الدولار الأمريكي والعملات الرقمية: البتكوين

الرأي

الدولار الأمريكي والعملات الرقمية: البتكوين

مروان الزعبي

24 شباط 2021 21:46

برزت العملات الرقمية وفي مقدمتها البتكوين منذ عام 2009 خلال الأزمة المالية العالمية بعد انهيار أسواق الأوراق المالية والعملات وفقدان المتعاملين الثقة بكافة هذه الأدوات لتصبح العملات الرقمية ملاذا للمتعاملين حكمها في ذلك حكم الذهب.

إن استحواذ الدولار الأمريكي على 90% من التسويات الدولية و60% من الاحتياطيات الدولية واستخدامه كأداة لتسعير العديد من الأصول مثل الذهب والنفط أوجد حالة من الإحباط لدى المتعاملين بحثا عن بديل لا يخضع لسيطرة اي بنك مركزي أو دولة وهو السبب الثاني لهذا الانتشار.

العملات الرقمية ليست عملات حقيقية بالمفهموم المعروف لكنها مجرد أداة يأمل المتعاملون فيها الحصول على الربح دون أي عناء ولكنها ليست أداة مرتبطة بأي أصول أما قيمتها فتنبع من القيمة السوقية التي تتحدد بالعرض والطلب فليس لها قيمة ذاتية.

وبمعنى أخر، لو اشترى شخص بيتكوين بمبلغ 10 مليون دولار حسب القيمة السوقية السائدة اليوم، يسجل بأسمه هذا المبلغ لكنه لن يمتلك اي شيء مادي. وكانه يضع وديعة في مكان مجهول، لو انهار هذا المكان تذهب العملات معه!

إن البتكوين هي عبارة عن عملة رقمية، لامركزية لانها تعتمد على نظام سلاسل الكتل Block Chains وليس لها أي وجود مادي حكمها في ذلك حكم بقية العملات الرقمية والكمية المعروضة منها ثابتة وتبلغ 21 مليون وحدة والتعامل بها يتم بدون وسيط وتتم تسوية العمليات بشكل فوري، ولذلك لا يوجد كلفة لعمليات البيع والشراء وبإمكان اي شخص التعامل بها دون ان يكون له حساب مصرفي ولا تخضع لأي تشريعات وليس للبنوك المركزية اي علاقة بها ولا يوجد لها اي ضامن ولا تعتبر ورقة مالية مثل الاسهم والسندات ولذلك هي ليست مرتبطة بأي أصل حقيقي ولا تخضع لرقابة هيئات الاوراق المالية. ومع ذلك، شهدت اقبالا كبيرا خصوصا خلال عام 2020 وارتفع سعرها أكثر 6 اضعاف من 4600 دولار في نيسان 2020 الى 28000 دولار في كانون اول 2020 للوحدة على الرغم من ارتفاع مخاطرها وخاصة غياب الجهات المشرفة والمراقبة والضامنة ولذلك لو حصل أي خطأ في عمليات البيع والشراء أو اختراق لمحافظ المتعاملين فلا يمكن معالجة هذه المشاكل، وباختصار لا يوجد حماية للمستهلك.

من جهة ثانية، وبسبب ان هذه العملات تعتمد على التكنولوجيا تبقى عرضة لعمليات الاختراق وغسيل الاموال وتجارة المخدرات وتمويل الارهاب خاصة في ظل غياب التشريعات. اما بالنسبة للسعر فلا يوجد اي محددات عليه كما هو الحال في اسعار الاسهم التي لا يسمح بانخفاصها باكثر من نسبة محددة في اليوم الواحد.

أما الخطر الأكبر فيتمثل في أن ليس لها اي قيمة حقيقية ولا ترتبط باي اصل ولذلك فهي عملة وهمية معرضة للانهيار في اي لحظة في غياب أي ضوابط تحكمها.

