أخبار

السعودية وإيران على بعد خطوة من التصالح

31 تموز 2021 21:26

لا يخفى على أحد حجم الصدع الكامن في العلاقات بين إيران والسعودية، فهو واضح من الحرب الكلامية وحرب الوكلاء بين الجانبين، وتباين المصالح الاستراتيجية والجيوسياسية بينهما أيضاً، إلى جانب أمور عالقة أخرى، لكن موقع "آسيا تايمز" نشر تقريراً بعنوان "إيران والسعودية على حافة التصالح"، بين فيه أن المصالحة أمر وارد لأسباب ودوافع عديدة.

بدأ الموقع بالقول إن إيران والسعودية تسيران ببطء نحو التصالح الذي، إن تحقق، من شأنه أن يغير ديناميكيات المنطقة ودبلوماسيتها واستقرارها تغييراً عميقاً، وقد أشاد مسؤولون من كلا الجانبين مؤخراً بالمحادثات السرية التي جرت بداية في العراق والآن في عمان، ووصفوها بأنها محادثات "بناءة".

وذكر "آسيا تايمز" أن الرئيس العراقي برهم صالح أكد في أيار/مايو أن بلاده تستضيف محادثات هادئة بين الخصمين اللدودين. وحضر المحادثات، التي بدأت في نيسان/أبريل الماضي، مؤخراً مندوبون رفيعو المستوى، بينهم رئيس المخابرات العامة السعودي خالد الحميدان، ونائب أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد إرافاني.

وربما نرى أول تقدم رمزي قريباً في الأسبوع المقبل، إذ أفادت وسائل إعلام إيرانية أن السعودية ألمحت إلى أنها قد ترسل مبعوثاً لحضور حفل تنصيب الرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي المقرر في 5 آب/أغسطس القادم.

ونقل الموقع عن رئيسي قوله في أول مؤتمر صحفي له كرئيس منتخب: إنه لا توجد عوائق أمام إعادة فتح السفارتين الإيرانية والسعودية، وإن إيران مستعدة لبناء علاقات طبيعية مع جارتها ذات الأغلبية السنية. لكن لن يكون طي صفحات الماضي أمراً سهلاً بالطبع.

ففي 2 كانون الثاني/يناير 2016، اقتحم حشد غاضب من قرار السعودية إعدام رجل الدين الشيعي المعارض الشيخ نمر باقر النمر السفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مدينة مشهد، وتسببوا بأضرار جسيمة فيهما.

وردت السلطات السعودية بتجميد العلاقات الدبلوماسية مع إيران وطرد الدبلوماسيين الإيرانيين. وبالرغم من أن العلاقات الإيرانية السعودية اتسمت دوماً بالتنافس على النفوذ في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي الأوسع، إلا أن ملحمة السفارة أوصلت العلاقات الثنائية إلى حضيض جديد.

لم تعتذر إيران رسمياً عن الهجوم على السفارة، على الرغم من استنكار الرئيس الإيراني آنذاك حسن روحاني للحادث، إذ قال في رسالة إلى السعودية: "الأعمال التي جرت على يد مجموعة من المتطرفين في طهران ومشهد، وألحق أضراراً بالسفارة والقنصلية السعودية، واللتان ينبغي أن تبقيا في أمان من الناحيتين الشرعية والقانونية تحت حماية جمهورية إيران الإسلامية، لا يمكن تسويغها بأي حال من الأحوال".

وبموجب توجيهات روحاني، فتحت وزارتا الداخلية والمخابرات تحقيقات في الحادث، واعتقل 40 متورطاً في الحصار. ومع ذلك، فشلت هذه الإيماءات في تهدئة السعودية، التي لطالما عارضت التدخل الإيراني المزعوم في شؤون الدول العربية ودورها المزعزع للاستقرار في الخليج العربي الأوسع.

واندلع الصراع الثنائي الأكبر عندما بدأت السعودية حملة عسكرية على اليمن في آذار/مارس 2015، حيث كانت الجمهورية الإسلامية تقف إلى جانب الحوثيين المعارضين لحكومة عبد ربه منصور هادي.

ووصفت الكارثة المستمرة في اليمن بأنها أسوأ كارثة إنسانية على مستوى العالم، إذ أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 130 ألف شخص. وفي الوقت نفسه، أدت المجاعة المزمنة إلى زيادة ضعف السكان الذين يعانون من سوء التغذية والعوز في اليمن في زمن جائحة كوفيد 19، مع عدم وجود لقاحات أو رعاية صحية معتمدة.

ورفضت السعودية حتى الآن تعليق عملياتها العسكرية، وتواصل إيران تزويد الحوثيين بالطائرات المسيرة وصواريخ أرض جو والمتفجرات والذخيرة، بما لا يقل عن 10-15 مليون دولار سنوياً منذ عام 2010، لذا فإن المسألة اليمنية هي الصدع الرئيسي في العلاقات الإيرانية السعودية، وستكون الأزمة عقبة رئيسية في طريق تطبيع العلاقات.

ويظن معظم المراقبين في المنطقة أن الحملة العسكرية السعودية في اليمن لم تحظ بموافقة على المستويين الإقليمي والعالمي، واستنزفت موارد المملكة إلى حد كبير، وذهبت كل جهودها سدىً. كما يشير المراقبون إلى أن إدارة بايدن ليست متحمسة على مواصلة الدعم الأمريكي للحرب في اليمن من خلال علاقاتها مع السعودية.

