الرأي

حرب تشرين المجيدة.. ذكرى أذابت البلدان والأقطار فأصبحت جسداً عربياً واحداً

ناجي الزعبي

6 تشرين الأول 2021 15:37

حدث عام 1973، كان صباحاً " عسكرياً" نمارس فيه واجباتنا اليومية المعتادة حين لمحت الملازم تيسير قادماً من قيادة الكتيبة وعلامات الجدية - غير المعتادة - تبدو على ملامحه، اقترب مني وقال: "يلا على قيادة الفرقة، ومضى لا يلوي على شيء".

لحقت به وقد أصابتني الدهشة، وبداخلي تساؤل: "أمجنون هذا أم ماذا؟"

وفي الأثناء لمحت وكيل القوة قادم من بعيد باتجاهي، فدنا مني وأدى التحية، وقال: "ناجي أفندي بدهم ياك بقيادة مدفعية الفرقة"، ثم أدى التحية وانصرف.

اتجهت بدوري لمبنى القيادة ودخلت مكتب المقدم خلدون الجندي. أديت التحية وقلت: "صباح الخير سيدي".

قال: "أهلا ملازم ناجي، يريدونك بقيادة الفرقة".

فسألته: "بغرفة العمليات؟"

قال: "راجع رئيس أركان الفرقة".

لم استغرب الدعوة فقد كنا الملازم تيسير وأنا نديم مع ضباط أركان الفرقة غرفة العمليات بشكل مستمر، وتوقعت أن هناك إحداثيات جديدة ينبغي العمل على تثبيتها على لوحة الخرائط.

اتجهت إلى قيادة الفرقة وعندما دخلت المبنى تبين لي أن رئيس شعبة العمليات بانتظاري، واستقبلني بحفاوة، وقال: "سنذهب معاً إلى قائد الفرقة".

أدهشني ذلك، فما الذي يريده قائد الفرقة مني؟

وذهبنا معاً، ودخلنا إلى مكتب القائد وأدينا التحية معاً.

قال وابتسامة ودية ترتسم على وجهه: "تفضلا".

جلسنا وأنا متلهف لمعرفة ماذا يريد قائد الفرقة مني فأنا من مرتبات المدفعية ولست من مرتبات الدروع.

قال: "ملازم ناجي اخترناك لتذهب لسورية للجولان فلديك مهمة لتقوم بها وتعود بأسرع ما يمكن، سيشرح لك رئيس الأركان التفاصيل"، ونهض من مقعده إيذاناً بانتهاء المقابلة ومد يده للسلام على غير المعتاد.

وفي مكتب رئيس الأركان تلقيت تعليمات المهمة بكل تفاصيلها مع كتاب لقيادة الجيش السوري. وقال لي: "ستجد أمر إرسالك بقيادتك أتمنى لك التوفيق، عد سالماً بأسرع ما يمكنك".

كانت السيارة العسكرية التي أقلتني "الروفر شاصي قصير"، كما كنا نطلق عليها، تجتاز الحدود الأردنية السورية إلى الجولان، حيث كنت في مهمة عسكريه تمهد لدخول قطعات عسكرية أردنية وعربية للمشاركة في القتال ضد العدو الصهيوني إلى جانب القوات السورية.

وكنت قد ودعت أحلامي وآمالي، وأوصدت الأبواب على أسراري الصغيرة وعلى قصص العشق والذكريات، وطويت كل الملفات على مفترق الطرق التي سأعبرها لغد أجمل، أو ربما تأخذني رحلتي لعالم آخر..

منذ أن أبلغت بالمهمة من قبل قيادة الفرقة الثالثة التي شاركت بالمعركة، وقد كانت تلك تجربتي الأولى للمشاركة في معركة حقيقية ومهمة دقيقة بهذا المستوى.

كانت السيارة تطوي الطريق وتطوي معها حكايتي في عمان الحبيبة، التي ما إن ابتدأت حتى انتهت، وكأنها نبات لا يريد أن يرى النور، وأن يبرعم فرحاً.. حاولت جاهداً أن أنحي ذكرياتي وأنصرف للقادم ولم أفلح، إلى أن انتزعني صوت السائق وهو يلقي بتحية المساء على الجنود عند نقطة الحدود السورية.

أفسح مسؤول الحاجز العسكري الطريق بعد أداءه التحية العسكرية وإزالة الحاجز دون أي سؤال، كان واضحاً أن تعليماته تقضي بذلك، وكان ذلك مدعاة للتأمل فقد أزالت وحدة الدم الحواجز المصطنعة، وكان موجعاً أن تكون المعركة وليس السلم والنهوض والبناء والتنمية والتكامل الاقتصادي من فرض الوحدة وإزالة الحواجز والحدود وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل "سايكس بيكو".

