عبد الرحمن بدوي.. صورة الأنا والآخر

الرأي

عبد الرحمن بدوي.. صورة الأنا والآخر

عبد العزيز بدر القطان

5 تموز 2021 14:32

مثلما دافع عن الإسلام بشراسة، كان في يومٍ من الأيام من أشد المدافعين عن الإلحاد، شخصية عُرفت بجمعها النقيضين، رغم ذلك كانت معروفة بالإنصاف رغم حدة أحكامها، شخصية نذرت نفسها للفلسفة، اختلفت في هذه الشخصية الآراء إلى حد القطيعة؛ شخصية شغلت العقّاد، وطه حسين، والمازني، وتوفيق الحكيم، وأحمد أمين، وزكي نجيب محمود، والمستشرق الفرنسي لالاند، وبقية المفكرين العرب على اختلاف مشاربهم ومنازعهم، فكانت آراء هذه الشخصية وكتاباتها حديث المجالس، والأكاديميات، والصالونات، والمنتديات، والصحف، والمجلات، عن الفيلسوف عبد الرحمن بدوي أتحدث، عن الفيلسوف الذي عرَّف العرب بالوجودية قبل سارتر بعدة سنوات.

عبد الرحمن بدوي هو أحد أبرز أساتذة الفلسفة العرب في القرن العشرين وأغزرهم إنتاجاً، ويعتبره المهتمون بالفلسفة من العرب أول فيلسوف وجودي مصري، لشدة تأثره ببعض الوجوديين الأوروبيين وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر، قال عنه عميد الأدب العربي، طه حسين أثناءَ مناقشتِه في رسالة الدكتوراه: (لأول مرة نشاهد فيلسوفاً مصريّاً.) فقد استطاع بدوي بإنتاجه العلمي الذي وصل إلى 200 كتاب تقريباً أن يَجمعَ بين صنوف الفلسفة ومدارسها المختلفة مؤلفاً ومترجماً وناقداً ومُحقّقاً ومراجعاً ومؤرّخاً.

وُلد عبد الرحمن بدوي في محافظة دمياط عام ١٩١7، لأسرة ذات نفوذ ومكانة؛ إذ كان والده عمدة القرية. كان بدوي متفوقاً في دراسته؛ حيث حصل على المركزِ الثاني في الشهادة الثانوية عام ١٩٣٤، كما حصل عامَ١٩٣٨ على ليسانس الآداب قسم الفلسفة من جامعة فؤاد الأول بتقدير ممتاز؛ فعُيِّن مُعيداً بالجامعة. واستمرّ في دراسته إلى أن حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه. كان بدوي في طليعة المثقفين الذين تعاونوا مع ثورة 23 يوليو/تموز في مصر، وشارك في عضوية اللجان التي كلفت بوضع دستور 1956 لكنه اختلف مع الثورة وتم استدعاؤه من جنيف حيث عمل لأشهر مستشاراً ثقافياً لمصر هناك. ظل بدوي يُمارس عمله الجامعي في مصر حتى عام ١٩٦7؛ إذ اضطُر إلى مغادرة البلاد إثر أزمته مع النظام الناصري؛ وهو ما دفعه إلى التدريس بعدة جامعاتٍ في لبنان وفرنسا وليبيا وإيران والكويت، لربما لو لم يغادر البلاد لكان الآن في عداد الشهداء أسوةً بأقرانه في تلك الحقبة من أمثال القانوني عبد القادر عودة وسيد قطب وغيرهما، مع اختلاف توجه كل منهم عن الآخر، هذا التنقل ساهم أيضاً في تقوية مشارب بدوي من خلال اطلاعه على عادات وتقاليد وفكر الدول التي سكنها، كما اصطدم بدوي مع الزعيم الليبي معمر القذافي وتم ترحيله من ليبيا نهاية السبعينيات بعد سجنه بقرار من القذافي، حسب رواية اللاوندي التي ذكرها في كتاب أعده عن بدوي وحمل عنوان (فيلسوف الوجودية الهارب إلى الإسلام).(1)

تَميّز إنتاج عبد الرحمن بدوي بالتنوع من حيث الموضوع والإسهام؛ نظراً لامتلاكه أسس المنهج العلمي السليم ومَلكة النقد، وتعلمه اللغات التي أَتقن منها الإنكليزية، والفرنسية، والإيطالية، والألمانية، والإسبانية، والفارسية، واليونانية، واللاتينية؛ وهو ما جعله مطّلعاً على أُمهات الكتب والمصادر، مُجارِياً في الوقت نفسه حركة العلم الحديث. حيث ترجم بدوي لأبرزِ فلاسفة اليونان، مثل أفلاطون وأرسطو، بالإضافة إلى ترجمته لكبارِ الفلاسفة المُعاصرين أمثال نيتشه وهايدجر وغيرهما.

