انتهت معركة البيت الأبيض‎ ظاهريا وبدأت معركة ترامب السرية

الرأي

انتهت معركة البيت الأبيض‎ ظاهريا وبدأت معركة ترامب السرية

بسام أبو شريف

10 كانون الثاني 2021 18:13

‎لم تمر في التاريخ الحديث، أو القديم معركة انتخابية كالتي حصلت في الولايات المتحدة هذا العام، ولم تحظ معركة باهتمام، وتتبع محلي، وعالمي كما حظيت معركة بايدن – ترامب على الرئاسة الاميركية للعام 2021، لكن كل هذا الاهتمام والتتبع للمعركة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة ستبدو هامشية أمام معارك السنوات الأربع القادمة – سنوات حكم بايدن سينتقل بايدن للبيت الأبيض، ويتسلم السلطات بشكل رسمي، ومنظم لكنه سينوء، وهو يتجه للمكتب البيضاوي في البيت الأبيض بمشاكل، وقضايا أقلها تعقيدا التصدي لفيروس كورونا، فماهي الحقائب التي يحملها بايدن معه نحو المكتب البيضاوي ؟؟

الحقيبة الاولى

‎اعادة الوحدة للمجتمع الاميركي بعد أن نجح ترامب في تغذية الفصل العامودي في المجتمع الاميركي، وكشف لأشعة الشمس عن عمق جذور العنصرية في ذلك المجتمع اذ تحولت وعلى مدى عقود من الزمن الى تحويل العنصرية الى مؤسسات ذات هيكلية من الصعب تعديلها، ولابد ان اراد بايدن ازالتها من تغييرها، والتغيير سيحتاج الى عقود من عمل شاق بأسلوب بايدن، ويحتاج الى سيوف قاطعة ان أراد أن يحقق نتائج خلال فترة حكمه، وهو ليس من المبرزين باستخدام السيوف القاطعة، وهذه الجبهة القتالية تعني أن على بايدن أن يفتح ملف عنصرية جهاز الشرطة " البوليس "، وعنصرية المؤسسات، وعنصرية التعليم وعنصرية الصحة ... الخ. فقد امتدت جذور وأغصان العنصرية عمقا، وعرضا وطولا في كل نواحي الحياة الاميركية.

الملف الثاني

‎والملف الثاني المنضوي تحت عنوان عاجل وأولوية، فهو ملف تنظيم، وتطوير محاربة فيروس كورونا خاصة أن اللقاح الذي لم يحسم حتى الآن ادارة تعميمه على كل المواطنين في اميركا قد لايأتي بالنتائج المرجوة منه، وهذا يحتاج اى ادارة طوارئ خاصة تعنى بكل صغيرة وكبيرة تتصل بالفيروس كورونا، وعندما نقول هذا نقصد " نفض "، ادارة المستشفيات، وبناء مستشفيات جديدة، وتطوير أجهزة طبية لازمة، وزيادة موازنات البحث العلمي، والاهتمام برفع حجم ومستوى الطواقم الطبية، وتطوير جهاز التأمين الصحي والنظام نفسه، ورغم أن بايدن متأثر ببرنامج اوباما الصحي الا أنه مضطر لأسباب سياسية ونفسية أن يعدل، ويطور بما يتلاءم مع تطبيق نظام صحي لايحمل اسم اوباما.

ملف اعادة ثقة المواطن الاميركي بالولايات المتحدة

‎لقد هزت تجربة ترامب، وتصرفاته ازاء العالم، وازاء حلفاء اميركا، وازاء البرنامج الصحي، وازاء عنصرية الشرطة هزت ثقة المواطن بسلطته، وأصبحت السلطة في اميركا تتصرف، وكأنها طرف، وليس حكما .... اعادة الثقة للمواطن خاصة فيما يتعلق بالديمقراطية سيف يتطلب جهداً كبيراٍ جداً، وتطويراً، وتعديلا، واصلاحات لاحدود لها وهذا قد يحتاج الى هيئة أركن خاصة، وغرفة عمليات خاصة تقوم بوضع البرنامج الاستراتيجي لهذه المهمة، وترسم الخطط التفصيلية الخاصة بكل ناحية من هذه النواحي، التي من المفترض أن تصب كلها في مجرى اعادة ثقة المواطن بدولته !!

