الرأي

زيارة الإمارات إلى دمشق.. مستقبل واعد أم خطير؟!

عبد العزيز بدر القطان

12 تشرين الثاني 2021 18:08

جاءت زيارة وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان إلى سوريا كالصاعقة في وقتٍ لم يكن أحد يتوقعه. هذه الزيارة هي الأولى من نوعها منذ العام 2011، مع بداية الأزمة السورية، والتي لا تزال، بشكلٍ أو بآخر، مستمرة لكنها بالطبع أخف حدّة عن السابق.

الشكل العام لهذه الزيارة بالطبع يحمل عنواناً رئيسياً وهو كسر عزلة سوريا، أما العناوين الفرعية فكانت "بحث العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وتطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك، وتكثيف الجهود لاستكشاف آفاق جديدة لهذا التعاون، وخصوصاً في القطاعات الحيوية من أجل تعزيز الشراكات الاستثمارية"، وهذا بطريقةٍ أو أخرى، يعيدنا بالذاكرة إلى حصار العراق، ضمن سياسة قديمة جديدة، تحت عناوين اقتصادية الظاهر، لكن الباطن يحمل من علامات الاستفهام الكثير، خاصة التوقيت، والتكويعة إن جاز التعبير التي تبيّن انحرافاً مغايراً 180 درجة عن عزلة دمشق السابقة، التي بدأت العام 2011 واستمرت إلى الآن، طالما بقيت العقوبات الغربية مفعلة، وطالما لم تعد سوريا بعد إلى مقعدها الدائم في الجامعة العربية (وهي عضو مؤسس)، على الرغم من أن المؤشرات تنذر بقرب العودة، لكن ثمّة متغيّرات تثير الريبة على الرغم من أن عناوينها برّاقة.

لكن لنبتعد قليلاً عن التصريحات الروتينية التي خرجت من دمشق أو من أبو ظبي، أو أي دولة أخرى، بين من يؤيد هذه الخطوة ومن يعارضها، وما بينهما، من المؤكد أن الولايات المتحدة بدأت بمكانٍ ما من تغيير الموقف منذ اقتراح مشروع مد لبنان بالغاز المصري، عبر سوريا والأردن، وهذا يتعلق بكسر ما يسمى "قانون قيصر" الذي سيسمح لدمشق بتنفس الصعداء في ظل وضع اقتصادي خانق يعيشه الشعب السوري، الذي لم يقرأ من كل هذه الزيارة إلا أن تكون متنفساً لبلاده حتى ولو كانت تحمل ضمناً أي مشروع خفي ضد إرادة بلاده، لأن أمام إرادة الحياة تتحطم صخرة التزمت السياسي وإن كان هذا الأمر قد أغلق أبواباً كثيرة في وجه دمشق بأوقاتٍ سابقة.

لقد حملت الزيارة عدة ملفات في سلة واحدة، منها بحث عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، ومن ثمة حضور القمة العربية في الجزائر، وزيارة محمد بن راشد ولي عهد أبو ظبي المرتقبة إلى سوريا، كذلك زيارة الرئيس بشار الأسد إلى دولة الإمارات، كما أن هذه الزيارة ستكون تمهيداً لكثير من الزيارات المشابهة لاحقاً لوزراء خارجية عرب آخرين، أما الأسباب الأخرى والتي قد تكون الأهم هي ضرب المعارضة خاصة تلك المحسوبة على تركيا، وهذا يبين أن الموقف الإماراتي تغير نتيجة الضغط الأمريكي على دول الخليج، فالأمور التي مهدت لهذه الزيارة، هي التوغل التركي في الأراضي السورية والعراقية، إضافة إلى التهديد التركي مؤخراً ضد الوجود الكردي في سوريا، زد على ذلك زيارة الملك الأردني، عبد الله الثاني الأخيرة إلى العاصمة الأمريكية واشنطن والجميع اطلع على مضمونها بما يتعلق بسوريا آنذاك.