ولكن يبقى السؤال المهم وهو: ما الذي حدث في عام 2020، ولماذا التهافت على شراء هذه العملات وخاصة من قبل المستثمرين الكبار مثل العديد من صناديق الاستثمار ولماذا اعتمدتها PayPal ولماذا فكرت شركة فيس بوك باصدار عملتها الرقمية؟ ولماذا فكرت البنوك المركزية في اصدار عملات رقمية؟ ولماذا بادرت الصين بتجربة اصدار عملتها الرقمية منذ نيسان 2020؟

من الواضح أن هذه العملات تمثل إحدى صرعات القرن الواحد والعشرين حيث اخترقت الأسواق العالمية وأقبل على شرائها المستثمرين بكافة فئاتهم حيث لاقت قبولا ليس له مثيل وذلك على الرغم من انها لا تمثل ملكية لاي اصل.

فالسهم يمثل ملكية في شركة والسند يمثل قرض لشركة (او للحكومة) ولذلك معزز باصول الشركة والعملة الحقيقية مثل الدولار أو اليورو أو الدينار الأردني تمثل التزام على الحكومة ولذلك هي معززة بسمعة الحكومة واصولها.

لكن البتكوين وكل العملات الافتراضية ليست معززة بأي شيء. ومن هذا المنطلق لا يمكن أن نسمي عملية شرائها استثمار ولا حتى مضاربة، وإنما هي عمليات مقامرة لان الاستثمار والمضاربة تتضمن امتلاك أصول أما المقامرة فلا تتضمن أصول وانما هي عملية انشاء مخاطرة بانتظار الربح أو الخسارة.

إن إقبال المتعاملين على العملات الرقمية في ظل هذه الظروف والهروب من الادوات التقليدية في عام 2020 اكثر ما يعكس حالة الاحباط التي اوجدتها طباعة النقد في العديد من الدول، يأتي في مقدمتها الولايات المتحدة في برامج التحفيز الاقتصادي والتي قد يكون لها مبرراتها في ظل جائحة كورونا، لكن اساس الاحباط يكمن في هيمنة الدولار الامريكي على على الاقتصاد العالمي. اصبح العالم اليوم مكون من الدولار الامريكي والذهب والعملات الرقمية، فعندما يتعامل المستثمر بالدولار فأنه يصبح تحت رحمة السياسة الاقتصادية الامريكية. وفي موضوع التسعير بالدولار، فلو انخفضت قيمة الدولار ترتفع قيمة الذهب والنفط والعكس صحيح ولذلك تصبح قيمة هذين الاصلين مرهونة بالاوضاع في أمريكا.

وفي اوقات الأزمات، يهرب المتعاملون الى الذهب حتى يحافظوا على قيمة أصولهم. لكن الذهب لا يعطي مردود يذكر، إلا في بعض الاستثناءات، ولذلك جاءت العملات الرقمية لتحل هذه المشكلة، كما يؤمن المتعاملون، فهم يهربون من الدولار والاصول المحررة به الى ادوات تدر لهم دخلا مرتفعا، لكنها في الواقع قد تأخذهم الى الهاوية!

والغريب في الموضوع أنه لا يوجد أي محاولة لمنع مثل هذه التعاملات أو على الأقل أن تضع لها ضوابط وتشريعات، وعلى العكس فهناك العديد من البنوك المركزية التي بدات باصدار عملاتها الرقمية ياتي في مقدمتها الصين. وفي اللحظة التي يتم فيها اصدار تشريعات ووضع ضوابط، سوف تنهار قيمتها لانها تستمد هذه القيمة من الفوضى. وفي الخلاصة، فان الاستثمار في العملات الرقمية ما هو الا مقامرة وفقاعة ستنفجر في يوم من الايام وسيندم المتعاملون بها حين لا ينفع الندم، وعلى البنوك المركزية ان تمنع مثل هذه الممارسات قبل فوات الأوان. 

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"