الرأي

أدب المقاومة في عيون غسان كنفاني

عبد العزيز بدر القطان

27 أيار 2021 14:21

الأدب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من الأدب العرب، لكن له نكهة خاصة برائحة برتقال يافا وحيفا وزيتون غزة وغار القدس، حيث ساهم مساهمة كاملة في كل التجارب الثورية التي شهدها الأدب العربي خلال هذا القرن، ومنذ عقد الخمسينات بوجه خاص، في علاقته بالمكان والزمان، وفي لهجة الخطاب والاتجاهات، وفي انشغاله الخاص بالقضية الأسمى، والنكبة الفلسطينية تحمل في طيّاتها مواقف كثيرة تحولت إلى رؤية بطولية لمواقف المقاومة والأمل والإيمان بانتصار العدالة في النهاية.

وكجزء من هذا الأدب العريق، تربع اسم غسان كنفاني على عرش كتابة الأدب الروائي الفلسطيني، ويعد من أهم الأدباء الفلسطينيين الذين أسسوا للأدب الفلسطيني فيما بعد النكبة، وأعادوا الوعي له، وقد عرف كصحفي ومناضل حمل القضية الفلسطينية وهمومها في كل ما كتب، مستلهماً كتاباته من نبض الشارع الفلسطيني وواقعه، وشكلت النكبة الفلسطينية عام 1948 نقطة سوداء في التاريخ الفلسطيني، وتأثر كنفاني بالواقع الذي آل إليه الفلسطينيون، فاستلهم من قصص الناس وتجاربهم البائسة في مخيمات اللجوء أعماله الأدبية ورواياته. ولتكتمل فصول ملحمته الكفاحية دفع كنفاني حياته ثمناً لما تناوله قلمه، يقول كنفاني: (كلنا نفكر بأشياء خطيرة، ورغم ذلك نحن لا نعرض حياتنا للنهاية بمجرد أننا نفكر بأشياء خطيرة، الخطير الذي كنت أفكر فيه تعريض حياتي للنهاية).

الأدب الفلسطيني لا تخطه أيادي الفلسطينيين بل ما يخطه أرواحهم التي تمرّدت على محنتها من خلال الانتفاضة، التي قام بها آلاف الأطفال والشباب الفلسطينيين الذي صمّموا على النضال من أجل الحرية، مواصلين الصراع والمقاومة اللذين خاضهما الفلسطينيون ضد الكيان الصهيوني، وقد حوّلت ثورة الحجارة التي بدأت في كانون الأول عام 1987 واستمرت لسنوات، ما هو مأساوي إلى ما هو بطولي، وسعت إلى تأكيد كرامتها في العالم، فغيّرت بذلك نظرة الآخرين إلى القضية الفلسطينية، وظهرت لغة جديدة يتحدّث بها الناس للمرّة الأولى بدت معها المزايدات السلبية عديمة الحول والقُوّة تماماً، وتبيّن للملايين في العالم أجمع أنهم هنا إزاء شعب يرفض الذلّ والهوان، ذلك أن الانتفاضة، التي سرعان ما باركها الفلسطينيون في المنفى سواء انتموا إلى منظمة التحرير الفلسطينية أم لم ينتموا، كانت ثورة عفوية انبثقت من قلب المأساة نفسها ومن ضمير الشعب الحي كانت ثورة مسّت شغاف القلوب، وامتلأت بالقدرة على التضحية بالنفس، وخاطبت أعماق الضمير، حتّى كادت تكون شاعرية.

ربما كانت النكبة الفلسطينية عام 1948، بما أحدثته من هزّات نفسية وجسدية مدمّرة، أول حدث يمكن وصفه بكلّ دقة بأنه نقطة تحوّل في الأدب العربي الحديث على صعيد العالم العربي بأسره؛ فقد مثّل ذلك الحديث خطّاً فاصلاً بين زمن ساد فيه هدوءٌ نسبيّ، وثقة وأملٌ زائفان، وزمن شهد إدراكاً مفجعاً للذات وعمّ فيه اليأس والقلق والشك العميق والاضطرابات العام.