لدولة الإمارات حتماً دور قوي، فهي تسعى للريادة وبحسب المعطيات تعمل على وصل ما قطع خلال العقد الأخير، فإذا كانت البداية من سوريا، لن تكون النهاية في اليمن، سنجدها حاضرة في أكثر من ملف وفي أكثر من بقعة جغرافية، هذا الموقف هو قديم لكنه احتاج إلى أن يطفو على السطح في الوقت المناسب، فلقد وقعت حكومة أبو ظبي مع حكومة بغداد عقداً لبناء 5 محطات كهروشمسية لتوليد الطاقة، في وقت كانت قد خفضت إيران الحصص التي كانت تمد بها العراق، على خلفية ارتفاع الدين وعدم وفاء الديون، وهذه نقطة ذكاء لعبتها الإمارات بذكاء شديد، أعطى درساً لبغداد أنها لا تستطيع أن تعزل نفسها عن محيطها العربي، وأنها بحاجته حتى ولو كانت المواقف السابقة لا تنذر بأن المحيط العربي كان يهمه عمار أو دمار هذه الدول بشيء، أما أنواع وأشكال الاستثمارات في سوريا فمن السابق لأوانه معرفة كيف ستتطور الأمور لكن من المؤكد أن الإغراءات في هذا الجانب ستكون كبيرة جداً، لن نقول في مسعى لأن تدخل دمشق في قطار التطبيع لأن هذا بعيد كل البعد حالياً، لكن قد يدخل في ما يسمى "سياسة التركيع" من البوابة الاقتصادية، وهنا سنذكر مثالاً يُضرب ولكن حتماً لا يُقاس، كلنا يتذكر أن صندوق البنك الدولي كان سيمد لبنان بأموال تخفف من وطأة أزمته الاقتصادية الشديدة، لكن نظراً لتقلبات الملف السياسي والاقتصادي فيه، دخل هذا البلد في معارك سياسية لا تنتهي، إلا أن أياً من الوعود السابقة لم يتحقق، عندما أراد المجتمع الدولي الضغط على لبنان اقتصادياً لأسباب معروفة على الصعيد السياسي، وهنا يكمن الخوف على سوريا والعراق وأي بلد عربي آخر، عندما لا يكون ظاهر العلاقات أخوي بكل معنى الكلمة.

لننظر إلى موقف الولايات المتحدة، فإلى الآن، إدارة بايدن تبين أنها ضد التطبيع العربي مع دمشق، لكن الأكيد والذي بتنا نعيه جيداً أن أي امر من هذا القبيل ما كان ليحدث لولا الضوء الأخضر الأمريكي، ولا يمكن لأي باحث سياسي أو محلل وقارئ للمعطيات بشكل جيد أن يقرأ الأمر إلا من هذه الزاوية، أو نكون نخدع أنفسنا قبل أن نخدع الشارع العربي، بالعودة مرة جديدة إلى الأردن، نعلم جيداً أن الملك الأردني عبد الله الثاني، كان قد قاد تطبيعاً إقليمياً سريعاً مع حكومة الرئيس السوري بشار الأسد، منذ أن التقى الملك بالرئيس الأمريكي جو بايدن في البيت الأبيض في تموز/يوليو الماضي، رغم أن هذا الأمر يتعارض مع السياسة الأمريكية تجاه سوريا ويتعارض مع القانون الأمريكي. لكن إدارة بايدن قررت أنها لن تكافح بنشاط هذا الاتجاه التطبيعي مع سوريا بعد الآن (ظاهرياً)، ونعلم أن الأمر انتهى بمكالمة بين الملك الأردني والرئيس السوري بعد أكثر من 10 سنوات، وانتهى الأمر بفتح الحدود مع سوريا، وعند تضييق الخناق على سوريا أغلقت كل الأبواب آنذاك في وجه دمشق، أيضاً بأوامر أمريكية، التي رحبت الفعل بإعلان فتح الحدود الأردنية – السورية، رغم امتعاض الأطراف الموالية لواشنطن آنذاك، وهذا يبين أن إدارة بادين أعطت تطمينات للأردن بأنه لن يُعاقب بموجب قانون قيصر، وهو القانون الأمريكي الذي يهدف إلى منع التطبيع مع سوريا برئاسة الأسد، هذا الأمر ينطبق على الإمارات أيضاً.

