"موليير" رائد المسرح الخالد المُعاقب كنسياً

الرأي

"موليير" رائد المسرح الخالد المُعاقب كنسياً

عبد العزيز بدر القطان

19 أيار 2021 14:10

ازدهرت النهضة الفرنسية بين 1494 – 1610 فنياً وثقافياً بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، وكانت مرتبطة بشكلٍ عام بالنهضة الأوروبية، حيث كان للفلسفة الإنسانية انتشاراً كبيراً، إلى جانب الفن المعماري والنحت والرسم والموسيقى والعلوم والأدب، ورغم حالة التطور هذه، كانت أوروبا في قبضة الكنيسة التي حاولت تقييد هذه النهضة خاصة تلك التي تخالفها، بحجة الإلحاد والتنوير.

جون بابتيست بوكلان، الشهير بـ "موليير"، مؤلف كوميدي مسرحي، وشاعر، وممثل، ومحامي، ومخرج مسرحي، ودراماتورج فرنسي. يُعد أحد أهم أساتذة الهزليات في تاريخ الفن المسرحي الأوروبي حيث يُعتبر رائد الكوميديا الساخرة، وعلم اللغة الفرنسية، ومؤسس "الكوميديا الراقية"، شخصية جدلية لها بصمتها الرائدة والخالدة في الأدب الفرنسي.

إلى جانب ذلك، موليير شاعر وكاتب وممثل شهير امتلك شهرة كبيرة لا تزال حتى يومنا هذا، كما أنه يحتل مكانة رمزية كبيرة في بنية الثقافة الفرنسية، إذ يُشار إلى اللغة الفرنسية على أنها لغة موليير، كما يُشار إلى اللغة الانكليزية على أنها لغة شكسبير، فلقد أطلق الفرنسيون على موليير لقب رجل "القرن الأكبر"، "القرن السابع عشر"، ويعود ذلك إلى أعماله وكتاباته ومسرحياته الرائدة، حيث عالج أهم قضايا المجتمع الفرنسي وإشكالياته وصراعاته بأسلوب ساخر وهزلي ما ترك بصمة كبيرة لدى الفرنسيين، ليس هذا فقط، فلقد استطاع موليير الدخول إلى أعماق النفس البشرية بوساطة النماذج الفردية التي أوجدها في كتاباته، ليظهر بكل وضوح ما تحتويه الشخصية الإنسانية من تناقضات وتعقيدات وانفعالات نفسية.

جون بابتيست بوكلان، الشهير بـ "موليير"،

لكن ما يميز موليير حقاً رغم كل شهرته وكتاباته وإبداعاته، أنه كان شخصية غامضة نوعاً ما، لف حولها الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام، إن كان حول حياته الشخصية أو المهنية وحتى الفكرية والعقائدية، من بين ذلك ما يتعلق بشكله ومظهره الخارجي، حيث هناك أقوال متضاربة في هذا الشأن، فالذين عاصروه يرون منه أنه كان رجلاً قبيحاً ذو بشرة سمراء وشفاه غليظة وأنف ضخم، ورأى غيرهم أنه من ناحية المظهر كان مقبول الشكل، لكن اللوحات المنتشرة له أظهرته على أنه شاب وسيم وجميل، وبين هذين الرأيين، ذهب البعض إلى خلاصة مفادها أن موليير كان يدفع للرسامين ليظهروه بالشكل الذي وصل إلينا في الرسومات الخاصة به.

ولد موليير في باريس "1622 – 1673"، لوالد تاجر أثاث، ولوالدة كانت سليلة عائلة برجوازية ثرية، من هذا المستوى الجيد، استطاع موليير أن يتلقى تعليماً جيداً، في أرقى مدارس باريس "كليرمون اليسوعية" هذه المدرسة خرجت العديد من رجالات فرنسا الكبار مثل الفيلسوف والكاتب الشهير "فولتير"، واشتهرت هذه المدرسة بتعليم اللغة اللاتينية التي هي لغة العلم والفلسفة في تلك الحقبة، هذا الأمر فتح الآفاق لموليير ومكّنه من الاطلاع على أبرز الأعمال الأدبية والفلسفية والمسرحية وروائع الأدب اللاتيني الكبيرة، ثم التحق بالجامعة ودرس الحقوق، ودرس الفلسفة على يد الفيلسوف بيير غاسندي، (فيلسوف، وعالم رياضيات، وعالم فلك، وبروفيسور، ومنجم، وقسيس، وفيزيائي، وعالم عقيدة، وعالم طبيعة).

