عبد الوهاب المسيري.. فيلسوف الإنسان

الرأي

عبد الوهاب المسيري.. فيلسوف الإنسان

عبد العزيز بدر القطان

19 تموز 2021 17:17

كتب عبد الوهاب المسيري: "الله هو الركيزة الأساسية لكل شيء، الركيزة الأساسية للتواصل بين الناس، لضمان أن الحقيقة حقيقة، فإن نُسِي الله: فإن ركيزة الكون كلها ستنتهي"، بهذا القول وددت أن أبدأ موضوعي عن هذه القامة الكبيرة، لقراءتي الكثير من مؤلفاته ومقالاته، وانبهاري بقدرة شخص واحد أن يبدع في الحياة، ويترك لنا منهلاً لا يمكن الشبع من الارتواء، لا أبالغ بما أقول، حالته عندما كان يكتب، متميزة وفريدة وأسلوبه يشد القارئ على اختلاف درجات ثقافته، وكأنه يكتب من الناس إلى كل الناس.

لمست خلال قراءتي لكتابات الراحل الأديب عمق الكلمة ودفئها، ثقافة عميقة أكاديمية رصينة، انعكست في أسلوبه حتى أثناء مقابلاته وحديثه، يشعر بها كل من يستمع إليه ويقرأ له، لقد ترك لنا المسيري دروساً ممتعة ومهمة في البلاغة والإمتاع، لعل أهمها درس الإبداع والتجديد عوضاً عن التقليد والجمود، عندما ينتقل من حالة إلى أخرى، يتغير نهج الفكرة لكن لا يتغير نهجه الأخلاقي والفكري، رغم ارتحاله وسفره وتنقله بين جامعات الغرب، لكنه حمل وطنه في عقله وقلبه ولم ينبهر، أخذ العلم لكن لم تأخذه أهواء الشهرة وأجواء الغرب التي لا تتوافق وطبيعة المسيري الإنسان الذي أخذ منه وقتاً كبيراً وهو يكتب عنه، كان يحول النظرة المادية إلى معنوية من خلال سبر أغوار الإنسان والإبحار فيها، تراه مبدعاً في الفلسفة والمنطق، ومبدعاً في الفكر الإيماني الرصين، وخلّاقاً بالسياسة والثقافة والحياة بكل تفاصيلها، فمن يكون عيد الوهاب المسيري؟

التكوين والثمر

ولد ونشأ عبد الوهاب المسيري في بلدة دمنهور بمحافظة البحيرة المصرية العام (1938)، درس الابتدائية والثانوية في مدارس بلدته، وكانت المرحلة الجامعية في كلية الآداب بالإسكندرية ليعين معيداً في كليته بعد تفوقه الدراسي، ويسافر إلى الولايات المتحدة، بعد أربع سنوات أخرى، لدراسة الماجيستير بجامعة "كولومبيا"، ثم يعود بعد ذلك بالدكتوراه في الأدب الإنجليزي والأمريكي المقارن من جامعة "ريتغرز" عام (1969)، وفي مصر، شغل الدكتور المسيري بعد عودته منصب رئيس وحدة الفكر الصهيوني بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، وهو المنصب الذي دعّم معرفته ودراسته للحركة الصهيونية وألقى بظلاله على نتاجه الفكري في موسوعته "اليهود واليهودية والصهيونية"، ثم انتقل بعد ذلك إلى منصب المستشار الثقافي للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك، لتتسع علاقاته بالساسة والمفكرين في الشرق والغرب وتتاح له الفرصة لدراسة المجتمع الغربي عن قرب واختلاط. ثم يختتم بعد ذلك مسيرته الوظيفية من حيث بدأ، في كلية الآداب، ليشغل منصب أستاذ الأدب الإنكليزي والمقارن بجامعات "عين شمس" بمصر، و"الملك سعود" بالسعودية، و"جامعة الكويت"، وجامعة ماليزيا الإسلامية بـ"كوالالامبور" على الترتيب، وهي الفترة التي شغل فيها - بجانب عمله الأكاديمي- منصب عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بـ"ليسبرغ"، بولاية "فرجينيا" بالولايات المتحدة الأمريكية، ومستشار التحرير في عدد من الحوليات التي تصدر في ماليزيا وإيران والولايات المتحدة وإنكلترا وفرنسا، وهي مرحلة الثمر كما أطلق عليها في مذكراته بعد ذاك.(1)

