الرأي

رسالة إلى الشهيد يحيى الشغري

أحمد هاتف

28 نوار 2021 15:38

اعتذر منك أيها الباسل الذي اعتلى ظهر موته بكرامة، كنت سأزورك واضع وردة على شاهدتك واعذرني إن بكيت، لأن هذه الأمة اصبحت عاقرا لا تلد امثالكم كل يوم.

واسمح لي يا سيدي أن أقف منتصبا لأؤدي التحية العسكرية لجلال قدرك، وأتساءل "كيف رأيت الغد بهذا الصفاء وانت بين غيلان الظلام "، كيف تفوقت نبوءتك على خطوات الموت الثقيلة التي كانت تدور حولك؟، نحن البشر يا صديقي نخاف نضطرب ننكسر احيانا، نهزم ربما، سيما حين تكون أيادي الوحوش ممدودة إلى حياتنا لتقطفها، فكيف انتصبت هكذا، كيف تساميت هكذا، كيف رأيتهم يندحرون ويمحون وانت تصافح موتك؟

نعم يا يحيى " محوناها اليوم " فتعال لترى، رغم أني شديد الثقة أنك كنت هنا، في كل ساحة في كل شارع، في كل زقاق، في كل حارة، كنت تنثر الضحكات وتغني وترقص، وأنت ترى نبوءتك تتحقق ويمحي الظلام.

أنت الحي مع كل رفاقك، أتساءل ماذا ستقول اليوم، كيف ستحتفل، أية أغنية ستختار؟ بجملة واحدة يا صديقي دخلت قلوبنا ببوطك العسكري وغبار ملابسك وذقنك المهمل وملامحك وتركت صوتك يوقظنا كل يوم، نعم كنا نسمعك يا رفيقي في كل لحظة وانت تقول " الم اخبركم "، كان البعض يظنك حالما ولديك الكثير من فائض الأمل، لكني والكثير من شعبك العربي صدقناك ... آمنا بما قلت، وأقسمنا أن " نمحيها "، وقد أمحت وعادت " شام المجد " مزهرة مزهوة كما كانت، دمك ودم الشهداء يا شغري لم يذهب عبثا، ولو ذهب عبثا لبكيتك مرتين، لكن صوتك وأصوات رفاقك ظلت تطلق النار باتجاه العدو حتى بعد رحيلكم " الأمم التي يحرسها الشهداء لا تموت "

ربما لا تعرفني يا صديقي، فقد ولدت على مشارف عربات نبوخذ نصر، في بابل، وانت ابن البحر والجبال، لكني أعرف من أنت، بكيتك كثيرا كل يوم، كنت أقف دائما حول ملامحك وأصغي بكامل يأسي العربي إلى صوتك، لأتعلم كيف تموت الجبال واقفة، لأقرأ درس الأمل الذي تلوته علينا في جملة واحدة، جملة واحدة اختزلت كل الحكايات يا صاحبي، جملة جعلتني أتنازل عن هؤلاء الأبطال الذين كنت أقرأ قصصهم طفلا، وأحلم أن أكون يوما منهم، يا الله كيف تتفوق جملة على أفق من أحلام...!!

محوناها، هل تعلم من فعلها، سأخبرك فعلها جند المشاة الفقراء وهم يحلمون بالعودة الى مقهى ليذاكروا وجوه حبيباتهم، فعلها ضباط يحلمون بيوم إجازة ينامون فيه إلى الساعة العاشرة صباحا دون أن توقظهم أصوات المدفعية الغليظة، فعلتها أمهات سهرن طويلا ليخبزن فطائر الزعتر للولد الخارج في الرابعة صباحا ليلتحق بمقر فرقته، فعلتها زوجات كن يروين حكايات أبطال مثلك لينهرن الجوع عن ملامح أطفالهن، فعلتها آنسة العربي وهي تشهق باكية في وسط النشيد، فعلها أب فقد ولده وأرسل الآخر الى الحرب ليعود له برصاصات فارغة أرسلها بشجاعة الى قلب أعدائه، نعم هذا يومكم أنتم، اليوم الذي أعدته الأرض للأوفياء.

شكرا لكم فقد أعفيتمونا من قراءة التاريخ، وصار كل تاريخنا جملة واحدة " والله لنمحيها "، جملة جعلت كل الحكايات تذبل لتقف هي شامخة.

ها نحن نحتفل يا يحيى فتعال شاركنا الأمل، محوناها يا كبير، فهات يدك نقبلها شاكرين، والشكر موصول للأمهات، يا للأمهات يا صاحبي كم قاسين، شكرا لكل الشهداء إنه نصرهم.


يحيى الشغري جندي سوري وقع في أسر داعش وطلبوا إليه أن يقول "دولة الخلافة باقية وتمدد"، فقال بكل رجولة وشجاعة "والله لنمحيها" فأقدموا على قتله فوراً

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"