وقال عمران البدوي لآسيا تايمز، وهو أستاذ مشارك في دراسات الشرق الأوسط بجامعة هيوستن: "أي اتفاق يبرم بين الطرفين يجب أن يتناسب مع مصالح السياسة الخارجية الجديدة لإدارة بايدن، وهذا يشمل إنهاء المأساة الإنسانية في اليمن، التي يلقي النقاد باللوم فيها جزئياً على الولايات المتحدة، والعودة إلى منصة أوسع للنهوض بحقوق الإنسان العالمية".

وأضاف: "سيحتاج الاتفاق أيضاً إلى تأمين مرور السفن النفطية السعودية عبر الخليج العربي، وإلى ضمان مستقبل برنامج الطاقة النووية الإيراني، مع لفت الانتباه إلى أن جائحة كورونا حرمت المملكة من مليارات الدولارات من عائدات الحج، ومن التعاون مع شركاء منظمة التعاون الإسلامي بما في ذلك إيران".

وأوضح أنه "لا يوجد حد لمدى المصالحة المحتملة، والوقت وحده الذي سينبئنا".

وتعتقد دانيا ظافر، المديرة التنفيذية لمنتدى الخليج الدولي في العاصمة واشنطن، أن هناك إمكانية لتحقيق تفاهم بين طهران والرياض حيال اليمن، ويمكنهما تعزيز التقائهما من هذه النقطة.

وأفادت في حديثها مع آسيا تايمز: "يمثل اليمن بالفعل فرصة منخفضة التكلفة لبناء الثقة، وهو نقطة يمكن عندها للسعودية وإيران الاتفاق على قضايا معينة، وبإمكان الإيرانيين التوصل إلى اتفاق بخصوص زيادة أمن جنوبي السعودية حيث تأتي صواريخ الحوثيين".

وأضافت: "لكن الاتفاق من شأنه أن يحل مشكلة الصواريخ وليس الحرب في اليمن.. وباستطاعة إيران أن تضغط على الحوثيين لقبول وقف إطلاق النار في السعودية، لكن ليس لديهم بالضرورة النفوذ الكامل لفرضه".

سيكون الانفراج بين طهران والرياض ملموساً عبر الشرق الأوسط وخارجه. وينطبق هذا بشكل خاص على العدو اللدود للجمهورية الإسلامية، إسرائيل، التي سعت بجد لإيجاد موطئ قدم لها على أعتاب إيران من خلال "اتفاقات أبراهام"، التي أدت في عام 2020 إلى تطبيع العلاقات مع الإمارات والبحرين لاحقاً.

ويعتقد بعض الخبراء أنه إذا تخلت إيران والسعودية عن خلافاتهما وتوصلتا إلى تسوية، فمن المرجح أن يؤجل التمدد المتوقع لاتفاقات أبراهام لتشمل إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات السعودية الإسرائيلية.

وبين ألبرت وولف، زميل باحث مشارك في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، لآسيا تايمز أن الانفراج بين طهران والرياض قد يكون له "تأثير مخرب" على تل أبيب.

وقال: "قد يعني السلام بين السعودية وإيران شيئين لإسرائيل. أولاً، قد يقذف باحتمال اعتراف السعودية بإسرائيل بعيداً عن المسار تماماً. ثانياً، كانت إسرائيل تأمل في استخدام اتفاقات أبرهام كوسيلة لاحتواء إيران، وبينما اعترفت بعض الدول - وليس كلها - بإسرائيل لاحتواء إيران، يمكن أن يكون للسلام السعودي الإيراني تأثير مخرب".

وأوضح أن "السلام السعودي الإيراني سيعني على الأرجح أن تظل العلاقات السعودية الإسرائيلية سرية لبعض الوقت"، وأضاف "أعتقد أنه ستنشأ ردود فعل متنوعة في جميع أنحاء الخليج. على سبيل المثال، نظراً للتوتر الأخير بين السعودية والإمارات، قد يؤدي ذلك إلى تكثيف المعضلة الأمنية بين الإمارات وطهران. ومن المرجح أن ترحب دول أخرى، مثل قطر، بالسلام بين الرياض وطهران".

ويتوقع محللون استمرار التنافس الإقليمي بين الجمهورية الإسلامية والسعودية، حتى مع التجديد المحتمل للعلاقات الدبلوماسية وتخفيض الأعمال العدائية، بسبب المصالح الجيوسياسية المتباينة، والنفوذ في أسواق الطاقة العالمية، والجذور الأيديولوجية.

واقتبس الموقع قول إيما سوبرييه، الباحثة الزائرة في معهد دول الخليج العربية في واشنطن: "تحتاج إيران والسعودية إلى التوصل إلى اتفاق لتعلم العيش مع بعضهما بعضاً، وإلا لن يتقدم أي منهما، فلا يمكنهما تغيير الجغرافيا".

وتابعت: إن إبرام اتفاقية كهذه "ربما يعني تحديد ما يمكن أن يلتزم به الطرفان من أجل الحفاظ على هدف مشترك لخليج مستقر وآمن".

وقالت: إن "الالتزام بالقواعد نفسها فيما يخص الحد من التسلح والحد من الانتشار سيساعد في بناء الثقة، وقد يمتد ذلك إلى القوى الأخرى النشطة في المنطقة، كالإمارات وقطر وإسرائيل، على سبيل المثال لا الحصر".

آسيا تايمز