"موليير"، مؤلف كوميدي مسرحي

تركت الفلسفة لدى موليير تأثيراً كبيراً عليه وبخاصة الفلسفة الأبيقورية، (الأبيقورية أو المذهب الأبيقوري ‏ يُنسب إلى الفيلسوف اليوناني أبيقور، الذي أنشأه وقد ساد لستة قرون، وهو مذهب فلسفي مؤداه أن اللذة هي وحدها الخير الأسمى، والألم هو وحده الشر الأقصى)، وإلى حد ما أيضاً أثرت الفلسفة المادية في فكر فولتير، إضافة إلى ذلك، كان متأثراً بشكل كبير بالفن المسرحي، إذ لم يفوت عرض مسرحي في أكبر مسارح باريس، لكن في العشرينيات من عمره، تلقى موليير أول صدمة في حياته وهي أن اصطدم برغبة والده الذي أراد منه أن يباشر العمل معه في تجارة الأثاث وأن يكون وريث هذه المهنة، إذ كان والده يجدد أثاث القصر الملكي الفرنسي، إلا أن موليير أذعن أخيراً لرغبة والده، لكن لم ترقه نهائياً حياة القصور، التي رأى فيها أنها حياة مزيفة ومصطنعة وغير حقيقية، وبالتالي ترك هذا العمل، واتجه إلى مهنة المحاماة وعمل بها لفترة قصيرة، بعد أن اكتشف حجم الفساد داخل هذه المهنة، إلى جانب أن هاجسه الأكبر كان الفن والمسرح والتمثيل، وما نمّى هذا الشغف لديه هو تعرفه على عائلة بيجار (عائلة مسرحية فرنسية من القرن السابع عشر ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالكاتب المسرحي موليير. ويشمل أعضاؤها الإخوة والأخوات جوزيف، ومادلين، وجنيفيف، وأرماند، ولويس) التي كانت تحترف التمثيل في ذاك الزمان.

هذه العائلة مكنت موليير من تحقيق حلمه الأوحد من خلال اتفاقهم على إنشاء فرقة مسرحية تضمهم مع موليير، وأطلقوا عليها اسم "فرقة المسرح الباهر"، ومن حينها أصبح اسم جون بابتيست، موليير، منعاً لإحراج عائلته التي ذكرنا أنها من الطبقة البرجوازية، خاصة وأن التمثيل كان متدني القيمة اجتماعياً، لكن ورغم ذلك كانت النهضة المسرحية في فرنسا تشهد عصراً ذهبياً، وبحكم صلة موليير بعائلة بيجار كان من بينهم الممثلة ذات الشعر الأحمر واسمها مادلين التي أغرم بها موليير وقيل إنها كانت عشيقته لفترة من الزمن، وكان لها تأثيراً عليه لدرجة أن أقنعته باستئجار أحد المسارح المرموقة لجذب الجمهور خاصة وأن المسرح الإيطالي كان مزدهراً في تلك الفترة ما جعل المنافسة محتدمة، لكن ومع الأسف لم يكتب النجاح لهذه الفرقة وبات الفشل ملازماً لها، ما أثقل موليير بالديون كونه مدير هذه الفرقة، وبعد ذلك قرر موليير تقديم العروض خارج باريس إلى أن لمع نجم الفرقة، وبقي على هذا الحال 13 عاماً ما زاد خبرته عموماً في الحياة.

موليير وخلال تجواله بما عرف عنه من ذكاء وفطنة عالية، تمكن من خلال احتكاكه بالكثير من الناس بجمع خبرة كبيرة في تعامله مع مختلف الشرائح من الناس والسلطة معاً، وبعد أن لمع نجم موليير قدم للعالم في الـ 15 عاماً من بعد التجوال أكثر من 28 مسرحية، عناوين مسرحياته أصبحت على كل شفة ولسان: البخيل، طرطوف أو المنافق، طبيب رغم أنفه، المريض الوهمي أو بالوهم والوسواس، إلخ... وفي كل مرة يستفاد الجميع علماً ومعرفةً وتعمقاً بالذات البشرية. وبالتالي فهي متعة وثقافة في ذات الوقت. وحتى هذه اللحظة ومنذ أكثر من أربعة قرون لا تزال هذه المسرحيات تُلعب على خشبة المسرح الفرنسي. إنها لا تشيخ. يبلى الزمن ولا تبلى. هل يشيخ شكسبير؟ مَن يستطيع أن يقتل شكسبير؟ العظماء لا يموتون.