كل ما سبق من تلقي الأديب والمفكر المسيري مناصب عالية وتدرجه فيها على مستوى كبير، لكن التواضع كان ميزته، لم تأخذه أهواء الشهرة أو السلطة أو المال، كان يؤمن بأن المثقف الذي لا يترجم فكره إلى أفعال لا يستحق أن يطلق عليه هذا اللقب بين بني مجتمعه"، وكان شعاره الأمثل "المقاومة تبدأ بالمعرفة"، فتراه كان إخوانياً ثم يسارياً، ومن منا لم يسمع جملته التي تقول (أنا ماركسي على سنة الله ورسوله)، رغم تعارض مواقفه واتجاهاته لكن يتفق جميع من تعمق في معرفته أن وطنيته لم تتغير وحبه للإنسان لم يتبدل وفكره الإيماني ظل عميقاً بطبيعة نشأته الأولى في بلدته دمنهور، بحق وبدون مبالغة إنه مفكر موسوعي ومن اهم مثقفي العالم العربي ومصر، لقد شكل المسيري حالة متميزة وفريدة في تاريخ الفكر العربي والإسلامي المعاصر، حالة استثنائية ليس فقط بالنظر إلى شمولية اهتماماته المعرفية في مجالات الأدب والنقد وفلسفة التاريخ والعمل الموسوعي والترجمة، ولكن بالنظر في الأساس إلى أصالته الإبداعية في مجال التنظير الأكاديمي والاجتهاد المنهجي والنحت الاصطلاحي والمفاهيمي، ببساطة لأنه كان صاحب رؤية فلسفية حضارية تؤمن بتعدد أبعاد مشروع التأصيل الحضاري في مجالات العلم والمعرفة والأخلاق والقيم والسياسة والاجتماع، مما جعله يؤسس مشروعاً فكرياً تجديدياً منهجياً له امتدادات إيمانية وإنسانية وعروبية عالية، بما يمتلكه من أدوات وآليات صياغة وصقل جوانب أساسية في الهوية العربية الإسلامية.

إن الفترة التي نشأ فيها المفكر المسيري منذ بداية انطلاق فكره ونمو الثقافة إلى مستويات عالية، كانت فترة من الناحية السياسية ليست بالهينة، خاصة في فترة الأربعينيات والخمسينيات، رغم سفره، لكن ذلك لا يلغي أن الحالة السياسية تؤثر على الجميع، فعلى الرغم كما أشرنا إلى أنه في فترة من الفترات انتمى إلى تنظيم الإخوان المسلمين وغادرهم ليتحول إلى الشيوعية ومن ثم كان ناصرياً، كل ذلك لم يضعف أو يؤثر من اهتمامه بالإنسان، ولم يقلل من حب وعشق وطنه في نفسه، وإن كنا نذكر ذلك الآن ليس إلا مقارنة بسيطة ما بين الأمس واليوم، كيف أن أهواء من يدّعون أنهم مفكرين ومثقفين ومن أرباب الصالونات الفكرية ولائهم للأموال لا للأوطان، ولائهم لم يدفع أكثر لا لقيمة الإنسان، ولنلاحظ كيف أن فكر مثل فكر المسيري حافظ على حالة الثبات وأستطيع القول "حالة من الخلود"، لأنه قرأ الإنسان وجعل كل كلماته مدخلاً إلى قلب وعقل كل إنسان، على عكس أرباب صالونات الملوك والأمراء والرؤساء وتبعيتهم لهم فقط لنيل شهرةٍ زائفة، من هذا المنطلق أتمسك بالقديم رغم بساطة أدواته، إلى أن يصطلح حال الجديد، وما من شيء بعيد على الله تبارك وتعالى، أوطاننا وعلى الرغم مما تمر به من أوقات عصيبة، لم تكن الأوطان نفسها في الحقبة الماضية بخير لكن بعزيمة أبنائها نهضت، فلماذا لا تنهض بلداننا اليوم بعزيمة أبنائها اليوم؟ سؤال صعب، لكن نأمل أن يتحقق ذلك في القادم من الأيام.

