الرأي

معهد كوينسي: الحرب الباردة فكرة متعفنة و ليست خيارا أمريكيا-صينيا جيدا

2 نيسان 2021 13:23

ناقش مقال تحليلي نشره معهد كوينسي الأمريكي ما أسماه "نوستالجيا الحرب الباردة" معتبرا إياها "فكرة قديمة و متعفنة و ليست خيارا أمريكيا-صينيا جيدا".

وجاء في المقال:

كان الاجتماع الأول لإدارة بايدن الذي عقدته بين الولايات المتحدة و الصين في أنكوريج بألاسكا قبل أسبوعين من الآن، فرصة لإصلاح بعض الأضرار التي لحقت بالعلاقة الثنائية بين الدولتين خلال السنوات الأربع الماضية، و لكن بدلا من ذلك تحول الاجتماع إلى عرض علني للاتهامات و الشكاوى.

حيث كانت انتقادات وزير الخارجية الأمريكي بلينكين بشأن التهديد الصيني المفترض لـ "النظام القائم على القواعد" غير حكيمة، و وضعت الولايات المتحدة أمام اتهامات واضحة بازدواجية المعايير و النفاق الدبلوماسي.

ولكن في الحقيقة، تحتاج واشنطن إلى التمييز بين السياسات الصينية التي تعتبرها واشنطن غير مرغوب فيها و تلك التي تشكل تهديدا حقيقيا للسلم و الأمن الدوليين. حيث يميل المسؤولون والمحللون الأمريكيون إلى الخلط بين الاثنين، و هذا يقودهم إلى المبالغة في مدى تحريف تصرفات الصين و المبالغة في تقدير الطموحات الصينية، و هذا بدوره يشجعهم على اتباع سياسة "احتواء" أكثر عدوانية مما يتطلبه الأمن القومي الأمريكي و حلفاءه.

و إذا كانت الولايات المتحدة و الصين تريدان تجنب تنافس عسكري و مكلف بشكل متزايد في شرق آسيا، فمن الضروري ألا تحاول الولايات المتحدة وضع الصين في الزاوية. وهنا بدأت إدارة بايدن بداية سيئة بالفعل.

بلينكين طمس الخط الفاصل بين مجموعات مختلفة من السياسات من خلال تجميع السلوك الداخلي القمعي للصين مع تعاملها مع حلفاء الولايات المتحدة، و وصفهم جميعا بأنهم يهددون "النظام القائم على القواعد الذي يحافظ على الاستقرار العالمي"، كما أن حقيقة أن مترجم الوفد الأمريكي أخطأ على ما يبدو في ترجمة عدد من تصريحات بلينكين و سوليفان بطريقة جعلتها تبدو أكثر عدائية مما كانت عليه "زاد الطين بلة".

بالإضافة إلى ذلك، من المناسب للولايات المتحدة أن تثير انتهاكات حقوق الإنسان، و أن تعترض على الإبادة الجماعية الثقافية التي تُرتكب ضد الأويغور و الأقليات العرقية الأخرى في الصين، و لكن عندما يتم دمج هذه القضايا مع السياسات الأمريكية الأخرى في المنطقة، فإن ذلك سيجعل الأمر يبدو كما لو كان أن الولايات المتحدة تثير هذه القضايا بشكل انتهازي لتحقيق أهداف أخرى.

كما و أوصى مايكل سوين و جيسيكا لي و راشيل إسبلين أوديل في تقرير أصدره معهد كوينسي حول سياسة الولايات المتحدة في شرق آسيا، أنه يجب على الولايات المتحدة فصل الدفاع عن انتهاكات حقوق الإنسان في الصين حتى تكون الدعوة أكثر مصداقية و لا يمكن رفضها بسهولة.

و كان تصريح وزير الخارجية الصيني يانغ جيتشي مليئا بالانتقادات المألوفة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، و لكنه تضمن أيضا تأكيدا مهما على أهمية القانون الدولي و دور الأمم المتحدة بشكل خاص، حيث قارن يانغ هذا بالنظام الذي تقوده الولايات المتحدة أو تحدده الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن من يتبع و يدعم المجتمع الدولي يتبعه هو النظام الدولي المتمركز حول الأمم المتحدة و النظام الدولي المدعوم بالقانون الدولي، و ليس ما يدعو إليه عدد قليل من البلدان فيما يسمى بالنظام الدولي "القائم على القواعد".

أيضا أوضح يانغ أنه من الصعب بشكل مفهوم على الحكومات الأخرى أن تأخذ انتقادات الولايات المتحدة بشأن أنشطة الصين المزعومة المزعزعة للاستقرار على محمل الجد في الوقت الذي اتبعت فيه الولايات المتحدة مثل هذه العادة في انتهاك القانون الدولي على مدار العشرين عاما الماضية. عندما قارن بين نظام محوره الأمم المتحدة و النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، استغل ببراعة بالغة حقيقة أن الولايات المتحدة كانت في كثير من الأحيان منتهكا رئيسيا للنظام الدولي الذي تدعي دعمه.

إلى ذلك، من المهم أن تواصل الحكومة الصينية تعريف نفسها علنا بالوضع الدولي الراهن، فلن تشعر أي قوة عدوانية حقا بالحاجة إلى التشدق بهذه الأمور، لكن الصين لا تزال تستفيد من النظام الحالي بعدة طرق و لا تسعى إلى الإطاحة به. وهي مثل القوى العظمى الأخرى، تحاول ثني النظام الدولي لصالحها، لكن استعدادها للعمل كجزء من النظام الحالي يجب أن يسمح للولايات المتحدة و الصين بإدارة نزاعاتهما دون الدخول في "حرب باردة جديدة".