اتجه بدوي كذلك إلى الشرق حيث نقد أعمال الغزالي وابن سينا وحقَقها، واهتم إلى جانب الفلسفة العقلانية بالتصوف ذي النزعة الروحانية؛ فأصدر كتابه الشهير "شخصيات قلقة"، و"شهيدة العشق الإلهي". جمع بدوي بين متناقضاتٍ كثيرة؛ فمثلما كتب عن الإسلام "الدفاع عن القرآن ضد منتقديه"، كتب كذلك عن الإلحاد "تاريخ الإلحاد في الإسلام". إن بدوي هو صورةُ الأنا والآخر؛ يكتب عن الشرق والغرب، وعن العقلانية والرّوحانية، وعن الإسلام والإلحاد، كل ذلك في انسجامٍ ويُسر.(2)

كما أشرت يعد بدوي الأغزر إنتاجاً في ميدان الفلسفة، ومن أكثر الشخصيات معرفة بتاريخ الشعوب نظراً للغات التي يعرف، حيث غطّت كتاباته تيارات فكرية واسعة، ومدارس فلسفية عديدة، وحقب زمنية طويلة، فكانت كتاباته جزءاً من تأريخ الفلسفة في القرن العشرين، حيث شملت مؤلفاته الفلسفة الإسلامية واليونانية والوسيطية والأوروبية الحديثة والمعاصرة، فكانت أولى اهتمامات الفيلسوف بدوي، بالفيلسوف نيتشه، (1844- 1900)، وتأثر بسمات شخصيته سياسياً وروحانياً، ومن دراسته له تأثر بالفلسفة الإغريقية لينتقل بعدها إلى دراسة التراث اليوناني وتأثيره على الحضارة الإسلامية، فكما ذكرنا أعلاه أنه اهتم أيضاً بالتصوف، ككتاب رابعة العدوية، وشطحات الصوفية، ومن ثم يركز دراسته في الفكر اليوناني وتأثيراته في الفكر العربي من خلال كتاب النفس لأرسطو، والأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام وغير ذلك، هذا التنقل يدل على دور بدوي ومقدرته الفعالة في نقل التراث اليوناني إلى العرب، ليعود بعد ذلك إلى الفلسفة الوجودية ويقدم دراسات عنها، ثم يكشف فلسفة العصور الوسطى موضحاً أسس وشخصيات ذلك العصر والمسائل التي طرحت فيه، ذلك الزخم الكبير إنما دلالته أنه يوضح إسهامات العرب في بناء حضارتهم، وحضارة الغرب من خلال كتابه، دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي، وهنا لا يتسع المقام لسرد كل مؤلفاته وسبر أغوارها، لذا سأنتقي ما له صلة العرب والإسلام.

أثناء غوصه عن المثالية الألمانية، وبتأثير منها رجع من جديد إلى التأليف في الفلسفة الإسلامية، في شقها الكلامي والتصوفي، من خلال كتابه "الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي"، والتصوف في كتابه "تاريخ التصوف الإسلامي من البداية حتى القرن الثاني هجري"، هذا التأريخ الإسلامي لم يمنع الفيلسوف بدوي من الرجوع إلى المثالية الألمانية والكتابة عن هيغل، (1770 – 1831)، ما لبث أن خصص آخر حياته الفكرية بالعودة من المثالية والوجودية إلى الإسلام، فألف كتاباه، "الدفاع عن القرآن ضد منتقديه" و"الدفاع عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضد المتنقصين من قدره"، وهذا يدل على التحول الفكري لدى بدوي، وتحول شخصيته.