يقول الدكتور المسيري في كتابه "الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان": "إذا كان اكتشاف الشر في النفس البشرية قد قادني بعيداً عن الإيمان، فإن اكتشاف الخير فيها قد عاد بي إلى عالم الإنسانية والإيمان. هكذا، فبدلاً من الوصول إلى الإنسان من خلال الله، وصلتُ إلى الله من خلال الإنسان"، تأمل هذا القول الذي يطرب النفس ويطرب الوجدان تأمل الحالة التي كان بها لأن يخرج بهكذا وصف يقف أمامه البشر كالحجر متسمراً في مكانه لشدة وقع هذه الجُمل على بساطتها لكنها تهز الكيان وتحرك المياه الراكدة في الروح والنفس لأي إنسان، فعلاً إن هكذا فلسفة وكأنك تقرأ شعراً او خاطرة لا كلاماً جافاً خالياً من الإحساس، إن فلسفة المسيري روح إنسانية عذبة ومحبة تنساب بين السطور، لتقيم معك ألفة تنمو كلما ازددت قراءة، وينمو معك نهم شديد لالتهام كل ما يجود به كما تنمو معك سعة أفق وحكمة، وتعود لتعلن إيمانك مرة ثانية: وهو هذه المرة إيمان أكثر هدوءاً، ورسوخاً وجمالاً.. إيمان بإله لطيف بعباده، هو الضامن لإنسانيتنا والضامن لكل جميل فينا وفي الكون والطبيعة أيضاً، فبوجود الله تبارك وتعالى يؤمن الإنسان بأنه أسمى من الجمادات وأرقى من الحيوانات، وهو الإيمان الذي بلغه "المسيري" بعد عناء روحاني شاق مع أفكار شبابه المادية وشبهات الإلحاد.(2)

يقول عبد الوهاب المسيري: (إن الإيمان لم يولد داخلياً إلا من خلال رحلة طويلة وعميقة، إنه إيمان يستند إلى رحلة عقلية طويلة، ولذا فإنه إيمان عقلي لم تدخل فيه عناصر روحية فهو يستند إلى عجز المقولات المادية عن تفسير الإنسان وإلى ضرورة اللجوء إلى مقولات فلسفية أكثر تركيبية).

توفرت في المسيري خصائص لا تكاد تجتمع لأحد، وقلما تتوفر للكثيرين واحدة منها، تتمثل أهم هذه الخصائص في كونه مفكراً منهجياً بامتياز، طور النماذج التفسيرية والتحليلية سواء في أبحاثه في الصهيونية أو أبحاثه في العلمانية أو دراسته في النقد الأدبي، حيث تميزت المدرسة الفكرية المسيرية على غيرها من المدارس بإعادة التفكير في طرق التفكير السائدة بهدف تطوير الأداء التنظيري والتفسيري الذي يمكن من إدراك الواقع بشكل أكثر تركيباً، فكتاباته هي محاولة واعية لفهم الآخر ونقد الذات في فهمها للآخر كذلك، ثم الارتقاء إلى مرحلة الوعي للنماذج الإدراكية وبناء تلك النماذج وتأثيرها في الواقع وبيان موقعها في شبكة الإدراك وصلة ذلك كله بالسلوك الإنساني.(3)