كان استقبالنا الدافئ على الحدود تجسيداً لوحدة المصير والدم والعدو الصهيوني المشترك. وعلى الرغم من تواضع رتبتي وسني، بعثت ردة فعل رجال الحدود السورية عند مرور سيارتي العسكرية في نفسي الاعتزاز والفخر.

عدت لشريط ذكرياتي بعد عبورنا الحاجز، وكيف انتزعت نفسي من أحضان رفيق السلاح وصديقي الملازم تيسير أبو شقرة وهو يودعني بمحاولته إضفاء لون من الدعابة على وداعنا المؤثر حين قال: "عيش يا عمي رح ترجعلنا شهيد ونفرح فيك".

ولمحت دمعة تفر من عينيه وهو يتابع قائلاً: "هو الله برمي الناس بحجار، يا زلمة دايماً مقلق منامي ومقلق منامها وغمز بعينه.. ثم استدار وهو يشهق بدموعه رح أنام ليلي الطويل... والله رايح يفتح على بنت الحلال إلي الله خلصها منك.. ثم استدار ومضى لا يلوي على شيء.

كان ذلك موقفاً درامتيكياً متوقعاً نظراً لحداثة عهدنا بالجندية وقساوتها وقلة خبرتنا وتمرسنا.

استمرت السيارة في سيرها تتهادى باتجاه الشيخ مسكين، وقد أبدى سائقها الرقيب علي سعادته مما جرى على الحاجز قائلاً: "هذا هو الوضع الطبيعي سيدي، نستقبل بعضنا البعض دون حدود وإجراءات، وتؤدى التحيات للضباط، وتزول الحدود.. يارب تزول كربة سورية وتستمر الوحدة بيننا".

تبسمت وأبديت سعادتي بإيماءة من رأسي، دون أن أنبس ببنت شفه، فقد أخذ القلق يساورني كلما اقتربنا من ميدان القتال، كانت وجهتنا هي جبهة المعركة، وكانت مهمتي الاتصال بقيادة العمليات على الجبهة وكنت أدرك دقة المهمة وصعوبتها.

كان أزيز الطائرات يكاد لا ينقطع، ودوي المدافع والدبابات يزداد وضوحاً، ولم يكن ذلك أمراً يبعث على السعادة.

اجتزنا الشيخ مسكين باتجاه الغرب وأخذنا نسلك طرق غير معبدة، ما فاقم قلقي، تبدت معالم الجبهة وأخذت أرى قذائف الدبابات وهي تتساقط والطائرات تقذف حممها، ساورني الخوف، فهي تجربتي الأولى، لكننا واصلنا المسير، وأطبق الصمت على كلينا فقد كانت معالم المعركة تتضح.

فجأة شاهدت صبية سورية بالزي الشعبي السوري لم تتجاوز العقد الثالث ترعى قطيعاً من الغنم وسط كل هذا الجحيم، كما لاحظت مجموعة من العمال يعبدون طريقاً ترابية ومن بينهم فتيات يحملن أوعية تقطر سائلاً مغلياً ويعملن على إلقائه فوق الرمال، كان هذا أمراً مدهشاً، ويحدث فقط في سورية.

خجلت من خوفي، والفتيات السوريات يمارسن أعمالاً بالغة القسوة في أجواء المعركة ووسطها، وهو أمر لا يكاد يصدق! وأنا ضابط ومقاتل، فانتزعت خوفي ومضيت في طريقي.

في سورية وحدها تزول الفوارق إلى حد بعيد بين الرجل والمرأة، وبين المسلم والمسيحي والطوائف والمذاهب والأديان، ويسكن العرب الوجدان السوري.

وصلت إلى أقصى نقطة كان يمكن الوصول إليها وكان لابد من الاهتداء لقيادة منطقة العمليات، وكانت تلك معضلة فلا يوجد عسكريون لأسألهم، ولا حتى مدنيون، فأخذنا نبحث عن أي معلم أو أي أحد ليرشدنا لكيفية الوصول لهدفنا، لاحظت في الأثناء أكداس الذخائر المعدة في مناطق القتال دون حراسة، وكان ذلك مدعاة للدهشة التي زالت بعد أن أدركنا السبب.

