المربي الفاضل ميشال مشرف

الرأي

ميشال مشرف الذي قتلته منظومة الحكم وأحزابها في لبنان

د. رائد المصري

24 أيلول 2021 15:08

بهدوء.. فقد كنت آليت على نفسي بألا أكتب شيئاً عن لبنان وأنا في الغربة، رغبة منِّي في نقْد الأشياء وأنا على تراب وطني وذلك من باب الجرأة والصراحة، لكنِّي آليت على نفسي وكسَرت الحظْر الذي أنشأته حولي، بعد علمي بحادثة وفاة الأستاذ ميشال مشرف وهو مدير في مدرسة اللّيسيه رأس بعلبك، والتي كان لي شرف الانتساب والتعلُّم فيها فيما مضى لفترة طويلة من الزمن.

فمدير اللِّيسيه في مدرسة رأس بعلبك ميشال مشرف قتلته منظومة الحكم في لبنان، وهنا لا أتكلَّم إلاَّ بعد أن دهَمنا الموت وبدأ يطال رِقاب النُّخب والطيِّبين وأبناء الخير، وممَّن اتَّخذوا على أنفسهم تحمُّل تَبِعات الأزمات التي تسبَّب بها هذا النظام الديني والطائفي القاتل، بأحزابه كافة وتلاوينه الحربائية المجرمة، فعاجل الموت أستاذاً كريماً وصادقاً ومُحبَّاً يتأبَّط مِلفات طلابه ويدور بها في زوايا التربية لإتمام معاملاتهم في ظلِّ التعطيل الدائم والمستمر للمؤسسات التربوية والتعليمية.. والسبب أزمة نظام لا زالت تتآكله وحوش وضباع الطوائف والأحزاب.

فلن نعلِّق على شريط السَّرقة لحادثة وفاة الأستاذ والمربِّي "مشرف"، فقد قُتِل الأستاذ ميشال مشرف على يد نظام تباهَت ميليشياته وزبانيته وبعض الموتورين نتيجة الضخِّ المذهبي بالمازوت الآتي من الخارج، وقوفاً على جنبات الطرقات لنثْر الأرز والورود، ولم يدروا أن هذا هو واجب وأبسط الواجبات الملقاة على عاتق الأحزاب الحاكمة وميليشياتها التي بَلَعت كلَّ خيرات البلد، فوقفوا يهلِّلون للصهاريج.

قُتِل ميشال مشرف من دون سبب بعد انقطاع مادة المازوت التي تباهوا بها وبوصولها ذات يوم، إلا لأنه أراد مساعدة الناس وتلامذته، وهو يسير لمسافات طويلة تحت نار الشمس الحارقة للوصول إلى دائرة التربية وإنجاز معاملات الطلاب، كما قتل من قبله شهداء المرفأ في تفجير بدأت تحقيقاته تلتفُّ حول أعناق المرتكبين لسوقهم إلى العدالة، وبدأنا نشهد معها حفلات التضامن بين أبناء الجيل الطائفي والمذهبي الواحد، والأحزاب الميليشياوية التي تتستَّر تارة بالارتياب المشروع، وطوراً بالتهديد بالقتل والتصفية، وثالثة بالاستهداف الأميركي الإسرائيلي والخارجي من أجل تصفية الحساب، مع أحزاب تتخايل، أو خُيِّل إليها أنها حرَّرت فلسطين وكلَّ الأرض العربية، وخاصمت ووقفت في وجه المشروع الأميركي الاستعماري، وهي في الأساس لم تقف إلا في وجه شعوبها قتلاً وتخويناً وتهجيراً واغتيالاً، ونهْباً وسرقة لمال الناس ولخزائن الدولة، ويريدون إقناعنا مع عامة الشعب بالانتصار الذي حققوه على أعدائهم. إنه انفصام ما بعده انفصام يصل حدَّ القتل والموت البطيء والسريع إذا لم تجاريهم فيه.

أحزابٌّ وسلطة تتخبَّط مع بعضها، مرة بالتكافل والتضامن في وجه المحقِّق العدلي طارق البيطار، ومرة بتبادل الطابة وتمريرها اتِّقاء لضربات القضاء التهديفية، وثالثة لحرف الأنظار وتتويه الرأي العام وحذفه عن رؤية المشهد المتقدم الذي سيسقط صقوراً طائفية مُسْمِنة ومعها بعض الأرانب، التي ارتضت أن تدور في فلك الموت الذي رسمته لها هذه المنظومة، كالرئيس المخلوع للحكومة حسان دياب، بعد أن رقص على رؤوس الأفاعي الطائفية وصار مطلوباً للعدالة، فالمهم هو أن تكونوا مطلوبين للعدالة وللقضاء وليس المهم هو التستُّر في الغطاء المذهبي والطائفي لدور الإفتاء والكنائس.

والمهم أيضاً هو انكشاف الغطاء الذي تدثَّرتم به لقتل وتجويع الناس، فهذا كفيل بنبذ ونزع الشرعية، أولاً الشرعية الإنسانية، وثانياً الشرعية الأخلاقية، وثالثاً الشرعية الشعبية. وهو ما حصل منذ زمن.

* د. رائد المصري: أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وكاتب سياسي لبناني وعربي، ويعمل مديراً لمركز الراصد الإخباري العربي والدولي.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"