الرأي

أثر العقوبات الأمريكية في التقارب بين المتشددين والإصلاحيين في إيران

15 نيسان 2021 18:07

نشر معهد كوينسي الأمريكي لفن الإدارة الرشيدة مقالا بعنوان كيف وحدت سياسة الضغط الأقصى التي مارسها ترامب المتشددين والإصلاحيين في إيران للكاتب سجاد صفائي الحاصل على الدكتوراة من جامعة مارتن لوثر عن أبحاثه حول أشكال مختلفة من العنف مع التركيز على ما يسمى بالعقوبات الأمريكية.


وجاء في المقال:

"لديك ماضي مظلم"، هكذا ألقى المرشح الرئاسي الإيراني حسين دهقان، بشوكة رقيقة على الشخص الذي كان قد منحه ساعة لاستعراض رؤيته لمستقبل البلاد على المنصة.

وتابع كاتب المقال بأنه على الرغم من جو التحضر الذي ساد المقابلة التي أجريت عبر الإنترنت، فإن دهقان الذي خاطب حمزة غالبي باسمه الأول ووصفه في وقت ما بـ "ابني"، لم يستطع إلا أن يزيد من تورط الناشط في حركة الاحتجاج الخضراء التي اجتاحت وأدت إلى انقسام البلاد في أعقاب إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد للرئاسة عام 2009، والذي قوبل بخلافات واسعة النطاق.

وأشار الكاتب سجاد صفائي إلى أن القائد في الحرس الثوري الإيراني سأل غالبي باستهزاء: " هل كان الطقس في بلادنا مزعجا لدرجة أنك اضطررت إلى المغادرة؟"، مدركا تماما أن احتمال السجن، وليس سوء الأحوال الجوية، قد أجبر الناشط الإصلاحي على اختيار المنفى في فرنسا، حيث رد عليه غالبي بابتسامة هادئة قائلا: " لا علاقة لذلك بالطقس ".

واعتبر صفائي أنه بصرف النظر عن تلك اللكمات العرضية، أظهرت المقابلة القليل من التلميح أو عدم وجود تلميح ملموس إلى أن الرجلين متباعدان سياسيا، فدهقان من قدامى المحاربين في الحرب العراقية-الإيرانية التي اندلعت في الفترة الواقعة ما بين عامي 1980-1988، وقد شغل منصب قائد الحرس الثوري وكذلك وزير الدفاع الإيراني، ويعمل حاليا كمستشار دفاعي للمرشد الأعلى علي خامنئي، وهو قريب من هيكل صنع القرار في إيران، ولا سيما جهاز الأمن القومي.

ففي تناقض صارخ مع دهقان، لا يمكن وصف علاقة غالبي بهيكل السلطة الإيرانية إلا بأنها علاقة خارجية وسطحية للغاية، حيث تم تقييد اسمه على مير حسين موسوي، الرجل الذي كان قيد الإقامة الجبرية لقيادته حركة الاحتجاج التي ظهرت في أعقاب السباق الرئاسي المتنازع عليه في عام 2009.

وفي ذلك الوقت، بحسب صفائي، كان غالبي أحد كبار مساعدي حملة موسوي، التي سعت إلى الإطاحة بأحمدي نجاد، ولقمع تلك الثورة، تم القبض على غالبي والعشرات من الشخصيات المؤيدة للإصلاح وحكم عليهم بالسجن لفترات طويلة، حيث أمضى شهرين ونصف في السجن، منها شهرين في الحبس الانفرادي، وبعد أن فر إلى فرنسا عام 2010، حكم عليه غيابيا بالسجن خمس سنوات لدوره في الاضطرابات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الإيرانية.

اليوم، يمكن لدهقان أن يقف بجانب المرشد الأعلى لإيران بسهولة كبيرة، وعلى الرغم من أن فرصه في الفوز ضئيلة، إلا أنه يستطيع نظريا الترشح لأحد أعلى المناصب العامة في الجمهورية الإسلامية، في حين أن أعلى منصب عام يمكن أن يأمل غالبي في توليه عند عودته إلى إيران هو زنزانة سجن ضيقة في سجن "إيفين" الشهير أو إذا ما كان أقل حظا، في الحبس الانفرادي.

ولفت الكاتب صفائي إلى أنه ورغم انتماءاتهم السياسية المتعارضة إلى حد كبير، والعلاقة غير المتكافئة جذريا مع سلطة الدولة، لم تشر لهجة ومحتوى تبادلهم الودي للرأي إلى حد كبير إلى أي خلاف غير قابل للتوفيق بينهما.

وعلى الرغم من الفجوات الواسعة في وجهات النظر بين هذين الشخصيتين، إلا أنهما سيتوصلان إلى اتفاق عند مناقشة سياسة "الضغط الأقصى" لدونالد ترامب، وفي بعض الأحيان، تتقارب وجهات نظرهم حول هذا الموضوع و حول القضايا ذات الصلة إلى حد كبير لدرجة أن المرء قد يخطئ في اعتبار الناشط المنفي المؤيد للديمقراطية صديقا للمستشار الدفاعي للمرشد الأعلى الإيراني، بحسب تعبير كاتب المقال.

ويتابع الكاتب سجاد صفائي سرده لمجريات الحوار وفق رؤيته التحليلية بأنه أثناء اللقاء، كان غالبي يضغط على مستشار خامنئي بشأن سبب عرض إيران الكثير من التنازلات النووية للقوى العالمية دون رؤية المكاسب الاقتصادية والدبلوماسية التي وعدت بتحقيقها بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، أو كما تعرف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.

