الرأي

طالبان.. المهمة المستحيلة

ميشيل كلاغاصي

3 أيلول 2021 19:47

سيبقى مشهد تهافت الشعب الأفغاني نحو مطار كابول، ومحاولاتهم للتشبث بعربات وسلالم الطائرات أو بعجلاتها، من المشاهد المأسوية في ذاكرة العالم، بعدما دفع الكثيرين للدهشة والاستغراب، لطريقة تلقي عدداَ كبيراً من الأفغان نبأ الانسحاب الأمريكي والأطلسي، بعد عشرين عاماً للغزو والاحتلال والعبث والفوضى في البلاد.

لا يمكن التأكيد على أن جميع الراغبين بمغادرة البلاد هم من الأفغان العملاء أو الخونة، والمتعاملين مع قوات الاحتلال الأمريكي بطريقة أو بأخرى، كذلك لا يمكن الجزم بأن كل من هللوا ولم يغادروا هم طالبانيون أو من مؤيديهم في بيئة داخلية غير متجانسة سياسياً وأيديولوجيا، فالبلاد تعج بالقوميات والإثنيات والعرقيات والمذاهب... ويبقى من الثابت أن طالبان تحاول بسط سيطرتها على الجميع دون استثناء، في وقتٍ تتحدث فيه عن الاستقرار والسلام ومعالجة كافة المشاكل، وسط بيئة جيوسياسية معقدة تربطها مع دول الجوار، الأمر الذي يبدو أشبه بالمهمة المستحيلة، بما يشي بوقوف أفغانستان على مفترق طرق خطير للغاية، لا تُستبعد فيه الحرب الأهلية.

تبدو المخاوف من سيطرة طالبان ترتبط ارتباطا وثيقاً بانعدام ثقة جميع الأفغان بحكمها، بالإضافة إلى وجود المعارضين القبليين والسياسيين التاريخيين لشكل وطريقة حكمها، قد شكل دافعاً لاتجاه الكثيرين نحو مطار كابول والحدود البرية لمغادرة البلاد.

من الواضح أن محاولات طالبان منذ منتصف شهر اّب الماضي، لتهدئة مخاوف الأفغان قد فشلت، أمام ذاكرتهم بسطوتها وطغيانها إبان فترة حكمها 1996 – 2001، على الرغم من إسراعها بالإعلان عن فرض الشريعة، وتغيير العلم الأفغاني، والقيود المفروضة على حقوق المرأة ...الخ.

كذلك تعاني طالبان من عجزٍ خطير في نيل الثقة الدولية، بفضل تاريخها المرتبط بالعنف والجهل والتخلف بالنسبة لبعض الدول، وبالإرهاب بالنسبة لغير دول، وبالتأكيد ستحتاج إلى دعم وتعاون دوليين، للبقاء وللعمل كحكومة مقبولة من دول العالم، وهذا سيضعها تحت رحمة المبتزين والطامعين وأصحاب الغايات والأهداف السياسية، وأصحاب المصلحة الحقيقية لحماية حدودهم وأمن دولهم الداخلي.

إن الهجوم على مطار حامد كرزاي الدولي، وسقوط القتلى والجرحى، يدفع طالبان لإثبات عدم ارتباطها بمرتكبي الهجوم الإرهابي، وبإدانتهم وملاحقتهم ومحاربتهم، وهذا سيفرض عليها حتماً موقفاً ضد تنظيم القاعدة وداعش والجماعات الأخرى... كذلك سيفرض عليها مواجهة التحديات الجيوسياسية الداخلية والخارجية، بما في ذلك إقناع طاجيكستان وباكستان والهند والصين وروسيا وإيران ...، بأنها لن تكون مصدراً للقلق والفوضى.

أخيراً... إذا كان الانسحاب الأمريكي والأطلسي من أفغانستان يعني غياباً للوجود العسكري الخارجي في الداخل، لكنه لا يعني عدم عودة واشنطن وحلفائها التدخل من خارج الحدود، بالإضافة إلى تعقيد الجغرافيا السياسية المتمركزة حول أفغانستان وارتباط عدد من الفصائل المحلية ببعض الجهات الخارجية، سيجعل مهمة طالبان بالإجابة على سؤال – أفغانستان إلى أين؟ - أشبه بالمستحيلة، وسيبقى رهن اللعبة الدولية.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"