لا يزال معظم هذه المسرحيات إن لم يكن كلها تُمثَّل على خشبة المسرح في باريس باعتبارها من روائع الأدب العالمي. منذ نحو أربعة قرون لا يزال موليير صامداً يجذب إلى مسرحياته كل عام بل كل أسبوع أو كل شهر آلاف المشاهدين! إنه المسرح الخالد، المسرح الذي لا ينتهي إلا لكي يبدأ من جديد. من الممتع أن نقرأ المقدمة التي كتبها موليير لمسرحيته الشهيرة التي جرّت عليه المشكلات مع رجال الدين: "أي طرطوف المنافق" فهو يقول ما معناه:

مسرحية موليير في اليابان

(هذه المسرحية أحدثت من الضجة والفرقعة أكثر من غيرها بكثير. وقد اضطهدوها وحاربوها ومنعوها أكثر من جميع مسرحياتي الهزلية السابقة. وهذا يدل على أن رجال الدين هم أقوى الفئات في المجتمع وأكثرها هيبة وجبروتاً. ففي السابق تهكمت على النساء المتحذلقات، أو على الأطباء الفاشلين، أو على الأرستقراطيين من دوق ومركيز، إلخ أو على المخدوعين من قِبل زوجاتهم... ولكن لم يهددني أحد منهم على الرغم من كل ذلك ولم تُمنع مسرحياتي بسببهم. وحدها المسرحية التي تتهكم على رجال الكنيسة أو بعضهم وتصوِّرهم على هيئة منافقين أو دجالين مُنعت فوراً بعد أول عرض لها وجلبت لي المشكلات المزعجة من كل النواحي، بل وهددت حياتي الشخصية. وقد كان رجال الدين ملاعين جداً ودهاة وأذكياء في محاربة هذه المسرحية. والسؤال المطروح: لماذا هاجموها؟ لأنها تفضح مخازيهم وحيلهم الهادفة لخداع الناس واستدرار الأموال منهم. فقد زعموا أنها تسيء إلى الدين نفسه، وإلى التُّقى والورع، لا إلى الدجالين الذين يتكسبون بالدين والتُّقى والورع. إنهم يضعون قناع الدين على وجوههم وهو منهم براء. هكذا احتالوا على الموضوع ولم يواجهوه صراحةً، ولولا ذلك لما استطاعوا الإساءة إليَّ ومنع المسرحية من التمثيل. فقد زعموا أني أهاجم الدين في حين أنني لا أهاجم إلا المتاجرين به! وزعموا أني زنديق أو خليع، في حين أني مؤمن بالله كبقية البشر... باختصار: لقد قاموا بحملة شنيعة وكبيرة لتشويه سمعتي ومقاصدي الحقيقية. وللأسف فإنهم نجحوا في ذلك ولو لفترة من الزمن. فقد انطلت الحيلة على الناس).

هل يتحدث موليير عن عصره أم عن عصرنا؟ الفرق بينهم وبيننا هو أن التنوير الذي جاء بعد موليير مباشرةً نجح في أن حجّم رجال الدين والكهنوت الذين كانوا يتحكمون بمصائر البلاد والناس وما عادوا بقادرين على تهديد أحد أو استغلاله، لكن مع خلود أعمال موليير وأقرانه، أيضاً نمى الكهنوت ولبس حللاً جديدة وأصبح آفة كل عصر وزمان، مات موليير بداء السل ورفضت الكنيسة إقامة جنازة له، وبعد تدخل الملك تم دفنه مع المنتحرين والأطفال غير المعمدين لأنه كان كما وصفوه بالملحد وضد الكنيسة، فأبقوه أربعة أيام على فراشه حتى قبلوا دفنه ليلاً دون قداس أو جنازة له.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"