أنطون تشيخوف إمبراطور القصة القصيرة

الرأي

أنطون تشيخوف إمبراطور القصة القصيرة

عبد العزيز بدر القطان

26 أيار 2021 09:37

من الصعب على أي كاتب او باحث أن يأتي بجديد عن إبداع أنطون تشيخوف، الذي أشبعه الكتّاب والنقاد والباحثون دراسة وتحليلاً، لكن لكلٍّ منا طريقته وأسلوبه ونظرته، قد تتطابق مع الآخرين وقد تختلف، في كلتا الحالين نحن في حضرة شخصية عالمية حفرت موقعاً واسماً خالداً في الأدب العالمي عموماً والروسي على وجه الخصوص.

كانت الثقافة الروسية في القرن التاسع عشر مشهورة في جميع أنحاء العالم وكانت متقدمة على العديد من البلدان الأوروبية الأخرى. تم تأكيد الكلاسيكية في الفن، والتي انعكست في العمارة والأدب والموسيقى. حيث تميزت روسيا في بداية هذا القرن بالانتفاضة الثقافية، التي أطلق عليها اسم العصر الذهبي. فالأدب كان جزءاً من الثقافة الروسية إذ ابتكر الكتّاب آنذاك أعمالًا مشبعة بالإنسانية والوطنية. على المقلب الآخر لم تكن الحياة السياسية والاجتماعية بعيدة عن التأثير إذ كان يشوبها مد وجزر خاصة بوجود طبقات متعددة من الفقراء والأثرياء، هذا الوضع فجّر المواهب وأطلق العنان لأن تنعكس الأعمال الأدبية على سرد هذه الحالات، خاصة أون الإمبراطورية الروسية حينها قد خاضت عدداً من الحروب، ضد عدد من الإمبراطوريات القوية في القرن التاسع عشر، وقد أطلق على تلك الحرب "حرب القرم"، ومن الطبيعي أن يكون تشيخوف وأقرانه قد عاصروا هذه الحقبة أو بعضاً منها ولها مما لا شك فيه تأثيراً على الإبداع الذي خلفوه ورائهم.

يقول تشيخوف: (جُل ما أُريد قوله للناس بصدقٍ: تأملوا أنفسكم، وانظروا كيف هي سيئة ومُزرية حياتكم! هذا هو الشيء المهم الذي يجب أن يدركه الناس، وعندما يفعلون، سوف يخلقون بالتأكيد حياةً أفضل لأنفسهم، أنا لن أعيش لأراها، ولكنّي أعرف أنها سوف تكون مُختلفة تماماً، لا تشبه تماماً حياتنا الحالية، وطالما أن هذه الحياة المُختلفة ليست موجودة، سأظلّ أُردِّد للناس مِراراً وتكراراً: أرجوكم، افهموا أن حياتكم سيئة ومُزرية).

أنطون بافلوفيتش تشيخوف، (1860 – 1904)، أعظم كُتَّاب القصة القصيرة في العالم ورائدها، كما لا يقل أهمية عن كونه كاتب مسرحي وروائي استطاع عبر أعماله العديدة أن يحفر اسمه في ذاكرة الإنسانية، وأن يُرسّخ قيماً فنية تحوَّلت إلى مدارس ومذاهب في الكتابة، مازالت فاعِلة ومؤثرة حتى الآن. حياته هي رحلة كاملة مُمتعة ومُبهرة في آنٍ، مليئة بالتفاصيل التي جعلت منه شخصية خالدة عبر العصور، ولد تشيخوف في مدينة تاغانروغ في روسيا، وقد أصبح هذا الكاتب العريق في النهاية واحداً من رواة القصص الأبقى أثراً في روسيا. ولأنه مغرم بشكلٍ خاص بالمسرحيات والهزليات الفرنسية، فقد أنتج بعض الأعمال الهزلية من فصل واحد، لكن مآسيه الطويلة هي التي أفسحت له مكاناً بين أعظم الدراميين على مر العصور.

بدأ تشيخوف في كتابة القصص القصيرة منذ أن كان طالباً في كلية الطب بجامعة موسكو، وبعد التخرج وحصوله على شهادة في الطب عام 1884، بدأ عمله الحر كصحفي وكاتب مسرحيات كوميدية. لكنه لم يترك الطب، بل كان يعالج الفقراء مجاناً، يقول تشيخوف: (إن الطب هو زوجتي، والأدب عشيقتي.. عندما أتعب من أحدهم، أقضي الليل عند الآخر). كان تشيخوف يكتب في البداية لتحقيق مكاسب مادية فقط، ولكن سرعان ما نمت طموحاته الفنيّة، وقام بابتكارات أثرت بدورها على تطوير القصّة القصيرة الحديثة، في بدايات حياته المهنية، أتقنَ شكل مسرحيات الفصل الواحد، وأنتج العديد من الفرائد من هذا النوع بما في ذلك مسرحية "الدب" و"إيفانوف"، التي تعتبر أول مسرحية كاملة له، و"شيطان الخشب"، و"الزفاف".

عندما بلغ تشيخوف الخامسة والثلاثين من عمره وكان ذلك عام 1895، أرسل إلى صديقه الصحفي "ألكسي سوفورين" يحدثه عن الزوجة المثالية التي يتمناها لنفسه، وفيها يقول: (تريدني أن أتزوج؟ حسناً، سوف أتزوج إذا كنت تريد لي ذلك، ولكن ها هي شروطي للزواج: أن يظل كل شيء على ما هو عليه، وبتعبيرٍ آخر، أن تعيش الزوجة في موسكو، وأعيش أنا في الريف، وسوف أزورها. إنني لا أستطيع أن أتحمل ذلك النوع من النعيم المنزلي الذي يمضي من يومٍ إلى يوم، ومن صباحٍ إلى مساء، أعدك بأن أكون زوجاً رائعاً، ولكني أريد زوجة تشبه القمر، لا تسطع في سمائي كل يوم)، تشيخوف يكره القيد ويعشق الحرية، وكأنه شرط تعجيزي لا يريد من خلاله الزواج، فلاحقاً يُصاب بالسل ولعل هذا الأمر أحد أهم أسباب عزوفه عن الارتباط والزواج، إلا تغير هذا الواقع.

يقول تشيخوف: (أن تتزوج يعني أنك تحب. لأن الزواج من فتاة لأنها جميلة، يشبه شراء شيء ما لا يرغب فيه المرء، فقط لأنه وجده في السوق، ووجد أنه من صنفٍ جيد! إن أهم رابط أُسري هو الحب، وما سواه من جاذبية جنسية وجسدية وغير ذلك من أشياء إنما هي مصدر حزن ووحشة، و لا يمكن التنبؤ بنتائجها مهما بلغت مهارتنا في إجراء الحسابات. وبناءً على ذلك، فالأمر لا يتعلق بجمال الفتاة بل بأن تُحب، فتجاهل هذه الصفة لأنها لا تعني سوى القليل)، ظل تشيخوف متمسكاً بموقفه من الزواج حتى التقى بالممثلة "أوليغا كنيبر" وكانت تمثل عدداً من الأدوار الرئيسية في مسرحياته

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"