غير أن النكبة فتحت العيون أيضاً، فقد ظهرت، مع الإدراك الفجائي لإفلاس النظام العربي القديم، قوة جديدة ولدت من ثنايا العذاب، وظهر ذلك النوع من إرادة الحياة ومن الرغبة في تجاوز الفجيعة مما لا يعرفه إلاّ أناس مرّوا بتجربة الفقد والمأساة، فقد دبّت الحياة فجأة في الفلسطينيين والعرب كافة، ولعل أفضل من أثرى الأدب الفلسطيني هو الشهيد غسان كنفاني، الذي أثرى الحقل الأدبي عمقاً وتنوعاً فعليّاً في أوائل الستينات عندما نشر مجموعته موت سرير رقم 12، وهي مجموعة من سبع عشرة قصة قصيرة، وتعد قصصه من أقوى القصص القصيرة في الأدب العربي الحديث مثل موت سرير رقم 12، و لؤلؤ في الطريق، و ثماني دقائق و قلعة العبيد، وستة نسور وطفل و الخراف المصلوبة، وفي جنازتي، وأرض البرتقال الحزين (1963) فتضمّ عشر قصص، وتركّز على تجربة الفلسطينيين المتنوّعة المصطبغة أبداً بالصبغة المأساوية، وقد اشتهرت الثلاثية المعنوية ثلاث أوراق من فلسطين بوصفها تصويراً لأحداث ممكنة على درب النفي الفلسطيني الشاق. وقد ضمّت مجموعته الثالثة، بعنوان عالم ليس لنا (1965)، خمس عشرة قصة تكشف عن رهافة حسّه بوصفه مراقباً للسلوك الإنساني في مظهره الشامل، في قصصه المتميّزة من أمثال الصقر وكفر المنجم والشاطئ وعطش الأفعى ولو كنت حصاناً والمنزلق، أما مجموعته الرابعة بعنوان عن الرجال والبنادق (1968) فقد نذرها للتجربة الفلسطينية.

ولد الطفل غسان كنفاني في التاسع من شهر أبريل/ نيسان العام 1936م في قرية عكا، حيث اعتادت العائلة على قضاء العطلات والإجازات والأعياد في مدينة عكا، التحق غسان في بداية حياته بمدرسة الفرير الفرنسية التي فتحت أعينه على الثقافات والآداب الأخرى، التي كانت تقع في مدينة يافا، فقد كانت أسرته تسكن في حي يُدعى حي المنشية، وكان والد كنفاني محامياً وفجأة انهارت هذه العائلة وأصبحوا لاجئين، غادروا فلسطين إلى لبنان، ولاحقاً إلى دمشق، وهناك درس الأدب العربي، لكن وقع استبعاده لأسباب سياسية، وعندها سافر إلى الكويت وباشر في القراءة والتأليف.

الشهيد كنفاني بدأ رحلته مع الأدب من الكويت في العام 1959 عندما كان مدرساً فيها، عاد إلى دمشق، حيث كانت أسرته تعيش منذ شتات عام 1948، ثم انتقل إلى بيروت حيث أصبح المتحدّث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فقد تابع، إلى جانب تحريره لجريدة الجبهة، تجاربه القصصية، ووصل إلى مستويات رفيعة من الإبداع في رواياته القصيرة الثلاث رجال في الشمس(1963) و ما تبقى لكم (1966) و عائد إلى حيفا(1969)، في حالة كنفاني نرى كيف أن عبقريته، استجابت بشكل مرهف للإمكانات الفنّية التي سادت في أيّامه، كان عليها أن تصارع عبء الالتزام الثقيل، الذي كان يشعر أنه مدين لشعبه بوصفه كاتباً كرّس نفسه لقضيّته، كان يكتب كما لو كان مدفوعاً بالفطرة ليخاطب عامة القرّاء أحياناً والمثقفين منهم أحياناً أخرى، وبالتالي إن الأدب الفلسطيني المعاصر يشكّل مساهمة ثرية فاعلة في الثقافة العربية الحديثة، وهي مساهمة تنبض بالحياة والإبداع. وقد تطوّر هذا الأدب في مجال الفن القصصي بشكل مماثل لتطوره في الأدب العربي الحديث عموماً، كما شكّلت بعض تجاربه الطليعية، مثل تجارب غسّان كنفاني الثورية.

مما لا شك فيه أن تجربة كنفاني رائدة في الأدب الفلسطيني المقاوم، وأحد أهم دعائم الإنتاجات الأدبية الفلسطينية، بعد النكبة، فلقد وضع مصطلحاً خاصاً للإنتاجات الأدبية الثورية التي وجدت في فلسطين المحتلة لأول مرة، وهو مصطلح "أدب المقاومة"، فقد عبّر غسان كنفاني عن الأدب الفلسطيني بـ "أدب المقاومة" لأنه يقوم ضد جميع أسباب القمع، ويشجع على الوقوف في وجه الاحتلال، ويحرض على الثورة، والمشي في سبيل الحرية رغم أن الطريقة شائكة. وهذا المصطلح الخاص لم يقتصر على الأدب العربي، بل سرعان ما سرى إلى الآداب العالمية الأخرى وتلقي بالقبول في الدول المحتلة من العالم. ومن ناحية أخرى، عرض الأدب العربي الفلسطيني أمام العالم العربي لأول مرة، وأتاح الفرصة لقراء العربية أن يتعرفوا على هذا الأدب الفلسطيني المقاوم، ولم يقصر كنفاني "مصطلح أدب المقاومة" على الأدب العربي الفصيح فقط بل أطلقه على الشعر الشعبي أيضاً الذي يمثل عنده قلعة المقاومة التي لا تهدم، فقد تناقلته الأجيال عن طريق الحفظ، وتغنت بها الأمهات لأبنائهن الناشئين، والفتيات لإخوانهن الصغار، يقول غسان كنفاني: (حروفنا صارت تحتاج إلى محامٍ، نحن ننطقها ببراءة وغيرنا يفهمها بسوء!).