إلى ذلك، رحبت فرنسا بتلك الزيارة بشكل غير مباشر، رغم أن لا نوايا فرنسية للتطبيع مع دمشق في هذه المرحلة، ولأن الزيارة الإماراتية إلى سوريا لم تكن حدثاً اعتيادياً، كونها تعتبر الزيارة الأولى من نوعها، لكن مجرد الترحيب الضمني هو مهم في هذه المرحلة وبوابة لتغييرات كثيرة مقبلة على المنطقة، هذه الزيارة فتحت الباب على مصراعيه إزاء عودة سوريا إلى المحيط العربي، في وقت يدور فيه تساؤل كبير حول رأي السعودية، ومدى مباركتها لتلك الخطوة التي تؤكد أوساط عديدة، بأنها لم تكن لتُتّخذ لولا وجود ضوء أخضر من واشنطن، لكن في موقف السعودية تحديداً سيكون تطبيعها مع دمشق مرتبط بخروج إيران من المعادلة وهذا أمر ليس بجديد، لكنها لن تنتظر هذا الأمر فقد بدأت بإثارة موضوع خروج القوات الإيرانية بشكل كامل من سوريا، وهو ما يتنافى مع الرواية الرسمية السورية، التي تؤكد على التمسك بإيران، ورفض خروجها كشرط لإعادة العلاقات العربية السورية، لكن الظاهر بحسب المواقف العربية أن إيران هي العقدة التي تقف حجر عثرة في سبيل أي حل سوري، فلعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية تشترط السعودية خروج إيران، وللمضي قدماً في الحل السوري تشترط الولايات المتحدة الأمريكية خروج إيران، حتى المعارضة السورية بكامل أطيافها لا تريد بقاء إيران في سوريا، والتي تعتبر أحد أبرز أطراف الصراع في البلاد، حتى التعاون الروسي مع طهران في سوريا، لا يمكن وصفه بالتحالف المتين خاصة وأن لموسكو تجربة سابقة في فترة حكم الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، الذي رفع العقوبات عن إيران، إبان توقيع الاتفاق النووي العام 2015، الأمر الذي دفع بطهران لإلغاء معظم، العقود المبرمة مع الشركات المصنعة الروسية، ومنحتها للشركات الغربية بزعم حاجتها إلى دعم استعادة العلاقات السياسية بخطوات اقتصادية.

والتقطت الدول الإقليمية هذه المؤشرات، ففي الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، التقى مسؤولون سوريون بالعديد من القادة العرب، وبعد ذلك تعهد وزير الخارجية المصري بالمساعدة في استعادة مكانة سوريا في العالم العربي، وتأتي هذه التطورات من بوابة أن الانخراط العربي يمكن أن يضعف القوة الإيرانية في سوريا. بالمناسبة هذه رؤية بريت ماكغورك، كبير مستشاري بايدن للشرق الأوسط، فالجميع يعلم أن الصراع في سوريا أدى إلى زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

أثارت زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى سوريا شهية المحللين السياسيين على اختلاف مشاربهم، وغالبيتهم تحدث عن عودة سوريا إلى الجامعة العربية، وهذا برأيي أمر ثانوي وغير مهم على الإطلاق، لأن الشعب السوري بكل تأكيد ينتظر خطوات عملية تنعكس على واقعهم المعيشي تحسناً، بينما البعض منهم ما يزال متشائماً، وإن سألته، سيجيب: في العام 2018 افتتحت الإمارات سفارتها من جديد في دمشق، والجميع تفاءلوا خيراً، إلا أن الوضع السوري، تحديداً المعيشي لم ازداد تدهوراً، فما الذي ستغيره زيارة اليوم؟

من هنا، لا أحد يدري بعد ما هي الملفات التي ناقشها كل من بن زايد والأسد، إلا أن ثقل هذه المباحثات هو الملف الإيراني الذي تصدر المحادثات المغلقة بين الطرفين، ولكن ما هي مجريات الأمور بعد ذلك، فهذا شأن لن يخرج إلى العلن إلا في حينه، لكن الأيام القادمة ستبين حقيقة تفاصيل هذه الزيارة، لكن لا أجد فيها متنفساً لدمشق فالتجارب السابقة ليست مشجعة، ولنا في العراق خير دليل، فإن كانت عودة سوريا إلى المحيط العربي حتمية، يجب على معرقلين هذه العودة إفساح المجال، خاصة وأن تدخلاتهم لم تجلب خيراً للشعب السوري الذي هو منّا وفينا، ويحق له العيش أسوةً بأقرانه في كل العالم.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"