الرأي

لماذا إلغاء صفقة الغواصات الفرنسية الأسترالية؟

ناجي الزعبي

1 تشرين الأول 2021 21:49

يبلغ عدد القواعد الأميركية العسكرية المنتشرة في ٧٠ دولة بالعالم ٨٠٠ قاعدة، وعدد الجنود ١٥٠-٢٠٠ ألف جندي، وقد بلغت كلفة الإنفاق العسكري منذ عام ٢٠٠١ الآن ٦.٤ ترليون دولار، وكلفة العدوان على أفغانستان ٢-٤ ترليون دولار، وعدد القتلى ٦٣٠٠ قتيل، و٤٠ ألف جريح، مقابل مقتل ١٤١ ألف أفغاني.

وبلغت مبيعات كارتيل السلاح الأميركي، أي شركات تصنيع السلاح الخمس الكبرى خلال العشرين سنة الأخيرة ٢٠ ترليون دولار، أي أن عوائد الحروب التي شنتها أميركا على دول العالم ذهبت لأصحاب الشركات ورؤوس الأموال، وتحمّلَ الشعب الأفغاني والأميركي الخسائر البشرية والمادية بحيث لم تعد الإدارة الأميركية قادرة على تمويل العدوان على شعوب العالم، الأمر الذي يفسر السعار على نهب ثروات الشعوب كما فعلت بالعراق، وأفغانستان، وتفعل بسورية.

إن إلغاء أستراليا صفقة الغواصات الفرنسية، الذي يأتي في سياق سرقة العالم والنكث بالعهود والغدر بالأدوات والحلفاء والعملاء، بمثابة خيانة القرن، وطعنة في الظهر تلقتها فرنسا من أستراليا وأميركا، وألقت بظلالها على علاقة فرنسا وأوروبا بأميركا، إضافة إلى الخسائر المادية والمعنوية التي ستعاني منها على صعيد سمعتها في سوق الغواصات.

وإلغاء العقد بمنزلة إلغاء "عقد القرن" لصفقة الغواصات التي عقدتها أسترالية مع مجموعة "نافال غروب" الفرنسية لتزويدها بـ 12 غواصة ذات دفع تقليدي تعمل بالديزل، ومعدلة عن طراز الغواصة النووية الفرنسية "باراكودا" التي بدأت فرنسا تزود بحريتها بها. وقد بلغت قيمة العقد الإجمالية عند توقيعه 31 مليار يورو (نحو 50 مليار دولار).

هي سرقة أميركية موصوفة تشي بعمق أزمة أميركا الأخلاقية بداية، وتخليها عن أدواتها وحلفائها عند أول مفترق لمصالحها، كما تشي بعمق أزمة أميركا المالية العميقة.

لقد "ناشدت" وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين، الكونغرس رفع سقف الدين لتجنّب "أزمة مالية تاريخية"، وحذّرت الأسبوع الماضي من أن أموال الحكومة ستنفد في تشرين الأول.

وقالت إن "التخلف عن السداد سيؤدي على الأرجح إلى أزمة مالية تاريخية، ورفع معدّلات الفائدة وتراجع أسعار الأسهم بشكل حاد وغير ذلك من الاضطرابات المالية".

ويحظر سقف الدين الحالي - ما لم يتم رفعه- على الولايات المتحدة استدانة أكثر من الحد الأقصى الحالي البالغ 28.4 تريليون دولار، والذي يفوق الناتج المحلي الإجمالي البالغ 20.2 ترليون دولار.

وعددت يلين في مقالها الأخير قائمة من الكوارث المالية المحتملة التي قد تلحق بالبلاد في حال لم يرفع سقف الدين ولم تتمكن الولايات المتحدة من سداد ديونها مع حلول المهل المحددة، وقالت "في غضون أيام، سيفتقر ملايين الأميركيين إلى النقود"، وقد تنقطع شيكات الضمان الاجتماعي عن نحو 50 مليون مسن، وقد تتوقف رواتب الجنود".

وأردفت "سنخرج من هذه الأزمة كأمة أضعف مؤقتاً"، واستذكرت أزمة ديون عام 2011، مشيرة إلى أن سياسة وضع الولايات المتحدة على حافة الحد الأقصى للدين "دفعت بأميركا إلى شفير أزمة".

ويأتي سحب أميركا لقواتها من أفغانستان ومن الخليج العربي في سياق الأزمة الأميركية المالية والعجز عن تمويل قوات الغزو والبلطجة والهيمنة الأميركية، وتآكل قدراتها العسكرية الأمر الذي يعني تآكل قدرات العدو الصهيوني العسكرية، والذي يؤسس لأفول الرأسمالية وهيمنتها.

كانت الهيمنة الأميركية وفرض الدولار أحد أهم أركان القوة الأميركية كعملة استراتيجية مهيمنة تعتمد على: الهيمنة العسكرية، والهيمنة الاقتصادية، واضطرار الدول للاحتفاظ بالدولار كمخزون استراتيجي، ومقايضته بالنفط، والسويفت ونظام تحويل الأموال، وصندوق النقد والبنك الدوليين.

وفيما يتعلق بالهيمنة الاقتصادية والعسكرية، فقد تآكلت لصالح الصين وروسيا وقوى التحرر بالعالم.

وقد عملت هذه الدول على التبادل التجاري فيما بينها بالعملات المحلية، وأنشأت بنك الاستثمار بالبنى التحتية، وبنك شنغهاي بودنغ الدولي للاستثمار.

أما السويفت فهي إدارة يمكن تأسيسها باتفاق دولي، كما أن مستقبل تبادل النفط بالدولار أيضاً إلى أفول وتراجع.

إذا لن يعود بمقدور أميركا طباعة الدولار بدون غطاء كما كانت تفعل معتمدة على سطوتها العسكرية والاقتصادية وفرضه على العالم.

لقد انتهى عهد البلطجة بالعالم ولم يعد بلطجي الدنيا قادر على فرض سلعته - الدولار - بالقوة العسكرية المهزومة، ولا قادراً على تغطية العدو الصهيوني الغارق بالأزمات، بعد نهاية الهيمنة الاقتصادية وتأهب الصين لتخطي أميركا في هذا المضمار.

وقد تخلت أميركا عن فرنسا أحد أوثق حلفائها وأدواتها، لتسرق الصفقة وعوائدها، كمن يدوس على رقبة أخيه لينجو من الغرق، وساهمت بذلك في دق إسفين في نعش الناتو وباقي الدول الأوروبية، وانتقلت أشرف آسيا لتشكل حلف "أوكوس" مع بريطانيا وأستراليا لخلق التوترات والحرائق للصين.

وغاب عن بالها أن ٢٠ سنة من غزوها لأفغانستان تكللت بهزيمة عسكرية كانت صمام الأمان للهيمنة وفرض الدولار ركن الهيمنة الأهم الأمر الذي يهدد وجودها الرأسمالي المالي برمته.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"