إن كنفاني من أشهر وأهم المناضلين المدافعين عن القضية الفلسطينية بنفسه وروحه قبل قلمه وكلماته. فقد كان شعر غسان النضالي شرارة يُشعل بها النضال الفلسطينيين والثورة الفلسطينية تجاه الكيان الصهيوني، كان لقلمه وكتاباته أثر كبير في الدفاع عن القضية. فقد كانت الدراسة الوحيدة الجادة التي كُتبت عن الأدب الصهيوني وتحليله هي الدراسة التي كتبها غسان بعنوان في الأدب الصهيوني، لا عجب ان كان من بين الأهداف الصهيونية، فقلمه يجب ان يتوقف لأنه شكل حرباً رديفة للحرب العسكرية، يقول كنفاني: (يسرقون رغيفك ثم يعطونك منه كسرة ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم.. يا لوقاحتهم)، قدم كنفاني أكثر من عشرين عملاً في الأدب العربي، ما بين القصة القصيرة والرواية والأدب المسرحي، والدراسات الأدبية، وكتب مئات المقالات السياسية والثقافية، وكانت رواياته قصيرة بعض الشيء، إلا أنه اختزل فيها كل ما أراد قوله، فجاءت مكثفة وعميقة وناطقة، يقول محمود درويش عن كنفاني: (غسان كنفاني نقل الحبر إلى مرتبة الشرف، أعطاه قيمة الدم، يقتحمنا دائماً بقوة كلماته التي لا تموت، كم كتب الفلسطينيون وماتوا، لكن حبرهم كان يجف مع دمهم، كتابته هي النادرة التي تصلح للقراءة بعد العودة من جنازة كاتبها، وتاريخ تبلور النثر الفلسطيني لم يبدأ إلا مع غسان كنفاني).

ولعل أدق من كتب عن كنفاني رفيقه بسام أبو شريف (1946 – أحد المستشارين السابقين للراحل ياسر عرفات، وهو من مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، صاحب وثيقة أبو شريف حول السلام، تعرض لمحاولة اغتيال بعد أسبوعين من اغتيال الشهيد كنفاني)، أقرب أصدقائه، الذي يقول عن كنفاني: (أنت علمتنا كيف يكون الحزن الكبير، كيف يكون الحزن من الداخل، عنيفاً، عميقاً في القلب والشرايين، علمتنا كم تكون الدموع تافهة إذا ما قيست باختناق القلب، علمتنا، وأنت تتحدث عن رفاقك الشهداء، ألا نحس بغيابهم، لأن نهايتهم الجسدية تعني بداية طريقهم التي اختاروها)، فكانت الأيام التي قضاها الصديقين هي الأجمل في حياة أبو شريف، واعتبره نموذجاً للتطور والتنور، واصفاً إقباله على الحياة بشغف وتفاؤل وكان يبث فيمن حوله شعوراً عميقاً بالأمان، ويقول أبو شريف: (أحب غسان كنفاني شجرة الصبار، لشوكها وزهرها، تتحدى الجفاف وتصارع من أجل البقاء).

كانت حياة غسان كنفاني زاخرة بالأعمال الأدبية رغم قصرها، ولكن أهم رواياته تلك التي كتبها بدمه، فقد سطرت ملحمة نضال لروائي فلسطيني أبى أن تكون نهايته عادية، فبقي صامداً ومقاوماً، وكما كانت كتابته رمزية كان موته كذلك برمزية، فقد اغتالته أيدي الموساد في يوليو/تموز 1972 في بيروت عن طريق سيارة مفخخة، لأنها عندما تختار فإنها غالباً ما تنتقي الصفوة، يقول كنفاني: "إنني أشعر أكثر من أي وقت مضى أن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض تافه لغياب السلاح، وإنها تنحدر الآن أمام شروط الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه، إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت إنها قضية الباقين، الثورة وحدها هي المؤهلة لاستقطاب الموت، الثورة وحدها هي التي توجه الموت، وتستخدمه لتشق سبل الحياة".

في يوم تشييعه، غصّت شوارع بيروت بما يزيد على 40 ألفاً من المشيعين، وقد وصف البعض جنازته التي ضمّت عدداً كبيراً من المثقفين والقادة السياسيين بأنها أكبر مظاهرة سياسية حدثت في العالم العربي بعد وفاة جمال عبد الناصر.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"