فقد التقينا أحد السوريين فتوقفنا قربه وترجلت من السيارة وحييت الرجل وسألته عن قيادة منطقة العمليات فأجابني بأنه لا يعلم، تركته ومضيت بين القرى المتناثرة لأبحث عن شخص آخر، وعند عثوري عليه تكرر نفس المشهد، التقيت آخرين وحصلت على نفس الإجابة. أخذ الوقت يمضي وازدادت مهمتي صعوبة فقد كان لا بد من معرفة مكان قيادة العمليات وعند أول شخص قابلته اضطررت لشرح مهمتي وأبرزت كتاب قيادتي العسكرية الذي يثبت تكليفي بالمهمة لكن الرجل قال لا تحاول معرفة مكان أي قيادة عسكرية فلن يخبرك أحد بمعلومة من هذا النوع، تبين لي مدى حس شعبنا السوري الأمني ووعيه العالي بضرورة الحفاظ على الأسرار العسكرية، وكانت أكداس الذخيرة بين القرى دليل على ذلك فقد كانت بأمان تام وفي رعاية المواطنين، أصر الرجل، وتحت إلحاحي صدمتني إجابته، إذ قال: "ما بحسن قلك!! حاول أن تجد عسكرياً يرشدك".

ومضيت إلى أن التقيت أحد العسكريين الذي رفض إجابتي لكنه أخذني إلى ضابط، ومن ثم أخذني الضابط لقيادة فرعية أجرت اتصالاتها وأخذوني للقيادة المعنية التي استقبلتني بترحاب بالغ ومكنتني من إنجاز مهمتي بنجاح.

بعد فترة وجيزة من مهمتي التحقت قطعاتنا بالجيش السوري وكان اللواء المدرع ٤٠ ومدفعية الفرقة الثالثة وقطعات الإسناد والتزويد، ثم جرى تعزيز القطعات بباقي جسم الفرقة وكانت قوة ذات شأن نفذت عمليات قتالية مشتركة مع الجيش العراقي ودحرت العدو وأزالت خطر تطوير هجومه.

ارتقى عدد من رفاقنا بالعمليات العسكرية التي قام بها اللواء المدرع ٤٠ بقيادة قائد اللواء خالد هجوج المجالي وأصيب قائد سرية المدفعية الثقيلة النقيب محمود خريسات بجروح نظراً لتعرض سريته لقصف مدفعي بمجرد احتلالها لموقعها.

خضنا المعركة معاً بعد أن التحقت القطعات بالجبهة، سوريين، وسعوديين، وكويتيين، وفلسطينيين، وعراقيين، وأردنيين، ومغاربة.

ذابت أسماء البلدان والأقطار، وتلاشت موضوعياً وذاتياً، وأصبحت جسداً عربياً وكتلة كفاحية وقوة وحالة فريدة مفعمة بروح الفداء والتضحية، واختلطت الدماء في أبهى مظاهر للوحدة العربية، ذوداً عن دمشق، وحلب، وباقي التراب السوري، وعن شرف العرب، فقد كان المصير مشترك والعدو واحد، صهيونياً، أميركياً، ورجعياً عربياً، كان، ولا يزال، وسيبقى.

وفي إحدى الأمسيات عدت من إجازتي القصيرة من إربد وقد كنت منهكاً فاستلقيت على سريري للحصول على قسط من الراحة، وبعد مضي عدة دقائق وجدت ضابطاً سورياً يقف على باب خيمتي بزيه الميداني وسلاحه الشخصي وابتسامته العريضة بادرني بالقول: "أنت ناجي أليس كذلك؟"

قلت: "وأنت إسماعيل؟"

قال: "نعم".

كان رفاق السلاح قد أخبروني بالتحاق فصيل صواريخ سوري بنا بقيادة المهندس الملازم إسماعيل وهو يحمل نفس أفكارك الجهنمية، وكان تيسير صاحب نظرية أنني أحمل أفكاراً جهنمية.

قلت لتيسير: "إرهابي يعني".

قال: "بالضبط تماماً مثلك".

ارتبطت بعلاقة وثيقة جداً بإسماعيل فقد كانت لقواسمنا الفكرية المشتركة الفضل في تلك العلاقة الوطيدة التي امتدت لهذه اللحظة.

وفي 1/1/1974، غادرنا سورية بعد نهاية المعركة، وبعد أن أودعنا دم الشهداء ذمة المجد، محملين بذكريات المعركة وصداقات وعلاقات رفاقية بالغة الروعة كل إلى وطنه.

وغادرت معهم بعد أن أمضيت ليلة رأس السنة مع قائد فصيل الصواريخ السوري الملازم المهندس إسماعيل شيخ خضور، هو وجنوده في مغارة على الجبهة في سهرة تاريخية امتدت للصباح تحت القصف المدفعي والجوي.

كانت أمسية عربية أودعنا بعدها أشواق الوحدة وتوقنا لها، ودماء الشهداء وأحلامهم، وآمالهم التراب السوري.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"