بالتالي، لقد اهتم بدوي بالفلسفة الإسلامية بصورة عامة، وبالتصوف بصورة خاصة، ففي كتابه تاريخ التصوف الإسلامي من البداية حتى نهاية القرن الثاني الهجري، استعرض فيه أهم التعريفات المتباينة والمختلفة لكلمة تصوف، من جهة الفلاسفة والمستشرقين، كما عالج ظهور التصوف وغاياته في نشر الدعوة الإسلامية، ورأى أن التصوف الإسلامي نشأ من التأمل المتوال للقرآن الكريم والأحاديث النبوية، بمعنى أن التصوف نشأ في بيئة إسلامية خالصة، ويعد هذا الكتاب من أرقى ما كتب في التصوف الإسلامي منهجاً وأسلوباً ودقةً وأمانة، أما في كتاب الشطح عند الصوفية، ففيه يبين العلاقة بين العبد والرب، من خلال التجربة الصوفية، مستعرضاً تاريخ الشطحات بين التصوف المسيحي والتصوف الإسلامي، وأن الشطحات في التصوف المسيحي تحتاج إلى وسيط، أما في الدين الإسلامي، فإن علاقة العبد بالرب لا تحتاج الوساطة المسيحية، حيث يستطيع العبد الاتحاد مع الله تبارك وتعالى مباشرةً، أما في اليهودية فيرى بدوي أن الشطح لم يحصل على الرغم من العلاقة المباشرة بين العبد والرب، لأن اليهودية تمد الصوفي الثقة بنفسه، بحيث يتطلع إلى الاتحاد المطلق بالألوهية، في حين أن دراسته الأخرى كانت عبارة عن مجموعة أبحاث لبعض المستشرقين قام بترجمتها وألّف بينها وأعدّها، وأضاف لها، ووظفها لأغراض بحثية وأسماها "من تاريخ الإلحاد في الإسلام"، حيث يتحدث في هذا الكتاب عن ظاهرة الإلحاد بعكس ما كان يروج ضده أنه يدعو إلى الإلحاد، مؤكداً أن هذه الظاهرة من أخطر الظواهر في تطور الحياة الروحية، ورأى أن الإلحاد نتيجة أزمة لحالة النفس التي استنفذت كل إمكانياتها الدينية فلم يعد بعد في وسعها أن تؤمن، ويواصل بدوي تحليله لهذه الظاهرة، فمن خلال كتابه ذاك نجد أن بدوي أراد أن يضع يده على ملامح نزعة تنويرية في التراث العربي الإسلامي، وأن يبين عوامل نشأتها وخصائصها، بالتالي كان مغزى بدوي أن يجعل للفكر العربي الإسلامي في القرن الثاني والرابع هجري، نزعة تنويرية، بالاعتماد على دراسات المستشرقين في الشخصيات التي وصفت بالإلحاد وإعطائها دور الريادة في الحركة التنويرية في الفكر الإسلامي حيث امتازت بالفكر التقدمي المستمر والحرية الفكرية وإعطائها دور الريادة داخل الحياة الروحية في الحضارة الإسلامية.

من هنا، سار بدوي على هذا النهج، من خلال الدفاع عن الموروث الإسلامي، وألف كتابه "دفاع عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ضد المتقصين من قدره"، حيث كشف بدوي أخطاء المستشرقين وأحكامهم، التي تقوم على أحداث مغلوطة وناقصة تمس شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحياته، بهدف أن يوصل بدوي للقارئ غير المسلم الأوروبي صورة دقيقة وواضحة عن الإسلام، وعن شخصية مؤسسه.

عاش بدوي قُرابةَ 85 عاماً أَثرى فيها المكتبة العربية والغربية على حدٍّ سواء بمؤلفاته التي جعلت منه أحد أهم الفلاسفة العرب في القرن العشرين حتى أَسلم روحه ووُوري الثّرى في يوليو/تموز عام ٢٠٠٢.

أخيراً، إن المحطات الموجزة التي استعرضناها عن الفيلسوف المصري عبد الرحمن بدوي، ليست سوى غيض من فيض من تاريخ عطائه، وجرأته التي اضطر من خلالها مغادرة بلاده، عرّى من يستحق، ودافع عن دين الإسلام ونبيه، وفضح الإلحاد وكشف زيف ادعاءات الاستشراق، وكان من الممكن أن يدفع حياته ثمناً لهذا التحرر الفكري، والعودة إلى إسلامه ودينه، في حين أن اليوم كل شيء واضح، لكن الأدوات في محاربة الدين الإسلامي وتشويهه تتسع باتساع حالة الجهل التي تطيح بالأمة، والتأثر بالغرب على حساب الموروث العربي والإسلامي الذي صدّر الحضارة للغرب، وصدّر العلم والأبجدية والموسيقى والفلك والفلسفة والكثير غير ذلك، اليوم نحن في حالة إما أن نكون أو لا نكون، وطالما هناك نفس سنواصل الدفاع عن أمتنا وديننا وموروثنا، والكتابة عن كل عظماء الأمة لكي نعلي شأنها لأنها كانت وستبقى الأمة الإسلامية أم الأمم.


ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"