع غزة، عادت رابطة أصحاب المولدات الكهربائية التجارية للإعلان عن عودة تشغيل مولداتهم، وذلك بالتسعيرة القديمة التي كانوا يعملون بها.

في حين قال وكيل وزارة العمل موسى السماك في تصريحات أدلى بها يوم أمس على قناة الكوفية:

- تم تشكيل لجنة مكونة من 6 وزارات لدراسة تفاصيل أزمة المولدات، وأن اللجنة قد وجدت أن تسعيرة 2.5 شيكل للكيلو مناسب.

- لا يوجد جسم رسمي يمثل أصحاب المولدات.

- تم توقيع اتفاق بين أصحاب المولدات واللجنة الحكومية لمتابعة ملف المولدات التجارية، والذي ينص على عودة تشغيل المولدات ويتم تحصيل مبلغ 2.5 شيكل ثمن كل كيلو كهرباء من المواطن.

- التسعيرة تأتي بمثابة سلفة من مستحقات شهر أكتوبر لحين انتهاء عمل اللجنة خلال الشهر المقبل.

- إن مصلحة المواطن هي الأهم ونحن نسعى للوصول إلى اتفاق مع أصحاب المولدات.

- يمنع منعا باتا أن يحاسب صاحب أي مولد المواطن عن شهر أكتوبر أكثر من 2.5 شيكل للكيلو.

ولكن، ما يثير الجدل حقا هو أن العديد من المواطنين قد قاموا بنشر صور ولقطات شاشة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تفيد بأن أصحاب المولدات قد قاموا بإبلاغهم بأنه قد عادوا للعمل من جديد، وأن التسعيرة التي سيتم التعامل بها ستكون 4 شيكل كما كانت في السابق دون تغيير.

فهل انتصر رأس المال على الحكومة القائمة على رؤوس الأموال في الأساس، أم أن الأمر كان مجرد خطوة استباقية قررت حكومة غزة التي تديرها حركة حماس لاستجلاب تأييد شعبي من قبل أبناء الشعب الفلسطيني المحاصر بمجرد ظهور بعض بوادر المصالحة و قرب الانتخابات التشريعية الثالثة التي طال انتظارها ؟، حيث أن العديد من المواطنين قد أبدو استيائهم من الحالة الراهنة، قائلين أن ما قامت به الحكومة لم يحقق أي شيء سوى أنه جلب لهم الضرر وتسبب في إعاقة حياتهم وإبقائهم في عتمة وحر الصيف شهراً كاملاً، خاصة وأنهم متأكدين من عدم قدرة الحكومة على إجبار رابطة أصحاب المولدات الكهربائية على الالتزام بالتسعيرة الحكومية، مما يترك الأمر عبئاً مثقلاً على شعب لا يكاد يصلب قامته من الجبال التي تركت على كاهله لقرن ونصف من الانقسام والاستغلال والاحتلال.

النهضة نيوز

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"