‎ملف اعادة ثقة الحلفاء بالولايات المتحدة

‎وهذا يعني بشكل خاص ثقة الاوروبيين "الاتحاد الاوروبي وبريطانيا"، بالولايات المتحدة، وهذا الملف يضم عشرات القضايا، التي سببت اشتباكات حامية بين واشنطن ترامب، ودول الاتحاد الاوروبي، واللائحة طويلة، ولانريد أن نغوص فيها في هذا المقال.

‎اعادة علاقة واشنطن بالأمم المتحدة ووكالاتها وهيئاتها

‎وهذا ملف يحمل مئات القضايا، التي نتجت عن مواقف ترامب من الأمم المتحدة وهيئاتها ووكالاتها، ويضم انسحاب واشنطن من عدد من هيئاتها، ومقاطعتها عددا آخر من وكالات وهيئات الأمم المتحدة وقف مساهمات الولايات المتحدة المقرة للأمم المتحدة وهيئاتها، وهذا يضم منظمة الصحة العالمية، والغذاء العالمية، واليونيسكو، وهيئات المناخ، والاونروا ولهذا أيضا تشابكاته، لكننا لانريد أن نخوض فيه هنا لأننا نود التركيز على الشرق الأوسط.

‎ملف العلاقات التجارية الاميركية

‎ويتطلب هذا اعلان هدنة، والشروع في مفاوضات مع دول عديدة أهمها الصين كي تعود العلاقات التجارية الى نوع من الاستقرار القادر على انعاش الأوضاع الاقتصادية للأطراف المعنية، لقد عانت واشنطن، والصين، وروسيا، وغيرها من الدول مثل كوريا الجنوبية واليابان، ودول اوروبا من قرارات ترامب الأحادية والعقوبات، التي أفرط ترامب باستخدامها، وعلى جدول بايدن عمليات مراجعة لها وهذا الأمر له انعكاسات سياسية وعسكرية، وأمنيه لذلك لايحتمل اطلاقا تعديلات طفيفة، وخطة عمل بطيئة وطويلة المدى بل تحتاج الى قرارات حاسمة، وسريعة من نوع تعميم حرية السوق، والغاء كافة العقوبات التي فرضها ترامب على عدد من الدول لإجبارها على الخضوع لمصلحة واشنطن، ولابد لبايدن من نشر بيان خاص بسياسته حول العلاقات التجارية ليصبح دليلا للعمل المستقبلي، وقد تدغدغ بايدن فكرة اصدار " بيان بايدن حول أسس التعامل التجاري ".

‎ملف السياسة الخارجية : الاستراتيجية والتكتيك

‎قد يكون هذا الملف من أهم الملفات، وأكثرها تعقيداً، فهو ملف يتضمن قضايا الحرب والسلم وقضايا اتفاقيات الحد من الأسلحة النووية، ويتضمن اتفاقيات وضع حد لسباق التسلح، وملف الخطوط الحمر في الصراع الدولي، والمنافسة بين الكبار، وكذلك كافة الملفات المتصلة بالسياسة الامبريالية الاميركية، التي تفرضها احتكارات الولايات المتحدة في التجمع الصناعي العسكري، والتجمع الصناعي التكنولوجي، والتجمع الغازي والنفطي اذ تدفع هذه الاحتكارات الكبرى دواليب السياسة الخارجية خدمة لمصالحها، فمثلا تدفع احتكارات صناعة الأسلحة ( طيران، وبحرية، وآليات، وصواريخ )، الحكومة الاميركية وتشجعها على تشجيع، واشعال صراعات مسلحة، ودموية اقليمية كي تتوسع أسواق بيع الأسلحة كما يجري الآن في زيادة اشعال حرب اليمن، فقد دفعت الاحتكارات صناعة الأسلحة ترامب والبيت الأبيض لتشجيع العائلة السعودية، وأنظمة خليجية تأتمر بأوامر واشنطن على شن الحرب على اليمن، وتصعيدها، واستخدامها مختبرا لأسلحة وذخائر جديدة قاتلة لم يسبق لاميركا أن جربتها.

