الرأي

مكانة العسكريين في دولة القانون عالمياً

19 شباط 2021 22:06

تختلف مكانة العسكريين في الدولة من بلدٍ إلى آخر، وبخاصة في موضوع حقوق الإنسان، ومن المعروف أن القوات المسلحة في أي بلد هي في أساسها مطيعة لسلطة بلادها.

وفي القرن التاسع عشر اتجه التطور بين مفهومين، يعبر أولهما عن الإرادة بدمج العسكريين مع عامة الشعب كموظفين خاضعين في نطاق وظائفهم لطاعة دقيقة، وكأفراد يصبحون مواطنين عاديين خارج الخدمة، ويتمتعون بكل الحقوق السياسية، وأما المفهوم الثاني فيؤدي إلى معسكر قانوني لهم.

وقد أعيد الأخذ بهذا الأمر العام 1872 عندما صدر قرار يطالب العسكر بالحياد المطلق، ومنعهم بالتعبير عن أي رأي سياسي وسحب منهم حق التصويت والانتخاب، وكان البحث عن التماسك وعن وحدة الهيئة خارج كل أيديولوجيا ينفتح على إعلاء شأن الانضباط، فهل كان هذا النظام مقبولاً في الديمقراطية الليبرالية؟ لقد أخذ الشك في الواقع يتسرب أكثر فأكثر، وكدليل على ذلك أخذت الاقتراحات البرلمانية العديدة تهدف لتعديل هذا الوضع.

ومن بين الأسباب والدوافع المثارة يذكر سببان، فقد كان من الخطر إبقاء الجيش منفصلاً عن المجتمع، فينبغي لـ العسكريين امتلاك حقوق سياسية ولن يكون هذا إلا في سبيل الدفاع عن مصالحهم المادية، وبعد الحرب ظهرت حجة ثالثة تقوم على أنه لا يمكن رفض حق التصويت للجيش عندما يمنح هذا الحق للنساء، دون الإخلال بتوازن القاعدة الانتخابية.

وبالفعل تمكن العسكريين من حقوقهم السياسية بموجب تعليمات صدرت عام 1945 المعدلة بقانون صدر عام 1972 الذي لا يزال قائماً والذي أوجد مبدأ يتمتع بموجبه العسكريون بكل الحقوق والحريات المعترف بها للمواطنين ما عدا بعض الحدود، فحرية الرأي والاعتقاد (الفلسفي أو الديني أو السياسي) معترف بها، لكن لا بد من ترخيص وزاري للعسكري الذي يريد معالجة مسألة سياسية عن طريق منظمة دولية أو سلطة أجنبية كما لو كان اجتماع عام لمؤتمر أو إصدار كتاب وغير ذلك.

من جانبٍ آخر يمكن للسلطات العسكرية أن تمنع في ثكنات العسكريين الإعلانات التي من شأنها أن تضر بالأخلاق أو حسن السلوك أو الزمالة، فالحرية السياسية مقبولة وأفراد الجيش يملكون الحق بالتصويت والترشيح، مع ذلك فإنه يمتنع عليهم الانتماء لحزب سياسي ما عدا في أثناء الحملة الانتخابية التي تسبق الانتخابات والتي يكونون مرشحين خلالها، وقد رأى الباحثون في هذه القاعدة مخادعة حيث لا يمكن الترشيح إذا لم توجد هنالك علاقات محكمة مع حزب سياسي.

هذا ويجيز القانون لـ العسكريين الانتماء إلى الجمعيات، وفي هذه الحالة عليهم إعلام السلطة العسكرية بالمسؤوليات التي يمارسونها، ومن جانب آخر يمتنع عليهم الانتماء لجمعيات سياسية أو نقابات أو المشاركة في الإضرابات، من هنا وعلى سبيل المثال، إن أنظمة الجيش في فرنسا تحظر على عناصر الجيش الدخول في نقاشات سياسية، بينما في بلدان أخرى كالدول الاسكندنافية يجوز لأفر اد الجيش الانتماء للنقابات والأحزاب السياسية شرط ألا يتخلوا عن واجباتهم.

وبالتالي، إن الواقع العملي يدعو إلى التساؤل عما إذا كان النظام الانضباطي النافذ في كل القوات المسلحة، غير متناقض مع دولة القانون التي تحكم المجتمع المدني، فهل من المنطق مثلاً أن تكون هنالك إمكانية لفرض عقوبات مانعة من الحرية دون تمكين صاحب العلاقة من الدفاع عن نفسه أمام جهة قضائية؟، فمثل هذا النقاش معروف لدى كل الديمقراطيات وقد أوجد بعضها حلاً للمسألة عبر نظام أسموه "الوسيط" العسكري المستقل الذي يضمن احترام القانون، كما هو الحال في ألمانيا حيث يوجد ما يسمى بالمندوب البرلماني للدفاع في البوند ستاغ، حيث تعرض هذا الحل الذي لا يضر بمتطلبات الانضباط إلى كثير من التعليقات من قبل الأوساط القانونية.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"