و لسوء الحظ، هناك إجماع متزايد في الولايات المتحدة على أن "الحرب الباردة الجديدة" مع الصين ضرورية و مرغوبة، فغالبا ما يأخذ هذا شكل النوستاجيا إلى الحرب الباردة و صراع التسلح ولده التنافس الأمريكي مع الاتحاد السوفيتي.

ونقل المعهد بصلب تحليله، عن خبير السياسة الأمريكية هال براندز أحد الداعمين الرئيسيين لوجود حرب باردة مع الصين، أنه يرسم صورة وردية للغاية للحرب الباردة الأمريكية التي تؤكد التقدم في الحقوق المدنية و التنمية الاقتصادية، و يروج لمكاسب نشوب صراع مماثل مع الصين على أساس أن الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي كانت "قوة للتغيير البناء".

وبينما كان هناك تقدم بالفعل في بعض المجالات خلال الحرب الباردة السابقة، جاء ذلك في كثير من الأحيان على الرغم من التنافس العسكري مع قوة معادية أكثر من كونه بسببها. و كما رأينا بالفعل خلال العام الماضي، ساهم الخطاب الأمريكي الديماغوجي المناهض للصين الصادر عن السياسيين في كلا الحزبين الرئيسيين، الديمقراطي و الجمهوري، في زيادة كبيرة في الكراهية و العنف ضد آسيا.

و مع زيادة التوترات الأمريكية مع الصين، فإن ذلك سيشكل خطرا متزايدا على جميع الأمريكيين الآسيويين. وإذا كانت الولايات المتحدة ستنخرط في "حرب باردة جديدة" مع الصين، من شبه المؤكد أن الآثار السامة على المجتمع الأمريكي ستفوق بكثير أي فوائد قد تنجم عنها.

و كان يجب أن تتعلم الولايات المتحدة خلال السنوات العشرين الماضية من "الحرب على الإرهاب"، أن الصراع المطول في الخارج سوف يرتد و يؤذي الأمريكيين في الوطن من خلال تأجيج المضايقات و التمييز و العنف ضد الأقليات العرقية و الدينية.

بالإضافة إلى ذلك، هناك فكرة مضللة بالمثل مفادها أن "الحرب الباردة الجديدة" مع الصين ستشجع المزيد من الإنفاق العام على الاحتياجات المحلية. و اقترح دويل ماكمانوس مؤخرا أن الحرب الباردة الصغيرة يمكن أن تكون شيئا جميلا، لأنها ستجبر الولايات المتحدة على الاستثمار أكثر في البنية التحتية و البحث، لكن هذا سيفسد العديد من الأشياء الأخرى، لسبب واحد يتمثل في أن الولايات المتحدة يمكن أن تختار الاستثمار في هذه الأشياء دون أن تلزم نفسها بمنافسة مكلفة مع قوة عظمى.

و من ناحية أخرى، إن الإنفاق العسكري الإضافي الذي سيطالب به مؤيدو "الحرب الباردة الجديدة" من شأنه أن يزاحم الإنفاق المحلي حتى أكثر مما تفعله الميزانية العسكرية الأمريكية اليوم. كما أنه من غير المرجح أن يستوعب النظام السياسي الأمريكي الحالي المستوى الأعلى من الضرائب الذي كان سائدا خلال معظم فترات الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، لذلك لا يمكن الاعتماد على التنافس مع الصين ليكون له نفس الآثار الجانبية على التعليم العالي و البحث العلمي التي حدثت سابقا.

كما أنه من المرجح أن ينتهي الأمر إلى أن تتحول الحرب الباردة الجديدة إلى رد عسكري شديد يهدر مبالغ هائلة من المال في القتال في صراعات محيطية، و في ظل تحويل الموارد بعيدا عن الاحتياجات المحلية لسنوات قادمة ، سيؤدي ذلك إلى تسريع الانحدار في المجتمع الأمريكي.

و الجدير بالذكر أن حالة النوستالجيا إلى الحرب الباردة تتطلب من الأمريكيين نسيان عشرات الملايين من الأشخاص الذين قتلوا في الحروب التي ولدها التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. حيث أن السعي وراء تنافس مماثل مع الصين يهدد بتحويل العديد من البلدان إلى ساحات قتال في "منافسة القوى العظمى" التي لا معنى لها و التي لن تجعل الولايات المتحدة أو حلفائها أكثر أمانا.

و لذلك، يجب أن يبقى العداء تجاه الصين خيار و ليس أمرا حتميا، بصفتهما أقوى دولتين في العالم، تقع على عاتق الولايات المتحدة و الصين مسؤولية إنشاء طريقة مؤقتة و عملية تتجنب سباقات التسلح و الحروب بالوكالة في حقبة أخرى من الزمن المعاصر.

وبدلا من إضاعة عقود و أرواح لا حصر لها في مواجهة غير مثمرة قبل الاعتراف بالحاجة إلى الانفراج، كما فعلت الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، يجب على الولايات المتحدة و الصين متابعة الانفراج أولا و العمل معا على المصالح المشتركة.

المصدر: معهد كوينسي لفن الإدارة الرشيدة

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"