‎اشعال الحرب في اليمن كانت، ومازالت وسيلة من وسائل الاحتكارات الاميركية لصناعة السلاح، وفي ميدان النفط والغاز لزيادة أرباحها، التي كانت طائلة فما بالك الآن، لقد نهبت هذه الاحتكارات من خلال صفقات ترامب مع ابن سلمان، وابن زايد أكثر من تريليون دولار من أموال الامة العربية، وذلك بإشعال حرب مدمرة يقتل فيها أطفال ونساء اليمن، ولا يجرح فيها جندي اميركي واحد، ويقتل فيها جنود يمنيين وسودانيون، ومن أبناء الجزيرة والخليج بأيد صهيونية، أو متصهينة كالعائلة السعودية.

أي ملف سيستلم بايدن

في ملف الشرق الأوسط سيتسلم بايدن الأمور التالية:

‎ورقة اليمن وتفرعاتها، وهي الصفقات التي وقعها ترامب مع ابن سلمان، وابن زايد وصفقات ابن سلمان - ابن زايد مع اسرائيل برعاية اميركية، لقد قطع ترامب شوطا كبيرا حتى لا يغادر البيت الأبيض قبل تحويل مآرب الصهيونية الى حقائق قائمة على الأرض، ولاشك مطلقا في أن قمة مجلس التعاون " التآمر "، الخليجي الذي غقد أول أمس في " العلا " كان من تخطيط وترتيب كوشنر، ولم يشر البيان الى الاتفاقات السرية الحقيقية، والتي تنصب بمعظمها على برنامج انشاء حلف عسكري بقيادة اسرائيل ( وان كان علم اميركا منصوبا ) لتوجيه ضربات لمحور المقاومة، الذي تقوده ايران.

سيتسلم بايدن ملف العلاقات الخارجية الاميركية، وقد نسج جزء كبير منه من قماشة صهيونية لا يستفيد منها سوى اسرائيل، والاحتكارات الاميركية، سيتسلم بايدن ملف العلاقات الخارجية الاميركية، وقد قطع ترامب نصف الطريق نحو اقامة حلف سياسي عسكري اقتصادي في الشرق الأوسط قائما على قيادة اسرائيل للحلف، الذي سيغير من التحديد الاستراتيجي لمعسكر أعداء العرب: أي تحويل ايران لتكون العدو بدل اسرائيل، وتطبيع علاقات الأنظمة المرتبطة بواشنطن مع اسرائيل تمهيدا لتسلم اسرائيل قيادة الحلف الجديد وجني نسبة 30% على الأقل من أموال العرب المنهوبة، سيتسلم بايدن ملف العلاقات الخارجية، وقد حول فيه ترامب مقياس التحالف مع واشنطن، هو التحالف والتقارب مع اسرائيل، وخدمة مصالح اسرائيل، والدفاع عن اسرائيل في كل المحافل.

وسيتسلم بايدن هذا الملف، وجوهره القضاء على اسم فلسطين، وكيان فلسطين، وأرض فلسطين، وتهجير شعبها، أو من تبقى منه خارج المجازر، والجرائم الجماعية، أو حملات التهجير، ويتضمن برنامج ترامب ضم الضفة، والجولان الفلسطيني، والجولان السوري لإسرائيل، وأغوار الاردن كما يتضمن الملف تغيير موقف واشنطن من القدس بإعلان نقل سفارتها للقدس، والاعتراف بها عاصمة موحدة لإسرائيل، ومباركة ترامب لمشروع اقامة الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى، وكل هذه الخطوات التدميرية للفلسطينيين تشترط سياسة ترامب الخارجية على كل الدول، التي تريد أن تحافظ على مصالحها مع واشنطن أن تتبعها وألا تعاقب على ذلك، وضمن ملف ترامب التدميري، الذي سيتسلمه بايدن مخطط ترامب ونتنياهو لإزالة الاونروا، وكل وكالة للأمم المتحدة تقف الى جانب الحق الفلسطيني سيستلم بايدن ملف السياسة الخارجية، وقد صاغ كوشنر، واليوت ابرامز كل مايلزم لتدمير الفلسطينيين، وفلسطين لذلك يجب عدم ترك المجال طويلا لبايدن لأن يفكر، ويبادر بأفكار ناقصة وقاصرة تتصل برتوش على النقش، الذي أعده ترامب لشعب فلسطين، والشعوب العربية، ومحور المقاومة، ولقد بدأنا بالتركيز على هذه الصفحة من ملف العلاقات الخارجية الاميركية، واستراتيجية ترامب التي تعتمد استخدام القوة، والعقوبات، والعدوان لإرضاخ الدول لسياسة واشنطن لما سيكون لهذه المنطقة من تأثير على وضع الولايات المتحدة فيها من العالم لذلك نقول ان السياسة، التي يجب اتباعها مع بايدن يجب أن ترتكز على طرح قضية فلسطين بجذريتها، وجذورها، والاصرار على تطبيق قراري مجلس الأمن 242 و338 ، وألا تقبل السلطة أو م ت ف، أو أي جهة طرح أية حلول سوى الانسحاب الاسرائيلي من كامل الأراضي التي احتلتها عام 1967.