في حين دافع دهقان عن موقف إيران، بما في ذلك قرارها بالدخول في الصفقة، حيث قال: " كان سلوكنا قائما على المبادئ ومصالحنا والمنطق والعقل والقانون والاعتبارات الأخلاقية بالتأكيد ".

لكن هذا، وفقا لغالبي، كان مشكلة رئيسية في خطة العمل الشاملة المشتركة، حيث قال: " إن هذا بالتحديد أحد عيوب خطة العمل الشاملة المشتركة، فما لا أفهمه هو أنه عندما قدمنا للولايات المتحدة كل ما تريده منا من جانب واحد، بما في ذلك شحن اليورانيوم إلى الخارج، ما هو الحافز الذي كان لدى الولايات المتحدة للوفاء بالتزاماتها تجاهنا؟ "

وقد أقر القائد العسكري من جانبه، بأن إيران أخطأت في التسرع في المفاوضات التي أدت إلى خطة العمل الشاملة المشتركة والثقة بالأطراف الأخرى في الصفقة.

وأشار كاتب المقال إلى سؤال غالبي كيف ينوي دهقان كسر الجمود بشأن الصفقة إذا ما أصبح رئيسا للبلاد، في انعكاس للإحباط الإيراني المتزايد بشأن عقوبات ترامب وفشل الرئيس جو بايدن حتى الآن في الوفاء بوعد حملته الانتخابية بالعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة.

حيث سأل غالبي: " كيف ستتصرف الآن ؟، لقد كنا نتفاوض معهم لمدة عامين، وقد انتظرنا بضعة سنوات حتى ينفذوا جانبهم من الصفقة، ثم تركوا الصفقة منذ عامين، ثم انتظرنا الديمقراطيين للدخول في الصفقة مرة أخرى، وهو ما لم يفعلوه حتى الآن منذ بداية عهد بايدن ".

بالإضافة إلى ذلك، أكد الكاتب صفائي بأن التجمع حول تأثير العلم كان واضحا بالكامل عندما تمت مناقشة العمليات العسكرية الأمريكية و الإسرائيلية ضد إيران ، حيث عبر غالبي عن استيائه مما اعتبره رد فعل إيران المسالم على اغتيال العالم النووي الكبير محسن فخري زاده و الشخصية العسكرية الموقرة اللواء قاسم سليماني ، و كذلك الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة على القوات الإيرانية في سوريا ، حيث قال: " لقد اغتالت إسرائيل عالمنا النووي على أرضنا ، بينما اغتالت أمريكا الجنرال الأبرز في البلاد ، و اسرائيل تقصف قواتنا بشكل مباشر في سوريا ، لكننا لم نفعل شيئا حتى الآن "

ويرى الدكتور سجاد صفائي بأنه على الرغم من القصصية التي طغت على السرد، فإن الآراء التي يتبناها غالبي، و الذي أيد الصفقة النووية في الأساس، تعكس إلى حد كبير تقلبا مزاجيا و فكريا ملموسا داخل المعسكر المؤيد للإصلاح في إيران بعد أربع سنوات من حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما يعني أنه يجب أن يعلم المرء أن هذا المعسكر قد كان ينظر إليه تقليديا على أنه أكثر انفتاحا على التعامل مع الغرب.

ففي الحقيقة، يعتبر الكاتب بأنه يجب أن يكون لدى بعض الأصوات الأكثر ديمقراطية في إيران شكوك تجاه التعامل مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يجب أن يكون هذا الأمر مصدر قلق عميق لصناع السياسة الذين يأملون في إجراء محادثات مستقبلية مع إيران حول مجموعة كاملة من القضايا، وعلى رأسها الملف النووي، لأنه وبحسب صفائي، إذا كان التشكك يميز الموقف بين الأطراف والأحزاب التي ينظر إليها تقليديا على أنها متعاطفة مع المشاركة البناءة مع الغرب، فإن الأمر سيتطلب القليل من الجهد الفكري أو الخيال لتقدير المدى الذي وصل إليه تشدد الرأي العام الإيراني خلال سنوات حكم ترامب، لا سيما فيما يتعلق بالأمن القومي و السياسة الخارجية.

كما وأدى فشل بايدن حتى الآن في رفع العقوبات المفروضة على إيران وضمان بقاء الاتفاق النووي على المدى الطويل إلى إثارة السخرية في جميع المجالات السياسية، بغض النظر عن وجهات النظر حول التطور الديمقراطي.

وفي ختام مقاله يبين الدكتور سجاد صفائي بأن أياً مما سبق لا يشير في الحقيقة، إلى أن الانقسامات السياسية و الاجتماعية التي تم الكشف عنها خلال انتخابات عام 2009 قد تم القضاء عليها بالكامل، حيث أنه قد يتم تعديل الأولويات الوطنية بسبب الضغط الخارجي، و لكن من غير المرجح أن تتلاشى تلك الانقسامات الداخلية ما لم يتم التعامل معها بشكل مناسب، ففي الواقع، عندما تطرق دهقان إلى "الماضي المظلم" لغالبي في نهاية المقابلة، تم تذكيره على الفور بأن التجمع حول تأثير العلم وحده لا يمكن أن يحل محل الروايات الإصلاحية لثورة عام 2009.

حيث ابتسم غالبي عند سماعه تعليق دهقان، وقد رد بابتسامة عريضة: " إن الماضي الذي تتحدث عنه يتعلق بالاحتجاج على نتائج انتخابات عام 2009 ".

المصدر: معهد كوينسي لفن الإدارة الرشيدة (معهد سياسي أمريكي)

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"