سقوط التطبيع في ساحات القدس

الرأي

سقوط التطبيع في ساحات القدس

ميشيل كلاغاصي

11 أيار 2021 21:47

ما بين اتفاقيات السلام المزعوم واتفاقيات الذل والتطبيع المجاني, هناك من يصرّ على استمرار مسلسل الهزائم الذاتية وتقديمها كهدايا مجانية للعدو الإسرائيلي.

فقد كانت مصر أولى الدول العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع سلطات الكيان الإسرائيلي الغاصب, ووقعت معها معاهدة سلام عام 1979 وانخرطت معها في تعاون تجاري كبير، تبعتها المملكة الأردنية بتوقيعها اتفاقية مماثلة عام 1994, وخلال العقدين الماضيين كثرت الأحاديث والمؤشرات عن علاقاتٍ سرية جمعت عديد الأنظمة العربية والكيان الإسرائيلي, لكن العام 2020 جاء ليدحض الشكوك والاتهامات بالحقائق, وما كان مستوراً ظهر إلى العلن, إذ أقامت أربع دول عربية - الإمارات والبحرين والمغرب والسودان - علاقات اقتصادية ودبلوماسية كاملة مع ذات الكيان, والذي بدوره لم يتوقف عن إطلاق تأكيداته بوجود عرب اّخرون ممن يطرقون الباب.

ففي 15 أيلول 2020، وقع وزيرا الخارجية الإماراتي والبحريني معاهدتي سلام بين بلديهما و"إسرائيل", ومع حلول العام 2021 تم افتتاح السفارة الإسرائيلية في أبو ظبي، تبعتها البحرين في نهاية شهر اّذار بتعيين سفيرها في "إسرائيل", ولا يبدو موعد افتتاح سفارتي "إسرائيل" في المغرب والسودان بعيداً.

ومن اللافت أن يصدر عن الخارجية الأمريكية بالأمس, في خضم العدوان الإسرائيلي الغاشم على المقدسات والمقدسيين, كلامٌ صريح وواضح : "سنواصل دعم اتفاقات التطبيع بين إسرائيل وجيرانها العرب", ولم تخف الخارجية الأمريكية قباحتها بإعلان دعمها للاحتلال الإسرائيلي وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني والعربي ودول التطبيع بقولها : "لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها" ... ويبقى السؤال أين اختفى السلام المزعوم ووعود الازدهار التي روج لها المطبعون؟.

وعلى الرغم أجواء التصعيد العسكري الإسرائيلي على خلفية اقتحام ساحة المسجد الأقصى, ومحاولات التهجير القسري التعسفي لأهالي حي الشيخ جراح في القدس المحتلة, ورغم صواريخ المقاومة الفلسطينية , واستهداف المستوطنات وعدد من القواعد العسكرية الإسرائيلية والمركبات والاّليات العسكرية , ورغم هذا المشهد الخطير والساخن , وضبابية التوقعات حول ما يمكن أن يحصل خلال الساعات والأيام القادمة, ووسط وعيد المجرم نتنياهو بتوسيع الرد الشديد والقوي, ووسط احتمالية كبيرة لانطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثالثة .. وجدت وزارة الخارجية الأمريكية الفرصة مناسبة للحديث عن دعم المزيد من التطبيع !, هل تبدو الخارجية الأمريكية تستعجل الحديث عن التطبيع في محاولة لاستباق الانتفاضة الفلسطينية الثالثة المحتملة؟.

وعلى الرغم من اتفاقيات الاستسلام والتطبيع ومشاهد افتتاح السفارات والزيارات, إلاّ أن الشعوب العربية لا زالت ترنو نحو تحرير فلسطين العربية, ودعم المقاومة الفلسطينية والحقوق العربية, هذه الشعوب التي لم تفوت مناسبة للتظاهر ضد التطبيع وضد اتفاقيات العار والخذلان, وهذا ما يمنح الأمل والثقة بالنصر ولو بعد حين.

ومع كل الوهن والصعف وحالة الانقسام والشرذمة التي نجح الأعداء في زراعتها في صفوف الأمة, إلاّ أن المتغيرات الإعلامية وسقوط الرواية الإسرائيلية وانكشاف حقيقة الكيان العنصري الإرهابي الاستيطاني التوسعي الغاصب, أمام غالبية دول وشعوب العالم , ناهيك عن تنامي قدرات محور المقاومة, والتي أصبحت رقماً صعباً في وجه المد الصهيو – أمريكي في المنطقة ...

ولا بد لزعماء الشر والإرهاب في البيت الأبيض وتل أبيب, مراقبة الدور والقدرات العسكرية الإيرانية القوية, ومتانة الوضع الدولي لطهران وعلاقاتها الاستراتيجية مع كل من موسكو وبكين وغير دول ... ولا يمكن تجاهل قوة وثبات الدعم الإيراني اللا محدود للفلسطينيين والحقوق والمقدسات, ولكافة فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى كامل مساحة فلسطين المحتلة , كذلك دعمها الكبير للمقاومة اللبنانية , ووقوفها مع سوريا جنباً إلى جنب في مواجهة الحرب الصهيو - أمريكية, بالإضافة إلى الانتصار الذي حققه الجيش العربي السوري, واستعادة الدولة السورية الشيء الكثير من قدراتها العسكرية, التي كانت ولا زالت تدب الرعب في قلوب العدو الإسرائيلي ومستوطنيه .. في حين سبق للقوات الأمريكية أن اختبرت جبنها وضعفها في العراق, أمام رباطة جأش وبسالة أحزاب وفصائل المقاومة العراقية, ولمست قوتهم إصرارهم على طرد الإحتلال, وضرب اليد الأمريكية وأذرعها الإسرائيلية.

بالتأكيد لدى الإدارة الأمريكية وربيبتها "إسرائيل" أجندات وملفات صعبة , كافية وكفيلة لإصابتهم بالقلق والذعر, وباتت مشاريعهم و"هيبتهم" ووجودهم على الأراضي العربية المحتلة على المحك.

من المؤسف أن يهزأ المطبعون بأنفسهم, وهم يروجون للتطبيع على أنه سيحمل السلام والاستقرار والازدهار للمنطقة ولدول التطبيع, في وقتٍ تبدو دولهم تزلق بسرعة في أتون المخططات الصهيو- أمريكية, وأن سلامهم المزعوم لم يجلب لهم سوى المزيد من العار ومناسبات إجبارية فُرضت عليهم كفعاليات إحياء ذكرى ضحايا "الهولوكوست".

شيئاً فشيئاً يتأكد الشارع العربي بما يسبق حكوماته , بأن السلام مع العدو الإسرائيلي هو وهم كبير, وأنه لا توجد هناك حلول عادلة ومنصفة, وأنها معركة خاسر ورابح, ومعركة وجود, لا يملك العرب سوى خياراً وحيداً هو الانتصار.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"