‎- كذلك من الأهمية بمكان استراتيجيا أن يرافق ذلك نهوض شعبي في كل مكان برفض الاستيطان، واعتبار كل ما أقيم على الأرض التي احتلتها اسرائيل عام 1967، غير شرعي وهذا يعني كافة المستوطنات سواء، التي شرعها الكنيست الاحتلالي، أو التي مازالت قيد الدراسة.

‎- الاصرار على تطبيق كافة القرارات، التي اتخذتها الأمم المتحدة بشأن انهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية، والتمسك بحق العودة يجب أن يواجه بايدن بهذا الموقف ليتمكن من القفز عن كل ما نفذه كوشنر، وترامب، ونتنياهو، سوف يتردد بايدن كثيرا في التعاطي مع هذه الأوراق لخشيته من النفوذ اليهودي الاميركي، والحركة الصهيونية، والمسيحيين الصهاينة لكن أهمية التعامل مع الملف الايراني ستجبره على الدخول في هذا الممر الشائك، وهذا يجعل من موقف محور المقاومة أكثر تأثيرا على بايدن من تأثير الصهيونية، اذ أنه سيلوذ بباب مصلحة الولايات المتحدة في وجه الضغوط، لكن مفتاح التعامل مع بايدن يجب ألا يكون مفتاحا لينا، بل يجب أن يكون مدخل القوى المقاومة على بايدن، هو مدخل القوة، وتماما كما فعلت ايران، وما ستفعله، فقد أعلنت ايران ( ردا على رسائل سرية، أو غير معلنة مع وسطاء بايدن )، بأن رفعت درجة التخصيب الى 20%، وطالبت الانتربول بالقبض على دونالد ترامب بتهمة القتل المتعمد وسرب خبر تسليم ايران صواريخ مضادة للطائرات فاعلة تم استخدامها في اسقاط صواريخ اسرائيلية حاولت قصف دمشق .

‎والآن هنالك دور لليمن، ودور لفلسطين، اذ لايمكن أن تصبح ملفاتنا ساخنة تحرق الأصابع اذا لم نكن أقوياء .... فلنكن أقوياء، ونتعامل مع بايدن على أنه سيحاول المزايدة على ترامب في شؤون الشرق الأوسط، لقد قلنا ان عام 2021 ، هو عام الفرصة الذهبية لمحور المقاومة وهكذا سيكون باذن الله.

‎اني أراها كما أرى النور

‎نصر من الله قريب يا أيها الصامدون

‎كما أن هذا الموقف، الذي نراه ضروريا كمدخل للادارة الجديدة لايكفي بل يجب اتخاذ خطوات هجومية اعلامية، وسياسية داخل المجتمع الاميركي لاستثمار بداية الوعي السياسي ومعاداة العنصرية، التي ظهرت خلال أزمة ترامب في أشهره الأخيرة، وهذا لا يلغي لابل يدفع قوى المقاومة على مراقبة تحركات حلف ترامب – كوشنر- نتنياهو - ابن سلمان الذي سيستمر في العمل، والتآمر لاشعال حرب، أو ضربات لايران دون أن يكون بايدن على علم بذلك .

‎ان كيدهم سام، وعلينا أن نحتفظ بالترياق قبل أن تتاح الفرصة لبايدن بدراسة ملف علاقات واشنطن الخارجية ..... علينا الحذر الشديد من عمليات ساحقة خطط لها فكما علمنا قد تحاول اسرائيل عبر التحالف الجديد ضرب مفاعل نووي قبل أن يبحث بايدن العودة لاتفاق ايران النووي، وهنالك تآمر لاغتيال قيادات يمنية، ولبنانية، وسورية، وفلسطينية.

‎الهجوم خير وسائل الدفاع، وباب العدالة مفتوح لمن يريد أن ينتصر لها

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"