وفيما يتعلق بالعلمانية الشاملة واختلافها عن العلمانية الجزئية فقد عزل المسيري السياسة عن القيم الدينية، كما عزل الحياة بأسرها عن أي تفسير ديني، ويرى أن العقل والحواس الخمس -فقط- أشياء كافية لتفسير الكون دون الحاجة إلى الدين والعقيدة والثوابت الأخلاقية والإيمانية فالعالم مرجعية لذاته -حسب هذه الرؤية- ولا يحتاج لشيء خارجه. وهما النموذجان اللذان يشرح من خلالهما "المسيري" كيف أنتجت الحداثة إنسانها الحديث، واستبدلت عقائده الأخلاقية والدينية بعقلانيتها وماديتها بعد ذلك، وهنا قد تتفق وقد لا تتفق مع هذه الرؤية لكنك تحترمها وتحترم منطق المسيري فيها، فقد تكون الحداثة هي من غيرت نظرة الناس للدين، وأوجدت النظرة المادية وإن كانت غير ظاهرة في زمن المسيري كما هي ظاهرة اليوم، كما كان هو الحال في الماركسية التي افترضت أن الرأسمالية مرحلة تاريخية "حتمية" لن تلبث أن تنتهي وتسيطر بعدها الطبقة العاملة على مصادر الإنتاج والثروة، وكأن الحياة البشرية تسير بقوانين فيزيائية لا اعتبارات فيها إلا للحسابات الرياضية.

لقد تميز عبد الوهاب المسيري بأن اتخذ إلى نفسه مدرسة خاصة به، جعلته يتميز عن كل المفكرين في زمانه وما تلا زمانه، وما طرحه في كتابه "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة"، تجده أنه سبق كل الناس المعترضين على فكرة العلمانية بمجملها، من حيث وبرأيي أنه كان مستوعباً للأدبيات الغربية في طرحه هذا، من خلال تبيان الإشكالية الإسلامية في قضية تطبيق الشريعة الإسلامية أو تطبيق (الدولة الدينية)، فجاءت أطروحاته عقلانية واتفق معه فيها بنسبة عالية، علمية وموضوعية وجريئة، عبد الوهاب المسيري جلّ ما أحبه فيه أنه كان لا يقرأ النص بل يعيش النص، وهذا تجده في كل مؤلفاته كيف يتنقل بين كلماته بأسلوب يطرب كل من يقرأ له، تجد نضجه الأدبي من أعلى المستويات، وأحياناً يحدث معركة في نصوصه وتستشعر ان اشتباكات حدثت بين السطور، وكما يقولون: (المبدع الذي يرى ما لا يراه الآخرون).

ترك لنا الدكتور المسيري عشرات المؤلفات مثل العلمانية تحت المجهر، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، اللغة والمجاز، أغنيات إلى الأشياء الجميلة، اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود والعشرات غيرهم.

أخيراً، بصدق وأمانة، أقف حائراً أمام هذا العلم الغزير الذي لن ينتهي بعشرات المقالات فكل فكرة تستوجب بحثاً وكل مقالة تستوجب مقالات، وكل كتاب يستوجب حلقات، وكم أتمنى أن تنجب الأمة مفكرين لديهم بعضاً من نضج الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري، حتى كتابه عن الحركة الصهيونية موجود في جامعات الكيان الصهيوني فكان ينتقدهم وبشدة لكن بموضوعيته المعهودة وعقلانيته الرائعة وأسلوب أكاديمي علمي، فهذا ما نحتاج إليه اليوم، يكفينا قبوله بين الناس صدقه الراقي، وأتمنى أيضاً غلى دور النشر المهتمة بجمع مقالاته جميعها بالعربية والانكليزية والفرنسية في كتاب يستفيد منه الجيل الحالي، لأنه ظاهرة مرت في حياتنا كالنسمة فهو حي بيننا بما كتب وترك لنا، ففي آخر سنواته، شكر الله تبارك وتعالى على ما قدره له، ثم أمدَّ النظر؛ فصار يكتب وصايا أدبية؛ لتكون مصباحاً لمن اتبع منهجه الفلسفي والفكري في تفسير الحالة اليهودية، واليهود والصهيونية، لكن يبدو أن هذه الأمنية إلى الآن لم تتحقق، وترجّل الفارس العام 2008، وللحديث بقية.


ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"